الليله
حصري لصفحة روايات رولا
الليلة اللي قرر فيها يحيى ينهي جوازنا، رمى تحاليل وفحوصات الخصوبة على ترابيزة السفيرة كأنها أدلة إدانة ضدّي.
وبعدين ابتسم ببرود: “ياسمين حبلت.. يعني أظن كدة وضحت للكل مين اللي كان فيه المشكلة من الأول.”
على مدار ست سنين، استحملت حقن وهرمونات وعمليات ومواعيد دكاترة مبتخلصش، ووجع نفسية وجسدي هدّني. وطول السنين دي، كانت أمه ديماً بتسمّمني بكلمتين: “الست الجدعة هي اللي تعمر بيت جوزها وتجيبله الولد.”
ويحيى كان عامل فيها الزوج المخلص المكسور.. يمسك إيدي في العيادات، يبوس رأسي لما المحاولة تفشل، ويوعدني إننا فرقة واحدة ومع بعض في أي حاجة. أثاري كل الوعود دي تبخرت في اللحظة اللي سكرتيرته ياسمين ورّته فيها تحليل الحمل الإيجابي.
قبل ما الشمس تطلع، يحيى كان سحب كل المليمات اللي في حسابنا المشترك في البنك. لغى تأميني الطبي. ولما نزلت شغلي، جاب نجار وغير أقفال الشقة. المحامي بتاعه بعتلي رسالة يتهمني فيها إني سبت بيت الزوجية بطوعي ومزاجي! حتى العربية اللي بروح بيها شغلي أخدها لأنها كانت متسجلة باسم شركته.
”أكيد هتصرفي نفسك,” قالها وهو واقف في البلكونة بيبصلي بمنتهى الجمود: “طول عمرك بتعرفي تعيشي لوحدك.”
على الناحية التانية من الشارع الضيق، كان فيه حد متابع كل اللي بيحصل خطوة بخطوة.
جارنا، الحج عبد الجواد بيك. الكل في الناحية عارف إنه راجل متقاعد ومعتزل الناس في بيته القديم الكبير، عايش مع كلب حراسة قديم، ونادراً ما حد بيزوره. راجل طويل، شعره أبيض عند الصدغين، وقليل الكلام جداً لدرجة إن الأغبياء كانوا بيفكروه حيطة مايلة وراجل غلبان.
بعد ما يحيى مشي بالشرارة بتاعته، الحج عبد الجواد عدّى الشارع وقرب مني: “عندك مكان آمن تبيتي فيه الليلة دي يا بنتي؟”
بلعت إهانتي بالعافية: “هحجز في أي لوكاندا في الجيزة.”
رد بهدوء: “لأ.. هتيجي تقعدي في بيتي.”
”أنا مباخدش حسنة من حد.”
”تمام..” بص في عيني بثبات: “عشان أنا مش بقدم حسنة.”
جوة بيته، الحج عبد الجواد حط تلات حاجات على الترابيزة قدامي:
مفتاح لبيته.
كارت أشطر محامية أحوال شخصية في القاهرة (الأستاذة إلهام).
ظرف مقفول من أكبر مركز خصوبة في الزمالك.
”مراتي الله يرحمها عاشت سنين بتتظلم وتتشتم على حاجة ملهاش يد فيها,” قال بصوت واطي وراسي: “وده علمني مأمنش لأكتر واحد بيصرخ ويتهم غيره.”
فتحت الظرف.. لقيته تأكيد ميعاد عند أكبر دكتورة خصوبة في مصر، ومدفوع بالكامل.
وبعدين زق ورقة صور أصلية عبر الترابيزة. تقرير طبي عمري ما شفته قبل كده.. اسم “يحيى” مكتوب في أوله بالبنط العريض، والنتيجة: عقم ذكوري حاد، وإمكانية الحمل الطبيعي شبه معدومة.
إيديا بدأت تترعش. ست سنين وأنا فاكرة إن جسمي هو العطلان! استحملت العمليات والمناظير، شيلت الذنب والخجل، واستحملت نظرات أهله.. وطول الوقت ده، يحيى كان عارف الحقيقة!
”جبت التقرير ده منين؟”
”جوزك اتفق مع حد جوة مركز التحاليل عشان التقرير الأصلي ده يختفي وميطلعش عليه إثبات.. وأنا احتفظت بنسخة عشان مدير المركز ده زمان كان تحت التحقيق في ق\ضية تزوير كبيرة.”
بصيتله بذهول: “حضرتك حققت معاه؟”
حاجة غامضة ظهرت في عينين عبد الجواد بيك. صوته فضل هادي، بس فجأة، الراجل العجوز الهادي اللي ساكن قصادي بان إنه أعمق وأخطر بكثير مما كنت أتخيل: “أنا زمان.. حققت مع ناس كبار أوي يا بنتي.”
يحيى كان فاكر إنه ساب ست مكسورة، معهاش جنيه، ومش هتقدر تحاربه. بس هو غلط غلطة عمره.. إنه استهان بالراجل اللي ساكن قصاد بيته.
الجزء الثاني: كل اللي خبوه عني
الدكتورة فكتوريا في الزمالك كانت واضحة وصريحة معايا: “مفيش أي دليل طبي يثبت إنك عقيمة.”
شرحتلي إن هرموناتي سليمة تماماً، وإن المضاعفات اللي جاتلي قبل كده كانت بسبب عمليات يحيى هو اللي أصر أعملها بدون أي داعي طبي!
يحيى كان بيختار الدكاترة، يضغط عليا أوقع على أوراق وأنا تعبانة، وبعدين يفهمني إن جسمي هو اللي فشل.
المحامية إلهام بدأت تحفر ورا يحيى. وفي خلال أسابيع، كشفت تحويلات مالية مشبوهة، وتوقيعات مزورة، ورسايل بين يحيى ومدير المركز الطبي. يحيى مكنش بس بيحاول يخلص مني.. ده قعد سنين يبني ملفات مزورة عشان يدمّرني مادياً ونفسياً ويطلع هو الشريف مظلوم.
في جلسة التسوية، يحيى جه ومعه ياسمين، وكانت لابسة غوايش ستي الذهب اللي سرقها مني!
يحيى اتسند على الكرسي وقال بثقة وسخرية: “لسة عايشة مع الحاج العجوز ده؟ بدّلتي جوزك بـ أوجاع كبر السن؟”
الحج عبد الجواد كان قاعد ورايا بساكت تماماً. يحيى افتكر الصمت ده ضعف. وطلب ياخد نص حساب تقاعدي، والبيت، ويطالبني بتكاليف علاج الخصوبة بتاعة السنين اللي فاتت!
برة القاعة، يحيى قرب مني ووشوشني: “اسحبي الق\ضية والتفتيش ورايا، وإلا هفضحك وأقول إنك نقلتي مع أول راجل يديكي سرير.”
بصيتله ببرود: “قول لياسمين تعمل تحليل DNA للعيّل اللي في بطنها.”
ضحكته اختفت في ثانية. وبعد أسبوعين، النتيجة طلعت.. الطفل مكنش ابن يحيى!
في الوقت ده، حياتي بدأت ترجعلي. بقيت أقضي الأماسي مع الحج عبد الجواد بنصلح الحديقة المنسية ورا بيته. عمره ما استعجلني، ولا عاملني كأن حسني ليه دين لازم أدفعه.
وفي ليلة ممطرة، حكالي الحقيقة الكاملة عنه.
اسمه الحقيقي: عبد الجواد بيك الفاضلي. بعد خدمته كضابط شرطة ثم رئيس مباحث ورئيس قطاع المباحث الجنائية، اعتزل الناس بعد وفاة مراته. بس عيلة الفاضلي دي عيلة كبيرة جداً بتملك مستشفيات ومراكز أبحاث وشركات أمن واستثمار ضخمة.. والدكتورة فكتوريا طلعت أخته!
ولما عرف إني كنت بشتغل خبيرة مراجعة حسابات قانونية (Forensic Accountant) قبل ما يحيى يجبرني أسيب شغلي، طلب مني أراجع حسابات الشبكة الطبية بتاعة عيلته لأنهم شاكين في اختلاسات.
في 11 يوم بس، كشفت الملعوب! بيانات مرضى بتباع، تشخيصات بتتزور، وأزواج بيدفعوا للعيادات عشان يطلعوا تقارير مزورة ينفع تستخدم في القضايا والأحوال الشخصية.. ويحيى كان بيموّل العملية دي من حساب شركته!
الحج عبد الجواد بصلي ابتسامة فخر: “إنتي عمرك ما كنتي ضعيفة يا ليلى.. إنتي بس مكنتيش عارفة الحقيقة.”
بعد ست شهور من اليوم اللي يحيى رماني فيه، الدكتورة فكتوريا لفت شاشة السونار ناحيتي أنا والحج عبد الجواد.. كان فيه نبضين. تؤام!
على بال الليل، يحيى عرف إني حامل.. وعلى نص الليل، اكتشف مين هو “الحاج العجوز المتقاعد” اللي ساكن قصاده!
الجزء الثالث: اليوم اللي يحيى خسر فيه كل حاجة
تاني يوم الصبح، يحيى اقتحم حفل افتتاح “مؤسسة الفاضلي الطبية” في الفورسيزونز. الصحفيين والإعلام كان مالي المكان. كنت واقفة جمب الحج عبد الجواد والدكتورة فكتوريا.
يحيى دخل وهو ماسك تقرير نسب طفل ياسمين وبيصرخ: “هي دي خطتك؟ اتجوزتي راجل غني وحبلتي عشان تعملي فيها كسبتي؟”
القاعة كلها سكتت. الحج عبد الجواد خطى خطوة لقدام: “اطلع برة.”
يحيى ضحك باستهزاء: “إنت حتة لواء شرطة متقاعد!”
رد عبد الجواد بيك برصانة وشموخ: “أنا لواء متقاعد.. ورئيس مجلس إدارة مؤسسة الفاضلي الطبية، والشريك التنفيذي لشركة الفاضلي كابيتال.. والمالك الجديد للشركة اللي إنت شغال فيها من 3 شهور.”
وش يحيى جاب ألوان.
كمل عبد الجواد بيك: “وفحوصات الحسابات اللي عملتها ليلى وصلتني لجرايم التزوير والرشوة اللي دفعتها للعيادة من حساب الشركة. حساباتك اتجمدت الصبح، والنيابة العامة عندها الملف كامل دلوقتي.”
يحيى بصلاتي بذهول: “إنتي اللي عملتي كدة؟”
رديت بثبات: “لأ.. أنا بس كشفت اللي إنت عملته.”
الأستاذة إلهام المحامية دخلت ومعاها أوراق النيابة: أمر بضبط وإحضار، قرار بتجميد الأصول، وبلاغ بتزوير أوراق رسمية واستغلال أموال الزوجية.
يحيى قطع الورق في إيده بجلط، فالضابط اللي واقف جمبه قال ببرود: “تقطيع الورق مبيغيش أومر النيابة يا بيه.”
اثنين من رجال المباحث قربوا وكلبشوه. حتى ياسمين بعدت عنه وهي بتصرخ: “إنت قلتلي إنها مابتخلفش! وقلتلي إن الفلوس دي فلوسك!”
يحيى زعق بإنكار، فرديت عليه: “الفلوس دي كانت حقي، وحق الشركة اللي بتشتغل فيها.. مفيش مليم كان بتاعك.”
لأول مرة، غروره اتمسح كلياً. دمع وقال بصوت مكسور: “أرجوكي يا ليلى.. إحنا كنا متجوزين ست سنين.”
رديت عليه: “صح.. وإنت قضيت الست سنين دول بتعلمني إد ايه الدليل مهم.”
الق\ضية قعدت شهور في المحاكم. يحيى اتسجن بتهم التزوير والنصب والتربح، ومدير المركز الطبي اتسحبت منه الرخصة ودخل السجن معاه.
في قضايا الأحوال الشخصية، استرديت كل فلوسي، وغوايش ستي الذهب، وحقي في الشقة، وتعويض مالي كبير.
بس مأتجوزتش الحج عبد الجواد فوراً.. هو مكنش عايزني أخرج من علاقة فيها تحكم عشان اعتمد على حد تاني.
اللي بنيناه أخد وقته.. صداقة، ثقة، وبعدين حب حقيقي.
بعد سنة، اتجوزنا في جنينة بيته الكبيرة تحت شجر الموالح، والتؤام بتوعنا نايمين جمبنا.. سميناهم “أمل” و”حمزة”.
يحيى بعتلي جواب من السجن يسألني لو العيال دول ولاد عبد الجواد بيك فعلاً.. رجعتله الجواب مقفول زي ما هو. مابقتش مدياله أي تفسير.
زمان.. كنت بترجى راجل عشان يعملي عيلة، وهو كان بيعامل الحب كأنه صفقة وجسمي كأنه بضاعة بايرة.
دلوقتي.. أنا مع راجل فاهم إن الحب مش امتلاك ولا تحكم.. الحب حماية، وصراحة، وشراكة حقيقية بدون ديون.
ولأول مرة من سنين طويلة.. حسيت إن المكان اللي أنا فيه، مش سجن.. ده أخيراً، بيتي.