زعيم المافيا كان بيموت بعد ما 20 جرّاح استسلموا… لحد ما الخادمة الفقيرة شافت حاجة مستخبية في الغُرَز 20 شهادة طب، وعشرات السنين من الخبرة المجمعة، وملايين الدولارات مرصوصة فوق مكتب من خشب الماهوجني… كل ده ما قدرش ينقذ آدم الفاروق. كان زعيم العالم السفلي بلا منازع، لكن جسمه كان بيتآكل من جواه ببطء، بسبب عدوى غامضة مفيش أي مضاد حيوي قادر يوقفها. أفضل الجراحين اتجابوا لقصره، واحد ورا التاني. وفي النهاية… كلهم مشيوا وهم رافعين إيديهم. لحد ما بنت هادية عندها 22 سنة، كانت بتمسح الأرض مقابل مرتب بسيط، لاحظت حاجة كل الدكاترة فشلوا يشوفوها. الدم كان في كل مكان. كان بيتسرب فوق السجاد الفارسي الغالي، ويلطخ ملابس الممرضات البيضاء، ويملأ القصر الضخم برائحة النحاس والمطهرات. كان آدم ممدد في وسط مكتبته اللي اتحولت لغرفة طوارئ خاصة. ملك بيغرق في ملايات سريره. كان عنده 34 سنة، جسمه قوي كأنه لاعب ملاكمة محترف، وكان تقريبًا مستحيل حد يقرب منه في الشوارع. من 3 أسابيع، عصابة منافسة حاولت تنهي حياته بإطلاق نار من عربية مسرعة. لكنهم فشلوا. رصاصة واحدة عدت من كتفه الشمال. ما لمستش شريان ولا عظمة. الإصابة اتصنفت وقتها إنها مجرد جرح سطحي. الجراحة كانت المفروض تكون بسيطة: تنظيف الجرح، قفله، وبعدها حوالي أسبوعين تعافي، ويرجع بعدها يدير إمبراطوريته كأن مفيش حاجة حصلت. لكن بدل ما يخف… آدم كان بيموت. الدكتور شريف كامل كان ماشي رايح جاي في المكتبة، وكل شوية يمسح العرق من على جبينه. كان الجراح رقم 18. الـ17 دكتور اللي قبله يا إما خرجوا وهم عاجزين، يا إما رجال آدم طردوهم من القصر بعد ما فشلوا هم كمان. قال شريف وهو بيبص على الأجهزة اللي بتنور في ضلمة الغرفة: “حرارته 40 درجة. عدد كرات الدم البيضاء بينهار. وموت الأنسجة بيتمدّد من مكان الجرح في كل الاتجاهات. التسمم وصل للدم بالفعل.” سكت لحظة، وبعدين قال: “لازم نبتر دراعه من عند الكتف الليلة… وإلا هيموت قبل ظهر بكرة.” ماجد ما رمش حتى. كان الرجل الثاني في عصابة آدم. واقف في ركن الغرفة، وخلع الجاكت بتاع بدلته وحطه على كرسي جلدي، فبان المس*دس المثبت عند وسطه. بص للدكتور اللي متخرج من واحدة من أرقى الجامعات بعينين باردتين. وقال: “لو قطعت دراعه يا دكتور… أنا هقطع دراعك.” صوته كان منخفضًا وخشنًا. “إنت جبت هنا عشان تعالج العدوى. الدكتور الأول قفل الجرح. إنت بس خلّي اللحم يلم.” الدكتور شريف انفجر: “ليه مش بيلم؟ لأن الطب مش سحر!” ضغط الأيام اللي قضاها وهو شغال تحت تهديد الس*لاح بدأ يكسر هدوءه المهني. “إحنا مديناه كل المضادات الحيوية القوية اللي الطب الحديث يعرفها. فانكومايسين، ميروبينيم، زوسين. وعملنا له 3 عمليات تنظيف وشلنا كل الأنسجة الميتة.” شد نفسًا. “لكن الأنسجة بتموت تاني! كأن العدوى بتتولد من الهوا. أنا بحارب شبح!” في آخر الغرفة، كانت سلمى راكعة جنب صينية فضية مليانة أكياس نفايات طبية. كانت لابسة يونيفورم رمادي، وشعرها مربوط في كعكة بسيطة. كانت غير مرئية. في غرفة مليانة رجال مسلحين وأطباء أصحاب ملايين، بنت عندها 22 سنة وماسكة إسفنجة كانت بالكاد تُعتبر جزءًا من الأثاث. وسلمى كانت بتحب ده. الاختفاء كان أمان. اشتغلت في قصر الفاروق لمدة 6 شهور، طول الوقت مطأطية راسها، بتنضف الحواف والزوايا، وبتتظاهر إنها مش سامعة الصرخات المكتومة اللي كانت أحيانًا بتطلع من القبو. كانت محتاجة المرتب عشان تسدد ديون المستشفى اللي سابتها موت أمها. لكن خلال الأسبوع اللي فات، اتكلفت تقريبًا بتنظيف المكتبة بس، اللي اتحولت لمستشفى إصابات خاصة. عصرت قطعة القماش في جردل بلاستيك. المية اتحولت للون وردي باهت. عينيها فضلت على الأرض. لكنها كانت بتراقب. كانت شافت الدكاترة يدخلوا بحقائب فضية لامعة وثقة ضخمة. شافتهم يراجعوا الأجهزة، وتحاليل الدم، والأشعة، والتقارير الطبية. لكن الحاجة اللي نادرًا ما شافتهم يعملوها… إنهم يبصوا لآدم نفسه. كانوا بيتعاملوا معاه كأنه ماكينة بايظة. يركزوا على الأرقام والنتائج بدل ما يركزوا على الجسم نفسه. سلمى كانت فاهمة الحاجات المكسورة. اتربت في شقة ضيقة فوق مصنع ملابس. أمها قضت 40 سنة من عمرها منحنية فوق ماكينة خياطة، بتصلح أخطاء ناس تانية. ومن أمها، اتعلمت سلمى كل حاجة عن الخياطة. الغُرز. وشد الخيط. والأقمشة. والخيوط. كانت فاهمة كويس إيه اللي بيحصل لما مادة غريبة أو غير مناسبة تتجبر تدخل في حاجة حساسة. القماش بيتكرمش. وبعدين بيتقطع. وفي النهاية… القطعة كلها ممكن تبوظ. آدم أنَّ من الألم. الصوت المبحوح قطع صمت الغرفة. صدره كان بيطلع وينزل بسرعة، وعرق بارد مغطي جسمه. والضمادات التقيلة حوالين كتفه الشمال كانت بالفعل بتسرب سائل أسود مائل للأصفر ورائحته كريهة. قرب ماجد من السرير. ولثانية واحدة… القشرة الصلبة اللي حواليه اتكسرت. إيده قبضت على قائم السرير الخشبي. “تماسك يا باشا.” قالها بصوت منخفض. “الدكتور شريف هيلاقي حل… ولو ما لاقاش، هجيب حد غيره.” الدكتور شريف تمتم وهو بيلبس جوانتي جديد: “مفيش حد تاني.” وبعدين أضاف: “لازم أغير الضمادات تاني. لكن أنا موثق توصياتي ببتر الذراع فورًا. ولما يموت، أنا مش مسؤول.” رد ماجد ببرود: “كل اللي يحصل في الأوضة دي مسؤوليتك.” سلمى أخدت لفة شاش معقم وحوض معدني. مهمتها كانت بسيطة. تقف جنب السرير، وتمسك كيس النفايات الطبية بينما الدكتور شريف يشيل الضمادات المتعفنة ويرميها. قربت بهدوء. الرائحة ضربتها الأول. لحم متعفن. كانت رائحة قوية ومقززة. لكن لما قربت أكتر، وهي ماسكة كيس النفايات جنب الدكتور، شمّت ريحة تانية تحتها. خفيفة. حادة. ريحة شبه اللوز المر والنحاس المحروق. الدكتور شريف بدأ يفك طبقات الشاش بحذر. الجلد تحتها كان متبقع باللون البنفسجي والأسود. عمليات تنظيف الجرح المتكررة كانت وسعت فتحة الرصاصة الأصلية لحد ما بقت حفرة عميقة، باين منها العضلات والأنسجة الداخلية. سلمى حبست نفسها. لكن مش بسبب الجرح. بسبب الرائحة. اللوز المر. والنحاس. أمها كانت بترجع من مصنع الملابس بنفس الريحة بالظبط لما المصنع يستلم خيوط صناعية رخيصة ومعالجة بمواد كيميائية غير معتمدة. العمال اللي كانوا بيتعاملوا معاها كانوا بيظهر على إيديهم طفح جلدي وفقاقيع مؤلمة. سلمى عرفت الريحة. كانت ريحة صبغة صناعية سامة محملة بمعادن ثقيلة. الدكتور شريف مسك ملقط وبدأ يفحص الأنسجة الملتهبة. وقال لماجد: “بص هنا. كل الأنسجة السطحية ماتت بالكامل. الغرز العميقة ماسكة العضلة، لكن الأنسجة حواليها بتتحلل. دي عدوى نخرية حادة. البكتيريا بتاكل جسمه حي.” لكن سلمى ما بصتش على صوابع الدكتور. بصت أبعد. بصت جوه الجرح. الدكتور كان صح في حاجة واحدة. الغرز العميقة كانت ماسكة عضلات آدم. لكن سلمى ضيقت عينيها. الغرز دي ما كانتش الخيط الطبي الأزرق الرفيع اللي شافته قبل كده في مخزن المستلزمات الطبية بالقصر. دي كانت تخينة. سوداء. ومضفّرة. الخيوط الطبية المخصصة للاستخدام الداخلي بتتصمم عادةً بشكل يقلل فرص تجمع الملوثات حواليها. لكن الخيوط دي كان فيها نسيج ملتف بطريقة غريبة. والأسوأ… إنها كانت بتسرّب حاجة. اللون الأسود مش مجرد لون الخيط. كان فيه سائل أسود لزج بيخرج من الخيط المضفور وبيتسرب للعضلة حواليه. الجراح الأول ما كانش بس قفل جرح آدم. هو ساب حاجة جواه. حاجة بتق*تله ببطء. lina.lona lina.lona “الكيس.” الدكتور شريف مد إيده بعصبية. كان ماسك قطعة شاش مليانة دم. سلمى ما اتحركتش. عينيها فضلت على الغرز. الدكاترة قضوا أسابيع بيعالجوا عدوى. ضخوا مضادات حيوية في جسم رجل… بينما جسمه كان بيتسمم من الداخل. “إنتِ!” الدكتور بص لها. “مش سامعة؟ هاتي الكيس.” سلمى رفعت عينيها. بصت للدكتور. وبعدين لماجد. كانت عارفة القواعد اللي خلتها تعيش في القصر لحد النهارده. اسكتي. اعملي شغلك. ومتبصيش في عيون الرجالة اللي شايلة س*لاح. لو اتكلمت وطلعت غلطانة، ممكن ماجد يعتبر إن ق*تلها أسهل من التعامل مع مشكلة جديدة. لكن آدم طلع نفسًا متقطعًا. كان بيغرق في جسمه اللي بيموت. سلمى قالت بصوت بالكاد مسموع: “الغُرز دي غلط.” الدكتور شريف اتجمد. الملاقط وقفت في الهوا فوق الجرح. وببطء لف ناحيتها. “نعم؟” ماجد حط إيده ناحية وسطه. “إنتِ مين؟ اخرسي وامسكي كيس الزبالة.” سلمى بلعت ريقها. قلبها كان بيخبط بعنف. رجعت نص خطوة، وشدت الحوض في إيدها. “أنا قلت إن الغرز اللي في عضلته غلط.” الدكتور ضحك بسخرية. “ماجد، خرج البنت دي من هنا. دي غرفة عمليات مش مكان للخدم.” “استنى.” ماجد قرب منها. “إنتِ قلتي إيه؟” “الخيط.” سلمى أشارت بإصبع مرتعش ناحية كتف آدم. “الدكتور كل شوية بيقول إنه مش قادر يوقف العدوى.” سكتت لحظة. “لأن دي مش عدوى.” الدكتور شريف احمر وشه. “الخيط اللي ماسك عضلته ده خيط صناعي مضفور. مش خيط جراحي.” “إنتِ جاهلة!” صرخ الدكتور. “ده خيط طبي غير قابل للامتصاص، ومخصص لإصابات زي دي.” “لأ.” المرة دي صوت سلمى كان ثابت. وده فاجأها هي نفسها. “الخيط الطبي بيكون أملس. لكن ده مضفور ومطلي بمادة. وإنت تقدر تشمها.” قربت أكتر. “ريحة اللوز المر والمعادن الثقيلة.” ثم أضافت: “الخيط من جوه أجوف… أو على الأقل اتنقع في مادة سامة قبل ما الدكتور الأول يحطه في جسمه.” سكتت الغرفة كلها. “كل مرة العضلة تتحرك، الاحتكاك بيعصر السم من الخيط ويدخله في الدم.” ساد الصمت. الدكتور بص لسلمى، وبعدين للجرح. وقال باحتقار: “دي أغبى حاجة سمعتها في حياتي. سموم معادن ثقيلة؟ يا ماجد، دي خدامة. بتنضف الحمامات. وأنا جراح متخصص.” ماجد سحب مس*دسه. صوت تراجع الس*لاح المعدني كان واضحًا في الغرفة. المس*دس ما كانش موجه لسلمى مباشرة. لكن برضه… ما كانش بعيد عنها. ماجد بص ناحية السرير. “يا باشا.” جفون آدم اتحركت. ببطء لف راسه. عينيه كانت حمرا ومليانة حرارة وهذيان، لكن تحت التعب كان لسه موجود الذكاء الحاد اللي بنى بيه إمبراطوريته. بص للدكتور شريف. وبعدين بص لسلمى. وقال بصوت متقطع: “اديها المقص.” الدكتور اتصدم. “يا أستاذ آدم، حضرتك مش في وعيك. لو قطعنا الغرز العميقة، جدار العضلة ممكن ينهار.” آدم أخد نفسًا بصعوبة. “أنا قلت…” سكت لحظة. “اديها المقص.” الدكتور رمى مقص جراحي على الصينية المعدنية. “تمام. عايز تخلي عاملة نظافة تعمل جراحة؟ موتُه هيبقى على مسؤوليتك.” سلمى تحركت فورًا. الارتعاش اختفى من إيديها. هي كانت فاهمة الخيط. وفاهمة المقص. أخدت ملقط جراحي ومقص حاد من الصينية. وبعدين مالت فوق آدم الفاروق. من قريب… كان مخيف حتى وهو ضعيف. ندبة طويلة كانت ماشية على فكه. لكن في اللحظة دي، سلمى ما شافتش أخطر رجل في المدينة. شافت قطعة قماش مقطوعة. أدخلت الملقط بحذر جوه الجرح. مسكت العقدة السوداء المدفونة داخل العضلة. شدتها. وبعدين قصت. قص. الخيط الأسود خرج من الأنسجة. وبمجرد ما سحبته، السائل الأسود توقف عن التجمع حول مكان الغرزة. والدم الأحمر بدأ ينزل بدلًا منه، وكأنه بيغسل الجرح. انتقلت للغرزة اللي بعدها. قص. سحب. وبعدين واحدة تالتة. قص. سحب. سلمى شالت 6 غرز مسمومة من كتف آدم الفاروق. ولما آخر قطعة من الخيط الأسود وقعت في الحوض المعدني، خبطت في قاعه بصوت خافت. ولا حد اتكلم. الصوت الوحيد في الغرفة كان صوت جهاز مراقبة القلب، اللي لسه بيطلق إنذارات سريعة وغير منتظمة. سلمى رجعت خطوة. المقص وقع من إيدها على الصينية. الأدرينالين اختفى فجأة. وبدأت إيديها ترتعش. دم آدم كان مغطي إيديها. هي للتو أجرت عملية جراحية مرتجلة على أخطر رجل في المدينة. عارضت جراحًا متخصصًا. وكل ده وهي واقفة على بُعد خطوات من رجل مسلح. ولو آدم مات… كانت متأكدة إنها هتموت معاه. الدكتور شريف همس: “إنتِ عملتِ إيه؟” وبدأ صوته يعلى من الخوف. زق سلمى واتجه ناحية السرير. “إنتِ سيبتي العضلة مفتوحة! هينزف لحد ما يموت! ماجد، هي ق*تلته! لازم ملاقط! لازم أقفل العضلة فورًا!” ماجد رفع المس*دس لحد ما بقى مصوبه مباشرة على وش الدكتور. “إلمسه…” الدكتور وقف مكانه. “وهفجّر دماغك على الكتب الغالية دي.” ثم قال: “ابعد عن السرير.” الدكتور وقف مكانه، ورفع إيديه الملطخة بالدماء، وتراجع. ماجد ما بصش له. عينيه كانت على آدم. مرّت دقيقتان كاملتان. دقيقتان من الرعب. الجرح المفتوح كان لسه بينزف دم أحمر على الشاش الجديد اللي حطته سلمى تحت كتفه. لكن… السائل الأسود اختفى. والرائحة الكيميائية المرّة بدأت تختفي. وحل مكانها ريحة النحاس واليود. ثم تغيّر جهاز القلب. نبض آدم بدأ يهدأ. الإيقاع السريع والمتخبط بدأ ينتظم. وفوق السرير… أخذ آدم نفسًا عميقًا. لأول مرة من 4 أيام، صدره اتفتح بالكامل من غير صوت الاختناق الرطب اللي كان مصاحب لكل نفس. اللون الأصفر المريض اللي كان مغطي وشه بدأ يختفي. وجبهته بدأت تبرد. آدم الفاروق بدأ يستقر. ماجد أطلق نفسًا طويلًا، كأنه كان حابسه جواه من أيام. بص للشاشة. ثم بص لآدم. ثم رجع يبص لسلمى. لأول مرة من يوم ما دخلت القصر، حد بص لها كأنها إنسانة. لكن قبل ما يقول أي كلمة… الدكتور شريف اندفع ناحية جهاز المراقبة. “مستحيل.” قرب من الشاشة. “الحرارة بدأت تنزل.” حط إيده على جبين آدم. ثم سحبها بسرعة. “من أربعين… لتسعة وتلاتين ونص.” ماجد عقد حاجبيه. “وبعدين؟” الدكتور بص على التحاليل. “الضغط اتحسن.” سكت. ثم قال بصوت منخفض: “ومعدل ضربات القلب بيرجع طبيعي.” سلمى فضلت واقفة مكانها. إيديها كانت بتترعش. قالت بهدوء: “لسه بدري.” الكل بص لها. بلعت ريقها. “أنا شلت الغرز اللي كانت بتدخل المادة دي لجسمه… لكن لو باقي منها جوه، ممكن يرجع يسوء.” الدكتور شريف بص لها بغضب. “إنتِ مش فاهمة إنتِ بتقولي إيه.” سلمى رفعت عينيها له. “أنا فاهمة أكتر منك في حاجة واحدة.” سكتت. “إن الحاجة اللي بتق*تل الشخص مش لازم تكون حاجة بتتحرك.” الدكتور عقد حاجبيه. “يعني إيه؟” “ممكن تكون حاجة مستخبية.” أشارت إلى الخيط الأسود الموجود داخل الحوض المعدني. “زي دي.” ماجد قرب من الحوض. رفع قطعة الخيط بالملقط. كان لونها أسود لامع. لكن لما ضغط عليها… نزلت منها نقطة سائل داكن. وقعت على الصينية. صدر صوت طقطقة خفيف. الدكتور شريف اتجمد. “هاتِ لي أنبوبة.” سلمى بصت له. “ليه؟” “عشان ناخد عينة.” ثم لأول مرة، اختفت السخرية من صوته. “أنا عايز أعرف إيه المادة دي.” ماجد أشار لأحد رجاله. “هات اللي طلبه.” الرجل خرج بسرعة. بعد دقائق، كانت العينة في أنبوب معقم. لكن المشكلة لم تكن في المادة وحدها. كانت في شيء آخر. الدكتور شريف بدأ يفحص الخيط تحت المجهر المحمول الموجود في حقيبته. وبعد أقل من دقيقة… رفع رأسه ببطء. “الخيط ده مش جراحي.” سلمى ما قالتش حاجة. ماجد قال: “قلت لك.” الدكتور هز رأسه. “لا.” ثم نظر إلى الخيط مرة أخرى. “أنا أقصد إنه مش مجرد خيط غير طبي.” سكت. “الخيط ده معمول بطريقة متعمدة عشان يحتفظ بالمواد داخله.” ماجد ضيق عينيه. “يعني إيه؟” الدكتور أشار إلى الألياف. “حد صممه أو عدله.” الغرفة أصبحت باردة فجأة. آدم، رغم أنه شبه فاقد للوعي، فتح عينيه. “مين؟” صوته كان ضعيفًا. لكن الكلمة وحدها جعلت ماجد يلتفت إليه. “باشا.” آدم حاول يتحرك. تأوه من الألم. سلمى تقدمت خطوة. “ماتتحركش.” آدم بص لها. ثواني مرت. ثم قال: “إنتِ اسمك إيه؟” “سلمى.” “سلمى إيه؟” ترددت. “سلمى ناصر.” آدم أغلق عينيه للحظة. “كويس.” ثم فتحهما. “متنسيش الاسم ده يا ماجد.” ماجد فهم. “حاضر.” سلمى شعرت بقشعريرة. هي لم تكن تعرف ماذا يقصد. لكنها عرفت شيئًا واحدًا. من اللحظة دي… حياتها القديمة انتهت. بعد ساعة… وصلت نتيجة التحليل الأولي. الدكتور شريف كان واقفًا أمام شاشة الكمبيوتر. وجهه فقد كل ألوانه. ماجد دخل عليه. “اتكلم.” الدكتور لم يرد. “قلت اتكلم.” الدكتور رفع عينيه. “المادة اللي كانت في الخيط مش سم عادي.” “إيه يعني؟” “مركب كيميائي صناعي.” أخذ نفسًا. “مصمم إنه يسبب تلفًا تدريجيًا للأنسجة.” ماجد حدق فيه. “يعني حد حط السم في الغرز.” “بالضبط.” “مين الجراح اللي قفل الجرح أول مرة؟” الدكتور فتح الملف. “الدكتور فؤاد رشدي.” ماجد سكت. ثم أخرج هاتفه. “فينه؟” الدكتور قال: “اختفى.” توقف إصبع ماجد فوق شاشة الهاتف. “إمتى؟” “من يومين.” “وآخر مرة شوهد فيها؟” الدكتور تردد. “في المطار.” ماجد رفع عينيه. “أي مطار؟” “مطار القاهرة.” سادت لحظة صمت. ثم رن هاتف ماجد. رد فورًا. “قول.” جاءه صوت أحد رجاله من الطرف الآخر. “يا ماجد بيه… عندنا مشكلة.” “إيه؟” “الدكتور فؤاد مش هو الوحيد اللي اختفى.” ماجد اعتدل. “مين كمان؟” “اتنين من الجراحين اللي كانوا هنا قبل كده.” ماجد لم يتكلم. “وفي حاجة تانية.” “قول.” “فتشنا العربية بتاعة الدكتور فؤاد.” “ولقينا إيه؟” الرجل سكت ثانيتين. ثم قال: “لقينا صندوق صغير.” “جواه إيه؟” “خيوط سوداء.” ماجد أغلق عينيه. ثم قال: “هات الصندوق للقصر.” في نفس الوقت… كانت سلمى في الحمام الصغير الموجود بجوار المكتبة. بتغسل إيديها للمرة العاشرة. لكن الدم لم يكن المشكلة. كانت تحاول تستوعب اللي حصل. هي، بنت الخادمة. لمست زعيم المافيا. قطعت غرز جراحية. أنقذت حياته. والآن… كل رجال القصر يعرفون اسمها. خرجت من الحمام. لكنها توقفت فورًا. كان هناك رجلان واقفان أمام الباب. أحدهما قال: “ماجد بيه عايزك.” قلبها وقع. “ليه؟” الرجل لم يرد. “أنا عملت اللي طلبه مني الدكتور.” قالت بتوتر. “لو في مشكلة—” الرجل قاطعها. “مش مشكلة.” ثم فتح لها الطريق. “بس من دلوقتي، محدش هيسمح لك تخرجي من القصر.” سلمى تجمدت. “إيه؟” الرجل قالها ببرود: “أوامر آدم الفاروق.” دخلت سلمى المكتبة. كانت الغرفة مختلفة تمامًا. قبل ساعات كانت مليانة أطباء. دلوقتي… كان فيها رجال مسلحون. ماجد واقف بجانب المكتب. والدكتور شريف أمام شاشة الكمبيوتر. وآدم ما زال على السرير. لكن عينيه كانتا مفتوحتين. وأكثر وعيًا. أشار آدم لسلمى. “اقربي.” سلمى تقدمت ببطء. “نعم؟” “اقفلي الباب.” قفلت الباب. آدم نظر لماجد. “وريني الصندوق.” ماجد وضع صندوقًا معدنيًا صغيرًا فوق المكتب. فتحه. ظهرت عشرات البكرات الصغيرة من الخيط الأسود. سلمى قربت. وشعرت بنفس الرائحة. اللوز المر. والنحاس. لكن هذه المرة… لاحظت شيئًا آخر. مدت يدها. “ممكن؟” ماجد لم يرد. آدم قال: “خليها تشوف.” سلمى أخذت إحدى البكرات. قلبتها بين أصابعها. ثم توقفت. كانت هناك علامة صغيرة جدًا محفورة على جانب البكرة. حرفان. AF. سلمى همست: “دي مش علامة مصنع.” الدكتور شريف قرب. “إزاي عرفتي؟” “لأنها مش مطبوعة.” رفعت البكرة. “دي محفورة بإيد.” ماجد أخذها منها. حدق فيها. ثم تغير وجهه. “آدم.” “عارف.” آدم كان ينظر للعلامة. “AF.” قالها ببطء. “دي الأحرف الأولى من اسمي.” سلمى رفعت عينيها. “يعني حد عمل الخيط مخصوص ليك.” لم يرد آدم. كان ينظر إلى البكرة. ثم قال: “مش بس كده.” سكت. “حد كان عايزني أعيش.” ماجد استغرب. “إيه؟” آدم ابتسم ابتسامة باردة رغم الألم. “لو كان عايزني أموت فورًا، كان حط رصاصة في رأسي.” نظر إلى الغرز. “لكن اللي حصل كان أبطأ.” “كان عايزني أختفي من غير ما حد يعرف مين ق*تلني.” سلمى قالت: “بس هو فشل.” آدم نظر إليها. “بسببك.” سلمى خفضت عينيها. “أنا بس شفت حاجة.” “الناس كلها شافتها.” قال آدم. “لكن إنتِ الوحيدة اللي بصيتي.” لم تعرف ماذا تقول. ثم فجأة… صدر صوت قوي من خارج الباب. طلقة. تبعها صراخ. ثم طلقة ثانية. رجال آدم سحبوا أسلحتهم في نفس اللحظة. ماجد اتجه للباب. لكن آدم أمسك بذراعه. “متخرجش.” ماجد بص له. “لازم أعرف مين.” آدم قال بهدوء مخيف: “اللي حط الغرز دي عرف إنها اتشالت.” ثم نظر إلى سلمى. “واللي عرف… عرف كمان إنها هي اللي شالتها.” سلمى شعرت بالدم ينسحب من وجهها. “يعني إيه؟” آدم لم يجب. لأن هاتف أحد رجال الحراسة رن. رد الرجل. ثوانٍ فقط… ثم تغير وجهه. “يا باشا…” “قول.” “في عربية وقفت قدام البوابة.” “ومين فيها؟” الرجل ابتلع ريقه. “الدكتور فؤاد رشدي.” الغرفة كلها سكتت. الدكتور شريف همس: “ده مستحيل.” لكن آدم ابتسم. ابتسامة صغيرة باردة. وقال: “لا.” ثم نظر إلى سلمى. “ده معناه إن اللعبة لسه بدأت.” وفي نفس اللحظة… جاء صوت من السماعات الداخلية للقصر. صوت رجل مجهول. هادئ. واضح. قال: “آدم الفاروق.” سكت ثانية. “إنت عشت أكتر مما كان متوقع.” ثم أضاف: “لكن الخادمة اللي أنقذتك… هي السبب اللي هننهيك بيه.” سلمى تجمدت. وآدم رفع عينيه نحو السماعة. لأول مرة… ظهر الغضب الحقيقي في وجهه. وقال: “لو لمستواها…” ثم سكت. ابتسم. “هخلي المدينة كلها تعرف يعني إيه حرب.” لم يستطع أحد أن يتكلم. الجملة الأخيرة التي قالها الرجل الغامض ظلت معلقة في الهواء. “الخادمة اللي أنقذتك… هي السبب اللي هننهيك بيه.” سلمى شعرت أن قدميها تجمدتا في الأرض. بصت لآدم. لم يكن غاضبًا فقط. كان هادئًا بشكل مخيف. ذلك النوع من الهدوء الذي يسبق العاصفة. ماجد اقترب من السماعة. “مين إنت؟” ضحكة قصيرة خرجت من الجهاز. ثم جاء الرد: “إنت عارفني يا ماجد.” ماجد عبس. “قول اسمك.” “اسأل رئيسك.” ثم انقطع الاتصال. ماجد أمسك السماعة بعنف. “فتشوا القصر كله!” اندفع الرجال خارج الغرفة. الأبواب أُغلقت. الحرس انتشروا في الممرات. لكن آدم ظل ينظر إلى سلمى. “اقعدي.” سلمى لم تتحرك. “أنا؟” “أيوه.” “ليه؟” “لأنك من دلوقتي مش خادمة.” سكت. “إنتِ هدف.” نظرت إليه بخوف. “أنا عايزة أمشي.” ماجد التفت إليها. “مش ممكن.” “أنا مالي بكل ده؟” صوتها ارتجف. “أنا شفت غرزة غلط وشلتها. أنا معنديش علاقة بالعصابة ولا بالأطباء ولا بالناس اللي عايزة تق*تلك.” آدم قال بهدوء: “أنا مصدقك.” “إذن خليني أمشي.” “مش هينفع.” “ليه؟” نظر إليها مباشرة. “لأنهم عرفوا إنك السبب في نجاتي.” سلمى سكتت. “ولو خرجتي من هنا، هتكوني أسهل شخص يوصلوا له.” اقترب ماجد. “واللي حاول يدخل القصر النهارده مش بيهددك بس.” رفع هاتفه. “ده بعت صورة.” فتح الشاشة. ووضعها أمام سلمى. سلمى شهقت. الصورة كانت لها. وهي داخلة القصر صباحًا. ثم صورة أخرى. وهي خارجة من المتجر القريب. ثم ثالثة أمام العمارة التي كانت تعيش فيها. ثم صورة لأمها القديمة. سلمى شعرت بأنفاسها تختنق. “إزاي…؟” ماجد قال: “كانوا بيراقبوكي من قبل ما تعرفي إنهم موجودين.” آدم أغلق عينيه للحظة. ثم قال: “هم ما اختاروش سلمى صدفة.” الجميع التفت إليه. “إيه؟” آدم فتح عينيه. “اللي حصل لي كان مخطط له من البداية.” الدكتور شريف اقترب. “بس ليه يستخدموا خادمة؟” آدم نظر إليه. “لأن محدش كان هيفتكر إنها مهمة.” ثم نظر إلى سلمى. “إلا إذا كانت مهمة فعلًا.” سلمى هزت رأسها. “أنا مش فاهمة.” آدم قال: “ولا أنا.” ثم أشار لماجد. “هات ملفها.” ماجد تردد. “ملف مين؟” “سلمى.” سلمى عقدت حاجبيها. “ملفي؟” “كل موظف عندي له ملف.” ماجد أخرج هاتفه وبدأ يبحث. ثوانٍ. ثم تغير وجهه. “غريبة.” آدم قال: “إيه؟” “ملفها ناقص.” سلمى اقتربت. “يعني إيه ناقص؟” “كل العمال عندهم بيانات كاملة.” قلب الشاشة. “الاسم، السن، العنوان، أقارب، جهة العمل السابقة.” ثم نظر إليها. “ملفك فيه اسمك بس.” الصمت عاد من جديد. سلمى همست: “أنا قدمت كل البيانات.” ماجد نظر إلى آدم. “حد مسحها.” آدم قال: “أو حد حطها هنا مخصوص.” سلمى تراجعت خطوة. “لا.” آدم نظر لها. “ليه؟” “لأن أمي هي اللي جابتلي الشغل.” “إزاي؟” “قبل ما تموت بأسبوع.” سكتت. “قالت إن واحدة صاحبتها تعرف مديرة القصر.” ماجد سأل بسرعة: “اسمها إيه؟” سلمى حاولت تتذكر. “مش فاكرة الاسم كامل.” “حاولي.” “كانت اسمها… نادية.” ماجد تجمد. ثم نظر إلى آدم. “نادية مين؟” سلمى قالت: “نادية عبد الرحمن.” الدكتور شريف رفع رأسه. “مستحيل.” آدم قال: “إنت تعرفها؟” الدكتور ابتلع ريقه. “كانت ممرضة.” “فين؟” “في المستشفى اللي اتعالج فيها آدم بعد الإصابة.” سلمى فتحت عينيها. “يعني…” الدكتور أكمل: “كانت هي اللي سلمت ملف العملية للدكتور فؤاد.” الصمت أصبح خانقًا. ماجد وضع يده على مس*دسه. “يعني هي كانت موجودة من أول يوم.” آدم قال: “مش بس موجودة.” ثم نظر إلى الخيط الأسود. “هي ممكن تكون اللي اختارته.” بعد عشر دقائق، وصل رجلان يحملان جهاز كمبيوتر محمول. وضعوه أمام آدم. بدأ ماجد في البحث عن اسم نادية. لكن كلما فتح ملفًا… كان فارغًا. كأن شخصًا محا وجودها بالكامل. حتى صورة الموظفة لم تكن موجودة. فجأة… صدر صوت من الكمبيوتر. ملف واحد فقط ظهر. تاريخ إنشائه كان قبل ثلاثة أسابيع. قبل إصابة آدم بيوم واحد. عنوان الملف: المشروع: الفاروق ماجد قال: “افتحه.” ظهرت شاشة سوداء. ثم سطر واحد: المرحلة الأولى: الإصابة. تحتها: المرحلة الثانية: العدوى. ثم: المرحلة الثالثة: الإنقاذ بواسطة الهدف البديل. سلمى حدقت في الشاشة. “الهدف البديل؟” لم يجب أحد. ظهر سطر جديد. الهدف البديل: سلمى ناصر. سلمى شعرت أن قلبها توقف. “لا…” آدم نظر إليها. ثم ظهرت جملة أخيرة. عند نجاح المرحلة الثالثة، يتم نقل السيطرة. ماجد قال: “السيطرة على إيه؟” وفجأة انطفأت الشاشة. ثم اشتغل هاتف آدم. رسالة واحدة. من رقم مجهول. فتحها. كانت صورة. صورة قديمة لسلمى وهي طفلة. واقفة بجوار أمها أمام مصنع الملابس. وفي خلفية الصورة… كان يقف رجل تعرفه سلمى جيدًا. رجل لم تره منذ سنوات. أبوها. سلمى شهقت. “ده…” آدم سأل: “تعرفيه؟” “أيوه.” صوتها خرج مكسورًا. “ده أبويا.” ماجد نظر للصورة. “أبوكِ اختفى من إمتى؟” سلمى لم ترد. كانت عيناها معلقتين بالصورة. لأن هناك شيئًا آخر. في يد أبيها… كانت نفس البكرة السوداء. نفس العلامة. AF. سلمى رفعت يدها إلى فمها. “أبويا كان شغال في مصنع الخيوط.” آدم قال: “أي مصنع؟” “مصنع اسمه النور.” الدكتور شريف اقترب من الشاشة. ثم تجمد. “مصنع النور…” ماجد بص له. “إيه؟” الدكتور قال: “هو المورد القديم لبعض المستلزمات الطبية للمستشفى.” آدم سكت. ثم قال: “يعني الخيط بدأ من مصنع.” ماجد أكمل: “وعدّى على المستشفى.” الدكتور شريف قال: “ووصل لجسده.” آدم نظر إلى سلمى. “وبعدين وصل لكِ.” سلمى همست: “أنا مش فاهمة.” آدم قال: “أنا كمان.” ثم سعل بقوة. بدأ جهاز المراقبة يطلق إنذارًا جديدًا. ماجد اندفع نحوه. لكن سلمى لاحظت شيئًا. هذه المرة… لم يكن لون وجه آدم أصفر. كان شاحبًا جدًا. وضغطه بدأ ينخفض. سلمى اقتربت من الجرح. ثم تجمدت. هناك نقطة سوداء صغيرة ظهرت داخل إحدى الغرز القديمة. قالت: “استنى.” الجميع سكت. سلمى انحنت. “لسه فيه واحدة.” الدكتور شريف قال: “مستحيل.” “لأ.” أشارت إليها. “واحدة اتدفنت أعمق من الباقيين.” آدم شد أسنانه. “شيلِيها.” الدكتور قال: “لو شلتها دلوقتي ممكن ينزف.” سلمى نظرت إلى الجرح. ثم إلى آدم. “لو سبتها… هيموت.” آدم ابتسم رغم الألم. “إنتِ عارفة تعمليها.” سلمى أمسكت الملقط. لكن قبل ما تلمس الغرزة… انطلقت رصاصة من خارج النافذة. تحطم الزجاج. الرصاصة مرت فوق رأس سلمى مباشرة. ماجد جذبها إلى الأرض. وآدم حاول النهوض رغم الألم. صرخ: “اقفلوا القصر!” ثم جاءت أصوات إطلاق نار من كل اتجاه. والأغرب… أن رجال آدم لم يكونوا يطلقون النار على الخارج. كان هناك شخص داخل القصر. شخص كان بالفعل بينهم. وشخص يعرف بالضبط… أين توجد غرفة آدم. سلمى كانت ملتصقة بالأرض بجانب السرير. وفجأة سمعت صوت خطوات تقترب من الباب. خطوة… ثم خطوة… ثم توقف الصوت. مقبض الباب بدأ يتحرك ببطء. ماجد رفع س*لاحه. آدم قال: “ما تطلقش.” “ليه؟” آدم حدق في الباب. “لأن اللي ورا الباب…” سكت. ثم قال: “هو الشخص الوحيد اللي كان يعرف إن الغرزة الأخيرة لسه موجودة.” وانفتح الباب. وكانت المرأة الواقفة خلفه… هي نادية. لكنها لم تكن وحدها. كانت تمسك بيد طفلة صغيرة. وسلمى بمجرد ما شافت الطفلة… شهقت. لأنها كانت تشبه أمها بشكل مخيف. ثم قالت نادية: “سلمى…” وتوقفت. “أمك ما ماتتش بالطريقة اللي قالوهالك.” سلمى لم تستطع أن تتحرك. حدقت في نادية. ثم في الطفلة الصغيرة التي كانت واقفة بجانبها. كانت الطفلة في حوالي السابعة من عمرها، ترتدي فستانًا أزرق بسيطًا، وشعرها الأسود مربوط بضفيرتين. لكن عينيها… عينيها كانت نفس عيني أم سلمى. نفس النظرة. نفس الهدوء. نفس الطريقة اللي كانت أمها تبص بيها لها لما تكون خايفة وتحاول تخبي خوفها. سلمى همست: “إنتِ قلتي إيه؟” نادية أغلقت الباب خلفها. ماجد رفع س*لاحه. “محدش يتحرك.” نادية رفعت يديها. “لو كنت عايزة أق*تله، ما كنتش دخلت من الباب.” ماجد ضغط على الزناد نصف ضغطة. “إنتِ دخلتي وسط رجال آدم الفاروق.” نادية قالت: “وعارفة.” “إذن إنتِ مجنونة.” “يمكن.” ثم نظرت إلى آدم. “بس أنا جاية أوقف اللي بدأ من عشرين سنة.” آدم ضيق عينيه. “مين الطفلة؟” نادية لم تجب. سلمى تقدمت خطوة. “أنا سألتك عن أمي.” نادية نظرت إليها. “اسم أمك كان فاطمة ناصر.” سلمى ارتجفت. “أيوه.” “اشتغلت في مصنع النور سبعتاشر سنة.” “أيوه.” “لكنها ما كانتش مجرد عاملة.” سلمى هزت رأسها. “أمي كانت خياطة.” “كانت بتشتغل في قسم التجهيز.” سلمى قالت: “يعني إيه؟” نادية أخذت نفسًا. “كانت بتفحص الخيوط قبل ما تدخل خطوط الإنتاج.” الدكتور شريف اقترب. “الخيوط؟” نادية أومأت. “الخيوط الطبية والصناعية.” ثم نظرت إلى البكرة السوداء فوق المكتب. “وأول واحدة اكتشفت إن فيه خيوط ملوثة… كانت أمك.” سلمى شعرت بأن الغرفة تدور بها. “ماما كانت عارفة؟” “كانت عارفة إن المصنع بيستخدم مواد ممنوعة.” “وليه ما قالتش؟” نادية نظرت إلى آدم. “قالت.” سكتت. “بس لما قالت… اختفى أول شاهد.” ماجد سأل: “مين؟” “مدير المصنع.” ثم أضافت: “وبعده مهندس الجودة.” ثم نظرت إلى سلمى. “وبعدهم… أبوك.” سلمى تراجعت. “أبويا؟” “أبوك ما هربش.” الصمت. “أبوك اتق*تل.” سلمى وضعت يدها على فمها. “لا.” نادية قالت: “أمك عرفت.” “ولما عرفت… حاولت تهرب بيك.” “لكنهم وصلوا لها.” سلمى دمعت عيناها. “أنا شفتها وهي بتموت.” نادية هزت رأسها. “لأ.” “إنتِ كنتِ في المستشفى.” “وأنا كنت هناك.” سلمى اقتربت منها. “إذن قوليلي.” صوتها ارتفع. “قوليلي أمي ماتت إزاي.” نادية قالت: “أمك ما ماتتش بسبب المرض.” سكتت. “هي ماتت لأنها رفضت تقول لهم مكان دفتر صغير.” آدم رفع رأسه. “أي دفتر؟” نادية بصت له. “دفتر فيه كل أسماء الناس اللي شاركوا في تصنيع الخيط.” ماجد قال: “فين الدفتر؟” نادية نظرت إلى سلمى. “معاها.” سلمى تجمدت. “إيه؟” “أمك خبته قبل ما تختفي.” “أنا ما عنديش حاجة.” “عندك.” نادية أشارت إلى رقبة سلمى. كانت ترتدي سلسلة فضية رفيعة، فيها قلادة صغيرة كانت أمها قد أعطتها لها وهي طفلة. سلمى أمسكت القلادة. “دي؟” نادية أومأت. “افتحيها.” سلمى حاولت. لم تفتح. “مفيش حاجة.” نادية قالت: “لفيها.” سلمى أدارت الجزء الخلفي. ظهر خط صغير جدًا. ضغطت عليه. طَق. انفتح الجزء الداخلي. وفيه ورقة صغيرة مطوية بعناية. سلمى شهقت. “دي كانت جوه القلادة؟” نادية قالت: “أمك كانت أذكى مما تتخيلي.” ماجد مد يده. “هاتِ.” لكن آدم قال: “سيبها.” ماجد توقف. آدم نظر إلى سلمى. “إنتِ افتحيها.” سلمى فتحت الورقة. كان عليها ثلاثة أرقام. وتاريخ. واسم واحد. الدكتور فؤاد رشدي. الدكتور شريف شهق. “الدكتور اللي حط الغرز؟” نادية أومأت. “هو كان جزء من الشبكة.” ماجد قال: “لكن ليه يق*تل آدم؟” نادية ردت: “لأنه لم يكن يريد ق*تله.” آدم رفع حاجبه. “إذن إيه اللي كان عايزه؟” نادية قالت: “كان يريد استخدام جسمك كدليل.” الجميع سكت. “إيه؟” “العدوى اللي حصلت لك كانت تجربة.” الدكتور شريف اقترب. “تجربة؟” “كانوا يريدون معرفة هل المادة تقدر تنتقل من الخيط إلى الدم وتسبب تلفًا تدريجيًا.” آدم نظر إلى الغرز. “يعني أنا كنت فأر تجارب.” “بالضبط.” ماجد قبض يده. “مين وراهم؟” نادية قالت: “مش شخص واحد.” ثم نظرت إلى آدم. “شبكة.” “شبكة كبيرة.” “أطباء.” “مصانع.” “رجال أعمال.” “ومسؤولون.” ثم قالت: “وكلهم عندهم سبب واحد يخليهم يخافوا من دفتر أم سلمى.” سلمى سألت: “إيه السبب؟” نادية قالت: “لأن الأسماء الموجودة فيه ممكن توقعهم كلهم.” فجأة… الطفلة التي كانت بجانب نادية تكلمت. “ماما.” نادية التفتت إليها. “نعم؟” الطفلة أشارت إلى آدم. “هو ده الراجل اللي بابا كان خايف منه؟” آدم رفع عينيه. ماجد قال: “بابا مين؟” الطفلة لم ترد. نادية أمسكت يدها. لكن آدم كان قد فهم شيئًا. قال: “اسمها إيه؟” نادية سكتت. “سألتك اسمها إيه؟” قالت: “ليان.” آدم نظر إلى الطفلة طويلًا. ثم إلى نادية. “ليان مين؟” نادية قالت: “ليان رشدي.” الدكتور شريف تجمد. “رشدي؟” نادية أومأت. “بنت الدكتور فؤاد رشدي.” الغرفة كلها دخلت في صمت. سلمى بصت للطفلة. ثم لنادية. “إنتِ بتقولي إن دي بنت الدكتور اللي حاول يق*تل آدم؟” نادية قالت: “أيوه.” “إذن ليه جايباها هنا؟” نادية أجابت: “لأن أبوها حاول يق*تلها هي كمان.” آدم قال: “ليه؟” نادية نظرت إلى ليان. “لأنها سمعت حاجة ما كانش المفروض تسمعها.” الطفلة خفضت رأسها. آدم قال: “إيه اللي سمعته؟” ليان لم تتكلم. سلمى جلست على ركبتيها أمامها. وقالت بهدوء: “ماتخافيش.” الطفلة رفعت عينيها. “أنا مش هأذيكي.” سكتت. ثم قالت: “سمعت بابا بيتكلم مع رجل.” “كان بيقول له إيه؟” الطفلة بدأت تبكي. “كان بيقول له…” ثم توقفت. سلمى مدت يدها. “كملي.” قالت ليان: “كان بيقول إن لازم يخلوا آدم يموت…” سكتت. “وإن لازم ياخدوا البنت.” سلمى تجمدت. “أي بنت؟” ليان أشارت إليها. “إنتِ.” سلمى شعرت بقشعريرة. “ليه؟” الطفلة قالت: “قال إن دمك هو المفتاح.” آدم تغيرت ملامحه. “دمها؟” نادية أومأت. “دي النقطة اللي ما كنتش عايزة أوصل لها.” الدكتور شريف قال: “إيه علاقة دمها بالموضوع؟” نادية نظرت إلى سلمى. “أمك كانت بتتعامل مع المواد دي سنين.” سلمى قالت: “يعني؟” “ممكن يكون جسمها اتعرض لها.” “وممكن…” نادية توقفت. “يكون جسم سلمى طور مقاومة.” الدكتور شريف فهم. “يعني عينة دم منها ممكن تستخدم في علاج التسمم؟” نادية قالت: “أو في تطويره.” آدم حدق فيها. “وعشان كده هم عايزينها.” “أيوه.” في اللحظة نفسها… بدأت أصوات إطلاق النار خارج الغرفة من جديد. لكن هذه المرة كانت أقرب. ماجد نظر إلى رجاله عبر الباب. أحدهم صرخ: “بيقتحموا الدور!” آدم حاول النهوض. سلمى أمسكت كتفه. “إنت لسه ضعيف.” قال: “مش مهم.” “مهم.” نظر إليها. “لو موت دلوقتي، كل اللي عملناه يضيع.” آدم توقف. ثم قال: “إنتِ بتأمريني؟” سلمى ابتسمت رغم خوفها. “أيوه.” لأول مرة… ابتسم آدم. ابتسامة حقيقية. وقال: “عجبني.” ثم رفع عينيه لماجد. “طلعهم من القصر.” ماجد قال: “وأنت؟” آدم نظر إلى سلمى. “أنا عندي حاجة أهم.” “إيه؟” آدم أشار إلى الورقة. “هنعرف مين كتب الأسماء.” ثم نظر إلى سلمى. “وهنعرف ليه أمك اختارتك إنتِ بالذات.” وفي الخارج… توقفت أصوات الرصاص فجأة. هدوء كامل. ثم جاء صوت خطوات بطيئة في الممر. خطوة. ثم خطوة. ثم توقف شخص أمام الباب. وجاء صوت رجل من خلفه: “آدم.” آدم عرف الصوت فورًا. اتسعت عيناه. “مستحيل.” ماجد سأله: “مين؟” آدم لم يرد. الباب انفتح. ودخل رجل في منتصف الأربعينات. كان يرتدي بدلة سوداء. وجهه هادئ. وفي يده مس*دس. نظر إلى آدم. ثم إلى سلمى. وقال: “وحشتني يا ابني.” سلمى شهقت. لأن آدم نفسه… لأول مرة منذ عرفته… بدا عليه الخوف. ثم قال بصوت منخفض: “أبويا؟” الغرفة كلها تجمدت. الرجل الواقف عند الباب لم يتحرك. كان في منتصف الأربعينات، شعره أسود تتخلله خصلات رمادية، وملامحه هادئة بشكل مرعب. لكن أكثر شيء أرعب آدم… أنه يعرف هذا الوجه. يعرفه أكثر من أي شخص في الغرفة. آدم همس: “أنت ميت.” الرجل ابتسم. “دي أول حاجة علمتهالك.” سكت لحظة. “ما تصدقش كل حاجة تسمعها.” ماجد رفع س*لاحه فورًا. “ابعد عن الس*لاح.” الرجل نظر إليه. “ماجد.” تغير وجه ماجد. الرجل قال: “لسه بتحميه زي زمان.” ماجد قبض على س*لاحه. “إنت مين؟” آدم رد بدلًا منه: “اسمه فريد الفاروق.” ثم ابتلع ريقه. “أبويا.” سلمى نظرت إلى آدم. كانت هذه أول مرة ترى فيها زعيمًا مثل آدم بلا إجابة. بلا سيطرة. بلا غضب. مجرد رجل أمام شبح من الماضي. فريد أغلق الباب خلفه. “أنا مش جاي أق*تلك.” آدم ضحك بسخرية. “بعد عشرين سنة؟” “كنت مضطر.” “كنت مضطر تسيبني أصدق إنك مت؟” فريد لم يرد. آدم صوته ارتفع: “كنت كام سنة؟ اتناشر؟” سكت. “كنت لسه بدور عليك كل ليلة.” “كنت فاكر إنك اتق*تلت.” فريد قال بهدوء: “لو كنت عرفت إني عايش، كنت هتتق*تل.” آدم ضحك بمرارة. “مين كان هيق*تلني؟” فريد نظر إلى سلمى. “نفس الناس اللي بيحاولوا يق*تلوك دلوقتي.” سلمى شعرت بقشعريرة. ماجد قال: “إذن إنت كنت جزءًا منهم.” فريد أومأ. “كنت.” ثم قال: “ولذلك أنا عارف كل أسرارهم.” الدكتور شريف كان واقفًا في الخلف. لم يكن قادرًا على فهم ما يحدث. لكن فجأة لاحظ شيئًا. فريد كان ينظر إلى كتف آدم. إلى الجرح. ثم إلى الخيط الأسود. قال: “شالوها.” آدم ضيق عينيه. “مين قال لك؟” “أنا اللي صنعتها.” الصمت كان صادمًا. الدكتور شريف قال: “إنت؟” فريد نظر إليه. “أنا مهندس مواد.” ثم أشار إلى الخيط. “الخيط ده بدأ كمشروع لعلاج الجروح العميقة.” سلمى قالت: “لكن اتغير.” فريد نظر إليها. “إنتِ سلمى.” لم يكن سؤالًا. سلمى تجمدت. “إنت تعرفني؟” “أعرف أمك.” سلمى اقتربت. “إيه علاقتك بأمي؟” فريد صمت. ثم قال: “كانت أهم امرأة قابلتها في حياتي.” آدم نظر إليه بحدة. “إيه معنى الكلام ده؟” فريد قال: “أمك…” ثم نظر إلى سلمى. “كانت أختي.” سلمى شهقت. “إيه؟” آدم اتسعت عيناه. “يعني…” فريد أكمل: “أم سلمى كانت أختي الصغرى.” سلمى تراجعت. “مستحيل.” “اسمها الحقيقي ما كانش فاطمة.” “كان إيه؟” فريد قال: “سارة.” سلمى هزت رأسها بعنف. “لأ.” “أمي اسمها فاطمة.” “ده الاسم اللي استخدمته بعد ما هربت.” سلمى شعرت بالدموع تنزل. “ليه؟” فريد نظر إلى آدم. “عشان تحميك.” آدم قال: “تحميها من مين؟” فريد أجاب: “مني.” ماجد رفع س*لاحه أكثر. “مش فاهم.” فريد قال: “من عشرين سنة، كان عندنا مصنع كبير.” “أنا كنت شريكًا فيه.” “وسارة كانت مسؤولة عن مراقبة الجودة.” “اكتشفت إن بعض الشركاء بيستخدموا مواد رخيصة وسامة في تصنيع الخيوط.” سلمى قالت: “الخيوط اللي ق*تلت آدم.” “أيوه.” فريد أكمل: “حاولت توقفهم.” “لكنها اكتشفت حاجة أخطر.” سلمى مسحت دموعها. “إيه؟” “إن الخيوط ما كانتش بتستخدم بس في المصانع.” نظر إلى الدكتور شريف. “كانت بتدخل المستشفيات.” الدكتور شريف قال: “وده يفسر—” فريد قاطعه: “الناس اللي ماتت بعد عمليات بسيطة.” الدكتور شريف شحب. “كانوا بيقولوا عدوى.” “لكنها ما كانتش عدوى.” “كان التسمم.” سلمى قالت: “وماما عرفت.” “أيوه.” “وبعدين؟” فريد سكت. “هربت بيك.” سلمى قالت: “وأنت؟” فريد نظر إلى ابنه. “أنا حاولت أحميها.” آدم انفجر: “تحميها؟!” صوته دوى في الغرفة. “اختفيت!” “خلتني أعيش فاكر إنك ميت!” فريد لم يتحرك. “لو فضلت موجود… كانوا هيق*تلوك إنت وهي.” آدم قال: “كان ممكن تقول لي!” “كنت طفلًا.” “كنت ابنك!” سكت فريد. لأول مرة… ظهر الألم في عينيه. “وعشان كده اختفيت.” فجأة سقط أحد الحراس أمام الباب. ماجد التفت. “إحنا مش لوحدنا.” فريد أخرج س*لاحه. “عارف.” ثم نظر إلى آدم. “وصلوا.” آدم قال: “مين؟” فريد أجاب: “الشخص اللي بيدير كل ده.” “مين؟” فريد قال: “الدكتور فؤاد مش القائد.” “نادية مش القائد.” “وأنا مش القائد.” ثم نظر إلى سلمى. “والشخص ده يعرفك من قبل ما تتولدي.” سلمى تجمدت. “يعرفني؟” فريد أومأ. “هو اللي أمر بق*تل أبوك.” ثم قال: “وهو اللي أمر بإخفاء أمك.” “وهو اللي اختار آدم كهدف للتجربة.” آدم سأل: “مين؟” فريد اقترب من المكتب. وضع صورة قديمة فوقه. الصورة كانت لمجموعة رجال يقفون أمام مصنع. في المنتصف رجل أنيق، أصلع، بابتسامة هادئة. سلمى نظرت إلى الصورة. ثم شهقت. “أنا شفت الراجل ده.” فريد قال: “فين؟” “في القصر.” ماجد التفت إليها. “إمتى؟” “من أسبوع.” “كان بيكلم مدير القصر.” فريد قال: “اسمه كامل؟” سلمى حاولت التذكر. “كمال…” ثم قالت: “كمال منصور.” آدم تجمد. ماجد قال: “مستحيل.” فريد نظر إليه. “تعرفه؟” ماجد أومأ ببطء. “كمال منصور كان محامي آدم القديم.” آدم قال: “وكان الشخص اللي ماسك حساباتي.” فريد قال: “والشخص اللي كان عنده إمكانية الوصول لكل مستشفياتك.” آدم لم يتكلم. القطع بدأت تكتمل. الدكتور الأول. الغرز. المستشفى. الخيط. اختفاء الأطباء. مراقبة سلمى. كل شيء كان يقود لرجل واحد. كمال منصور. لكن قبل أن يتحرك أحد… رن هاتف سلمى. نظرت إلى الشاشة. رقم مجهول. رفضت المكالمة. رن مرة ثانية. آدم قال: “ردي.” سلمى ترددت. ثم ضغطت. لم تسمع أي صوت. فقط تنفس هادئ. ثم جاء صوت رجل: “أخيرًا.” سلمى شعرت ببرودة في جسدها. “مين؟” الرجل ضحك. “قولي لآدم إن أبوه كذب عليه.” آدم اقترب. “حطّي السماعة على المكبر.” فعلت. الرجل تابع: “كمال منصور مجرد واجهة.” آدم قال: “مين وراه؟” ضحكة أخرى. “إنت عارف.” آدم عقد حاجبيه. الرجل قال: “اسأل نفسك سؤال واحد.” “ليه أبوك اختفى عشرين سنة؟” ثم أضاف: “وليه أم سلمى ماتت وهي بتخبي الحقيقة؟” فريد قال: “اقفل.” لكن الصوت أكمل: “وليه أنا خليتكم تتجمعوا كلّكم في نفس المكان؟” آدم رفع رأسه فجأة. “إيه؟” ثم سمعوا صوت انفجار هائل في الجناح الشرقي للقصر. اهتزت النوافذ. سقطت بعض الكتب من الرفوف. صرخ أحد الحراس: “القصر بيتفجر!” ثم انقطع الاتصال. فريد نظر إلى آدم. “دي كانت الخطة.” آدم قال: “إيه الخطة؟” فريد نظر إلى سلمى. “يجمعنا كلنا هنا.” ثم قال: “وبعدين يدفننا كلنا مع بعض.” وفي اللحظة نفسها… بدأ دخان أسود يتسلل من أسفل باب المكتبة. سلمى نظرت إلى آدم. وآدم نظر إلى فريد. ثم قال: “افتحوا الممر السري.” ماجد شهق. “الممر اتقفل من عشر سنين.” آدم ابتسم. “أنا اللي بنيته.” ثم نظر إلى سلمى. “وإنتِ هتكوني أول واحدة تخرج.” سلمى هزت رأسها. “مش هسيبك.” آدم نظر إليها لثانية. ثم قال: “من النهارده…” وسحب نفسه من السرير رغم الألم. “إنتِ مش خادمة.” “إنتِ شريكتي في الحرب.” وفي الخارج… بدأ القصر كله ينهار. لم يكن انهيار القصر هو النهاية. كان البداية. أمسك آدم بيد سلمى، وسحبها نحو مكتبة صغيرة في آخر الممر. ضغط على تمثال قديم فوق الرف. تحركت المكتبة ببطء، وظهر خلفها ممر ضيق مظلم. “ادخلي.” سلمى هزت رأسها. “وأنت؟” “وراكي.” “آدم—” “سلمى.” نظر إليها بعينين حادتين. “المرة دي اسمعيني.” دخلت. وخلفها دخل ماجد ونادية وليان والدكتور شريف. أما فريد فبقي في الخلف. آدم توقف. “إنت مش جاي؟” فريد ابتسم. “حد لازم يقفل الباب.” آدم فهم. “أنت عارف إنك ممكن ما تخرجش.” “عارف.” سكت الاثنان. ثم قال فريد: “سامحني.” آدم لم يرد. فريد أغلق الباب. بعد ثوانٍ… انفجر الجناح بالكامل. لكن الممر السري كان محميًا بجدران خرسانية سميكة. الجميع ظل صامتًا. إلى أن وصلوا إلى نهاية النفق. فتح ماجد الباب. خرجوا إلى مرآب قديم تحت الأرض. كانت هناك سيارات جاهزة. لكن آدم لم يدخل أول سيارة. قال: “كمال.” ماجد أومأ. “هتلاقيه في المكان اللي بدأ منه كل شيء.” سلمى فهمت. “مصنع النور.” بعد ساعة… وصلوا إلى المصنع القديم. كان مهجورًا منذ سنوات. لكن الأنوار كانت مضاءة. دخل آدم ومعه ماجد. وخلفهما سلمى ونادية. في آخر القاعة… كان كمال منصور واقفًا. بهدوء. وبجانبه الدكتور فؤاد رشدي. كمال ابتسم. “كنت متأكد إنك هتيجي.” آدم قال: “انتهت لعبتك.” كمال ضحك. “لا.” ثم نظر إلى سلمى. “اللعبة بدأت لما هي دخلت حياتك.” سلمى تقدمت. “ليه أنا؟” كمال قال: “لأن أمك كانت تملك الدليل.” “وأبوك كان يعرف الحقيقة.” “وأنتِ كنتِ آخر قطعة ناقصة.” سلمى رفعت القلادة. “الدفتر؟” كمال ابتسم. “أيوه.” سلمى قالت: “مش معايا.” ابتسامته اختفت. “إيه؟” سلمى قالت: “الدفتر مش في القلادة.” “القلادة كانت مجرد مفتاح.” كمال تقدم. “فينه؟” سلمى نظرت إلى آدم. ثم قالت: “في المكان اللي عمرك ما هتقدر توصله.” كمال رفع مس*دسه. لكن قبل أن يضغط الزناد… انطلقت رصاصة من الخلف. سقط المس*دس من يده. كان ماجد. وفي نفس اللحظة دخل رجال الشرطة إلى المصنع. كمال اتجمد. “شرطة؟” آدم ابتسم. “كنت فاكر إني هحاربك برجالي بس؟” كمال نظر حوله. “إنت عملت إيه؟” آدم قال: “قبل ما ندخل هنا، كل ملفاتك اتبعتت للشرطة.” الدكتور شريف أخرج هاتفه. “وتسجيل مكالماتك.” نادية أضافت: “وأسماء كل الأطباء.” ثم سلمى رفعت الهاتف. “وصورة الخيوط.” كمال بدأ يتراجع. “مستحيل.” آدم قال: “انتهيت.” بعد ساعات… كانت الشرطة قد قبضت على كمال والدكتور فؤاد. وانكشفت الشبكة بالكامل. مصانع. أطباء. موردون. رجال أعمال. سنوات من الجرائم تم دفنها تحت أسماء وهمية وتقارير مزورة. أما والد سلمى… فقد عُثر على ملفه القديم، وتأكدت الحقيقة. لم يهرب. كان قد ق*تل لأنه حاول فضحهم. أما أمها… فكانت قد عاشت سنوات وهي تحاول حماية ابنتها دون أن تعرف أن الخطر سيصل إليها يومًا. بعد ثلاثة أشهر…