الجندي

للجهة المختصة، وهسلّمهم مستندات عندي تثبت إيه اللي حصل.
وبعدين أضاف
بس قبل ما أقفل، فيه حاجة لازم تعرفيها عن حسام الديب… هو ماكانش آخر شخص شاف أخوكي قبل انقطاع الاتصال.
اتسعت عيني.
أمال مين؟!
جاء صوته واضحًا في آخر جملة
والدك يا مريم… والدك كان آخر شخص كلم أحمد قبل ما الفريق يفقد الاتصال بيه.
وبعدها قفل الخط.
فضلت ماسكة التليفون، مش قادرة أستوعب اللي سمعته.
أبويا؟!
إزاي؟!
وليه ماقالش لينا إن أحمد كلمه قبل المهمة مباشرة؟
هل كان مجرد اتصال عادي يطمن فيه على ابنه؟ ولا أحمد قاله حاجة غيّرت كل اللي حصل بعد كده؟
وفي اللحظة دي، افتكرت الجملة اللي أبويا قالها من يومين
أنا كنت خاېف… مش عشان نفسي، عشانكم.
فجأة، بدأت أفهم إن خوفه ماكانش مجرد حزن على ابنه.
كان خوف شخص عارف إن فيه جزء من الحكاية لسه ما اتقالش.
ولما رجعت البيت وواجهته بكلام اللواء عادل، أبويا ما أنكرش المكالمة… لكنه فتح درجًا مخفيًا، وطلع منه تليفونًا قديمًا، وقاللي
يا مريم، قبل ما تسمعي التسجيل اللي عليه، لازم تعرفي إن أحمد في آخر مكالمة بيني وبينه طلب مني طلبًا واحدًا… وأنا وعدته إني أنفذه مهما حصل.
يتبع…
النهاية الحقيقة اللي أحمد ماټ عشانها!
بصيت لأبويا وأنا مش قادرة أستوعب، وقلتله بصوت مخڼوق
وعدته بإيه يا بابا؟! إيه اللي إنت مخبيه عني كل السنين دي؟!
أبويا قعد على طرف السرير، وطلع التليفون القديم من الدرج، وإيده بتترعش.
قال بصوت مكسور
قبل المهمة بيوم، أحمد كلمني وقاللي إنه شاكك إن فيه أوامر بتتغير من غير ما الفريق يعرف السبب. طلب مني لو حصله أي حاجة، ما أتهمش حد من غير دليل، وأحافظ على جواب كان بعتهولي، لحد ما الحقيقة تظهر.
بصيتله پصدمة.
يعني إنت ماكنتش تعرف مين السبب في مۏته؟!
هز راسه والدموع في عينيه.
لأ يا بنتي. أنا كنت خاېف، لكن ماكنتش أعرف الحقيقة كاملة. ولما يوسف جه بعد ۏفاة أخوكي، طلب مني أستنى لحد ما يبقى فيه دليل حقيقي. وأنا غلطت لما سكت كل السنين دي، حتى لو كنت فاكر إني بحميكم.
فتح التليفون القديم، ولقينا تسجيلًا صوتيًا لأحمد.
كان صوته واضح، وهادي، كأنه لسه خارج من أوضته من شوية
يا بابا، أنا مش عايزكم تقلقوا. بس لو رجعت من المهمة
وقلتلكم إن كل حاجة تمام، ماتسألوش كتير. ولو ما رجعتش، ماتصدقوش أي رواية غير لما تشوفوا الدليل بنفسكم. أنا مش عايز اڼتقام، أنا عايز محدش تاني يتعرض لنفس اللي ممكن يحصل لنا.
وقفت التسجيل، ودموعي بتنزل من غير ما أحس.
أحمد كان عارف إن فيه خطړ، لكنه ماكانش عارف مين وراه.
والأهم إنه ماطلبش مننا ننتقم… طلب مننا ندور على الحقيقة.
تاني يوم، أبويا قدم التليفون والتسجيل للجهة المختصة، وطلبوا ضمهم للتحقيق الرسمي مع باقي المستندات.
وبعد مراجعة السجلات، واستدعاء الضباط المعنيين، وسماع إفادات حسام وكريم، بدأت تفاصيل المهمة تتكشف واحدة واحدة.
اتضح إن أوامر العملية اتغيرت بالفعل قبل التنفيذ، وإن التعديل تسبب في ارتباك خطېر بين أفراد الفريق. حسام اعترف إنه نفّذ أمر الانسحاب رغم اعتراض أحمد، وإنه عاش سنين حاسس بالذنب لأنه ما رجعش يساعده.
لكن التسجيلات وشهادات أفراد الفريق أثبتت إن حسام ماكانش الشخص اللي أصدر التعديل.
أما العقيد شريف، فثبت إنه استلم متعلقات أحمد بعد الحاډث، وإنه أخفى عن أسرته تفاصيل مهمة عن اختلاف سجلات المهمة. التحقيق كشف كمان إنه وافق على نقل يوسف من المستشفى من غير استكمال الإجراءات الطبية والإدارية المطلوبة، بحجة حماية المعلومات العسكرية.
تم إبعاده عن مسؤولياته لحين انتهاء التحقيق، واتخذت الإجراءات القانونية المناسبة بشأن الوقائع اللي ثبتت بالأدلة.
واللواء عادل منصور، بعد ما قدم مستنداته، أقرّ إنه اعتمد إغلاق الملف اعتمادًا على تقرير وصل له، من غير ما يتأكد بنفسه من كل الاختلافات اللي ظهرت بعد الحاډث.
أما يوسف، فظهر بعد يومين، واتضح إنه كان في مكان آمن تحت إشراف جهة مختصة، وإنه تواصل مع كريم عشان يضمن وصول الأدلة للتحقيق من غير ما تتعرض للتلف أو الاختفاء.
لما شوفته للمرة التانية في المستشفى، كان لسه تعبان، ورجله محتاجة شهور من العلاج والتأهيل.
وقفت عند باب أوضته وقلتله
إنت عارف إني زعلانة منك، صح؟
بصلي بابتسامة حزينة.
عارف يا مريم. ومن حقك تزعلي.
قعدت على الكرسي جنبه وقلت
تلات سنين يا يوسف! تلات سنين وإحنا فاكرين إن أحمد ماټ في حاډثة عادية. أمي ماټت وهي موجوعة، وأبويا عاش خاېف، وأنا فضلت أدور على إجابة مش لاقياها.
يوسف
نزل عينيه.
أنا آسف. وعدت أحمد إني أحميكم، لكني افتكرت إن السكوت هو الطريقة الوحيدة. ولما عرفت إن السكوت ما بقاش بيحمي حد، حاولت أتكلم.
سكت شوية، وبعدها قلتله
أنا مش هقدر أقول إني سامحتك على كل حاجة دلوقتي، لكن مش هحمّلك ذنب حاجات ماعملتهاش. الحقيقة هي اللي هتحكم.
هز راسه، وقال
وده بالظبط اللي كان أحمد يتمناه.
مرت ست شهور.
التحقيقات استمرت، واتصححت أجزاء من السجل الرسمي للمهمة، واتوثقت المسؤوليات اللي ثبتت بالأدلة. أما بعض التفاصيل العملياتية، ففضلت سرية وفق الإجراءات المعمول بيها.
لكن بالنسبة لعيلتي، أهم حاجة حصلت إن اسم أحمد ما بقاش مجرد اسم في تقرير بارد.
بقى ليه صوت، وموقف، وشهادة ناس عرفوه وعاشوا معاه.
حسام بعت لأبويا جواب اعتذار، واعترف فيه إنه هيفضل شايل مسؤولية قراره طول عمره. أبويا قبل الاعتذار، لكنه قاله إنه مش هيقدر ينسى اللي حصل بسهولة.
أما أمي، فحطت صورة أحمد في مكانها القديم، جنب صورته وهو طفل، وبطلت كل ما حد يسأل عن مۏته تقول محدش عارف حاجة.
بقت تقول
ابني ماټ وهو بيحاول يعمل الصح، والحقيقة ظهرت مهما اتأخرت.
وفي يوم، وأنا راجعة من شغلي، لقيت ظرفًا مستنياني على المكتب.
كان من يوسف.
فتحت الظرف، ولقيت جواه صورة قديمة للفريق، لكن المرة دي من غير أي شطب على أي وش.
وتحت الصورة، كان فيه سطر واحد مكتوب بخط يوسف
أحمد يستحق إننا نفتكره بشجاعته، مش بالسر اللي حاولوا يدفنوه معاه.
حطيت الصورة في درج مكتبي، ودموعي نزلت بهدوء.
ماكانش فيه اڼتقام، ولا رجوع بالزمن، ولا كلمة تقدر تعوض أمي عن ابنها.
لكن كان فيه شيء واحد افتقدناه تلات سنين كاملة.
الحقيقة.
وبعدها بفترة، رجعت أزور قبر أحمد.
وقفت قدامه، وحطيت إيدي على الرخام، وقلت بصوت واطي
حقك رجع يا أحمد… مش لأننا عاقبنا كل شخص أخطأ، لكن لأننا رفضنا نعيش في الكدبة. ووعد مني، هفضل أفتكرك أخويا اللي كنت بحبه، مش الجندي اللي ماټ في ملف محدش كان عايز يفتحه.
النسمة عدّت بين الأشجار، وأنا مسحت دموعي وابتسمت لأول مرة من سنين.
كنت عارفة إن الۏجع مش هيروح تمامًا، وإن فيه أسئلة ممكن تفضل من غير إجابات كاملة.
لكنني فهمت أخيرًا إن الشجاعة مش إنك ټنتقم، ولا إنك تعرف كل الأسرار.
الشجاعة الحقيقية
إنك تواجه الحقيقة، حتى لو ۏجعتك، وتختار العدل بدل الكراهية.
تمت النهاية.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *