رجعت من الشغل

رجعت من الشغل لاقيت جوزي كان نايم قربت منه واعدت جنبة على السرير، لكني اتصدمت لما شوفت على صدره خربايش! استغربت جدًا، لأني عارفة إنه بيحبني وبيحب بيته، وعمري ما تخيلت إنه ممكن يخوني.
فضلت أبص للخربايش وأنا مش قادرة أستوعب اللي شايفاه، ومديت إيدي ناحية صدره من غير ما أحس.
أول ما لمست جلده، فتح عينه فجأة وبصلي.

قال بصوت مبحوح: “إنتي رجعتي؟”
سحبت إيدي بسرعة وقلت: “أيوه… رجعت.”
بصلي كام ثانية، وبعدين شد الملاية وقال: “مالك؟”
بلعت ريقي بالعافية وقلت: “إيه اللي صدرك ده؟”
سكت.
السكون اللي حصل كان أسوأ من أي إجابة ممكن أسمعها.
قربت منه وقلت: “أنا بسألك يا كريم… الخرابيش دي جاتلك إزاي؟”
وشه اتغير فجأة، وبص بعيد عن عيني.
قلت وأنا بحاول أضحك عشان أخفف التوتر: “ولا إنت كنت بتتخانق مع قطة وأنا معرفش؟”
مردش.
ضحكتي اختفت، وقلت بصوت أوطى: “كريم… بصلي.”
رفع عينه ناحيتي، وكانت نظرته غريبة جدًا… نظرة واحد عايز يقول حاجة، بس خايف من اللي هيحصل لو قالها.
#بقلم_انجي_الخطيب
قلت: “إنت مخبي عني حاجة؟”
قال بسرعة: “لأ.”
قلت: “يبقى فهمني.”
اتوتر وقال: “مش دلوقتي.”
اتجمدت مكاني.
“مش دلوقتي؟”
سكت شوية وبعدين قلت: “يعني إمتى؟”
قام من على السرير وقال: “أنا تعبان ومش ناقص خناق.”
وقبل ما يلحق يبعد، مسكت إيده وقلت: “أنا مش بتخانق معاك… أنا بسالك عن حاجة شوفتها وعايزة تفسير ودا حقي.”
بصلي باستغراب.
كملت: “أنا مرعوبة من إن يكون في حاجة حصلت وأنا آخر واحدة تعرف.”
شد إيده بهدوء وقال: “صدقيني، الموضوع مش زي ما إنتي فاكرة.”
الكلمة دي بالذات خلت قلبي يقع في رجلي.
“يعني إيه مش زي ما أنا فاكرة؟”
مردش.
سابني وخرج من الأوضة.
فضلت واقفة مكاني، وبسمع خطواته وهي بتبعد في الطرقة، لحد ما سمعت صوت باب الحمام بيتقفل.
بصيت على السرير، وبعدين عيني وقعت على هدومه اللي كان سايبها على الكرسي.
مش عارفة ليه، بس حاجة جوايا قالتلي إن الإجابة موجودة هناك.
قربت من الهدوم، ومديت إيدي على جيبه…
وفجأة سمعت صوت مفتاح الباب الخارجي بيتفتح.
اتخضيت.
مين اللي دخل بيتي وفتح بالمفتاح كمان؟
ولما سمعت صوت ست جاي من الصالة… حسيت إن الأرض اتسحبت من تحت رجلي.
وقفت مكاني مش قادرة أتحرك.
وبصوت بيترعش، قلت لنفسي:
“مين دي؟ وإيه اللي جوزي كان مخبيه عني؟”
لكن اللي شوفته بعد ثواني… كان آخر حاجة ممكن أتوقعها.
#انجي_الخطيب
مشيت خطوات بطيئة ناحية باب الأوضة، كل خطوة كانت أتقل من اللي قبلها، والمفتاح بينفذ في القفل بصوت جاف حاد، زاد نبضات قلبي لحد ما بقيت سامعاه في وداني. فتحت الباب بالراحة واستخبيت ورا الحافة، أبص بذهول على الصالة.
ست في أواخر الخمسينات، شكلها مجهد وتعبان، لابسة عباية بسيطة وطرحة مشدودة بسرعة، وفي إيدها شنطة بلاستيك كبيرة فيها علب أدوية وأشعة. كريم خرج من الحمام بفوطة على كتفه، أول ما شافها جرى عليها بسرعة، أخد الشنطة من إيدها وسندها تقعد على الكنبة.
“يا أمي، ليه جيتي في الوقت ده وبمفردك؟ مش قلتلك استنيني لما أجيلك بالليل؟”
قعدت الست وهي بتاخد نفسها بصعوبة وبتطبطب على دراعه: “ماقدرتش أقعد يا كريم، النتيجة طلعت ورعبتني، الدكاترة قالوا لازم أشعة تانية بسرعة، وأخوك مش فاضي وصفيّة أختك مسافرة… ملقتش حد أجيله غيرك.”
كريم قعد تحت رجليها على الأرض، رفع إيدها وباسها، وفي اللحظة دي حركته خلت قميصه يوسع من فوق… وشوفت آثار التعب والخرابيش تاني بوضوح تحت نور الصالة القوي. بس المرة دي، لمحت جنبها بقع زرقا متفرقة، زوايا محمرة، وعلامات دفاع ومقاومة لمريض ألزهايمر بيتعافى وبقاوم بكل قوته.
أم كريم كملت وهي بتعيط بالراحة: “أبوك اتجنن الصبح يا كريم… رفض ياخد الدوا وبدأ يضرب فيا وفي أي حد يقرب منه. لما جيت تلحقه الصبح قبل ما تنزل شغلك، كان هيرميك من الشباك… الخرابيش اللي في صدرك دي بتوجعك؟”
كريم غمض عينه وباس إيدها تاني وقال بصوت مكسور: “فداكي وفداه يا أمي… المهم هو فين دلوقتي؟”
“عمك جه أخد الباب عليه وقفل، وبياخد باله منه لحد ما نرجع بالدوا الجديد.”
كنت واقفة ورا الباب، الدموع نازلة على وشي من غير ما أحس. الخيانة اللي زلزلتي وحطمتني في ثواني، طلعت لواحد شايل فوق كتافه همّ جبل، ساكت وكاتم في نفسه عشان ما يشيلنيش هم أهله أو يقلقني عليه وهو شايفني راجعة مطحونة من شغلي كل يوم.
خرجت من الأوضة بالراحة. كريم أول ما شافني اتنفض واقف، وبصلي بنظرة كلها خجل وخوف، فاكر إن السر اللي حاول يخفيه عني سنين عشان يتفادى المشاكل اتكشف خلاص.
قربت منه، بصيت في عينه بدموع، ومديت إيدي المرة دي بثبات على صدره… لمست الجرح ببطء، وبعدين بصيت لأمه وقلت بابتسامة دافية رغم كل الدموع:
“منورة بيتك يا أمي… هاتي الأشعة والتحاليل دي، ورستيني على كل حاجة، وإنت يا كريم… أدخل غير هدومك، عشان هننزل سوا نجيب عمي ونلحق الحج قبل ما تعبه يزيد.”
كريم بصلي وهو مش مصدق، وشده الذهول ثواني قبل ما يمسك إيدي بقوة، وكأن الوجع كله اتزاح عن صدره في لحظة.
مشيت ورا كريم وهو بياخد أمه من إيدها يدخلها أوضة الضيوف عشان ترتاح. كنت ماشية وراهم زي اللي صاحية من كابوس طويل، مش مصدقة إن كل الأفكار البشعة اللي طارت في دماغي من شوية كانت مجرد وهم.
كريم غطى أمه بالحاف، وباس رأسها بالراحة، وخرج وقفل الباب وراه بهدوء. لفلي، ورجع السكون بيننا تاني… بس المرة دي السكون كان مليان كلام كتير أوي مش عارفين نبدأه منين.
قرب مني بخطوات بطيئة، نزل راسه في الأرض وقال بصوت واطي ومكسور: “أنا آسف يا نهى… آسف إني خضيتك، وآسف إني داريت عليكي.”
مسكت إيده بشويش وقلتله: “ليه يا كريم؟ ليه تشيل كل ده لوحدك؟ هو أنا مش مرتك وحبيبتك؟ ليه تحسسني إني غريبة ومش من حقها تشيل معاك الهم؟”
رفع عينه في عيني، وكانت مليانة دموع محبوسة: “عشان إنتي شغالة مطحونة طول اليوم، بتطلعي من الصبح وترجعي مهدودة… أبويا حالته بتسوء كل يوم عن اللي قبله، ومكنتش عايز أدخلك في الموال ده. كنت فاكر إني هقدر أسيطر على الموضوع لوحدي، بس النهاردة الصبح لما جيت أكتفه عشان أمنعه يرمي نفسه من البلكونة… مكانش في وعيه خالص، قعد يصرخ ويخربش فيا بكل قوته. مكنتش عايزك تشوفيني كده، ولا تخليني أحس بالضعف قدامك.”
دمعتي نزلت على خدي، قربت منه وحضنته بقوة. حسيت بجسمه كله بيترعش وهو بيشد عليا، وكأنه كان مستني اللحظة دي من زمان عشان يرمي الحمل اللي هادد حيله.
قلتله وأنا حاطة إيدي على ظهره: “الضعف مش عيب يا كريم… العيب إننا نكون تحت سقف واحد وكل واحد فينا شايل وجعه ومخبي على التاني. الخرابيش دي مش حاجة وحشة، دي علامة إنك راجل شايل أهلك وحاميهم، وأنا فخورة بيك… بس زعلانة منك إنك استقليت بيا وما اعتمدتش عليا.”
بعد عني شوية، وبصلي بابتسامة تعبانة بس طالعة من قلبه: “حقك عليا… مش هخبي عنك حاجة تاني أبداً.”
مسحت دموعي وقلت بنبرة أجد: “طب يلا بينا بقى، البس جاكتك على السريع. حماتك جوة محتاجة تطمن على جوزها، ونزولنا دلوقتي مع بعض هيوفر وقت كبير قبل ما الليل يليل والحالة تزيد عليه.”
كريم هز رأسه بسرعة ودخل الأوضة يغير هدومه. في الدقيقة دي، بصيت لروحي في المراية… حسيت إن البيت اللي كنت فاكراه بينهار من شوية، بيكبر وبيحلو، وإن الخرابيش اللي كانت على صدر جوزي مكنتش خيانة… دي كانت امتحان حقيقي لبيتنا، والحمد لله إننا عديناه.
[…]
(تمت بقلم: انجي الخطيب)
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *