عندي
خلال الشهور اللي بعدها، بدأت أتابع حالتي الصحية مع الدكتورة.
الفحوصات الإضافية وضحت طبيعة الكيس الموجود على المبيض، وبدأت خطة العلاج المناسبة لحالتي، مع متابعة مستمرة عشان يطمنوا على صحتي.
وفي نفس الوقت، أحمد وافق أخيرًا إنه يخضع لفحوصات الخصوبة اللي كان مأجلها من سنين.
ولما ظهرت النتائج، اتأكد إن المړض اللي كان بيعاني منه في الماضي أثّر بشكل كبير على قدرته على الإنجاب.
النتيجة دي كانت صعبة عليه، لكنها كانت كمان لحظة فاصلة في حياتنا.
لأول مرة، بقى عندنا تفسير طبي حقيقي لجزء كبير من اللي كنا بنعاني منه، بدل التخمين والاټهامات واللوم.
ومع ذلك، كنت محتاجة
وقت طويل عشان أتعافى من الۏجع اللي عشته.
قررنا نبدأ جلسات استشارات زوجية، مش عشان نمسح اللي حصل، لكن عشان نتعلم إزاي نتكلم بصراحة، وإزاي نواجه مشاكلنا من غير ما نخبي الحقيقة عن بعض.
في البداية، كانت الجلسات صعبة جدًا.
كنت أوقات ببكي وأنا بحكي عن السنين اللي ضاعت مني، وعن كل مرة حسيت فيها إني أقل من غيري لمجرد إني مخلفتش.
وأحمد كان بيسمعني من غير ما يقاطعني، ولأول مرة بدأ يفهم إن خوفه من الحقيقة خلاني أنا أدفع تمنه.
ومع مرور الوقت، بدأنا نتعلم إزاي نبني علاقتنا من جديد، خطوة بخطوة.
لكن أكبر تغيير في حياتنا كان لسه مستنينا.
في يوم، أختي جينيفر عزمتنا على لقاء اجتماعي تابع لجمعية بتساعد الأطفال اللي محتاجين عائلات تتبناهم.
في البداية، كنت مترددة أروح.
كنت خاېفة إن المكان كله يفكرني بالحلم اللي فضلت أتمناه طول عمري، وإن خروجي منه من غير أي إجابة جديدة يرجعني لنفس الۏجع القديم.
لكن أختي أصرت، وقالتلي إننا مش لازم ناخد أي قرار، وإننا ممكن نروح نتعرف على الناس ونقضي شوية وقت وخلاص.
وبالفعل، رحنا.
وهناك، قابلنا بنت صغيرة عندها 8 سنين، اسمها ليلى.
كانت قاعدة في ركن من القاعة، ماسكة
لعبة صغيرة، وبتبص للأطفال اللي حواليها وهما بيلعبوا.
لما قربت منها، رفعت عينيها وبصتلي بابتسامة خجولة.
قعدت جنبها، وبدأنا نتكلم شوية.
وفجأة، بصتلي وسألتني
طنط، إنتِ عندك أطفال؟
حسيت بۏجع خفيف في قلبي، لكن ابتسمت وقلت لها
لأ يا حبيبتي، معنديش.
فضلت باصة لي شوية، وبعدين سألتني ببراءة
طب إنتِ نفسك يكون عندك طفل؟
ابتسمت، وحسيت بدموعي بتتجمع في عيني.
أكتر من أي حاجة في الدنيا يا ليلى.
البنت الصغيرة سكتت لحظة، وبعدين مدت إيدها ومسكِت إيدي.
وقالتلي بصوت هادي
أنا كمان نفسي يكون عندي ماما.
في اللحظة دي، حسيت بحاجة اتغيرت جوايا.
بصيت في عينيها، وشفت قد إيه كانت محتاجة حد يحبها ويطمنها، زي ما أنا كنت طول عمري محتاجة أحس إن حلم الأمومة لسه ممكن يكون له طريق تاني.
مقدرتش أتكلم.
اكتفيت إني ضميت إيدي الصغيرة بين إيديا، وابتسمت لها.
ومن بعيد، كنت شايفة أحمد واقف بيتفرج علينا.
لما خرجنا من اللقاء، فضلنا نتكلم عن ليلى طول الطريق.
مكنش قرار التبني سهل، ومكنش قرار اتاخد في لحظة عاطفية وخلاص.
قعدنا شهور نفكر ونسأل ونتعلم عن مسؤوليات التبني، وبدأنا نتواصل مع الجهات المختصة، ونعرف الشروط والإجراءات
المطلوبة.
وبعدها، دخلنا في رحلة طويلة
من المقابلات والتقييمات والأوراق والانتظار.
كانت فيه أيام بنحس فيها إن الطريق طويل، وأيام كنا بنخاف إن الإجراءات متكملش.
لكن في كل مرة كنا بنفتكر ليلى، كنا بنرجع نتمسك بالأمل.
وبعد ما يقرب من سنتين، وصل اليوم اللي عمرنا ما هننساه.
ليلى بقت بنتنا رسميًا.
اليوم اللي دخلت فيه بيتنا وهي عارفة إن المكان ده بقى بيتها، وإن فيه أب وأم مستنيينها، مش عشان تكون بديل عن طفل تاني، لكن عشان هي نفسها بقت جزء من عيلتنا.
كنت واقفة عند باب أوضتها، بتفرج عليها وهي بترتب ألعابها الصغيرة على الرف، وحسيت إني أخيرًا بعيش لحظة كنت بحلم بيها من سنين طويلة.
في المساء، أحمد دخل أوضتها عشان ينامها.
غطاها بالبطانية، وباس جبينها، وقالها تصبح على خير.
ولما خرج من الأوضة، لقيته واقف قدامي، ومد إيده ومسَك إيدي بهدوء.
بصلي وقال
يا سارة، فاكرة الجملة اللي كنا بنقولها كل ليلة زمان؟
بصيتله، وابتسمت ابتسامة حزينة.
أيوه، فاكرة.
سكت لحظة، وبعدين
قال
إحنا مش محتاجين نقولها تاني.
هزيت راسي، وحسيت إن فيه حمل تقيل أخيرًا بدأ يخف عن قلبي.
لأننا مبقيناش محتاجين نكرر جملة عشان نثبت لبعض إن لسه عندنا أمل.
بقينا نقدر نتكلم عن خوفنا من غير ما نخبي، ونعترف بأخطائنا من غير ما نحمل حد تاني ذنبها.
وفجأة، سمعنا صوت ليلى الصغير جاي من أوضتها
ماما! بابا! تصبحوا على خير… بحبكم أوي!
في اللحظة دي، مقدرتش أتمالك نفسي.
لفيت دراعاتي حوالين أحمد، وبدأت أعيط.
لكن المرة دي، مكنش عياط ۏجع أو خوف.
كان عياط فرحة وامتنان، وإحساس إني أخيرًا وصلت لحاجة كنت فاكرة إنها مستحيلة.
لمدة 18 سنة، كنت بحلم باليوم اللي أسمع فيه كلمة ماما.
وكنت فاكرة إن الطريق الوحيد عشان أحقق الحلم ده هو إني أحمل وأولد طفل من جسمي.
لكن ليلى علمتني حقيقة عمري ما كنت هفهمها بالطريقة دي.
إن الأمومة مش مجرد حمل وولادة.
الأمومة كمان حضڼ بيطمن، وإيد بتمسك إيد صغيرة وقت الخۏف، وصوت بيقول لطفل إنه محبوب، وإنه مش
لوحده في الدنيا.
إحنا عمرنا ما قدرنا نرجع السنين اللي ضاعت مننا، ولا نمسح الۏجع اللي عشناه.
ومش كل حاجة اتصلحت بمجرد إن بقى عندنا طفلة في البيت.
لكننا أخيرًا بقينا عيلة، وبدأنا نعيش الحياة اللي كنا بنحلم بيها، بطريقة مختلفة تمامًا عن اللي تخيلناها.
والأهم من كل ده، إن بيتنا مبقاش فيه أسرار بتفصل بيننا.
اتعلمت إن الحب مش معناه إننا نخبي الحقيقة عشان نحمي بعض، وإن الخۏف مهما كان كبير، عمره ما يكون مبرر إننا نخلي الشخص اللي بنحبه يعيش في ۏجع من غير ما يعرف السبب.
واتعلمت كمان إن تأخر الحمل مش وصمة عار، وإن محدش من حقه يحمّل الطرف التاني الذنب من غير ما يعرف الحقيقة.
وأخيرًا، فهمت إن العيلة مش دايمًا بتبدأ بخطين في اختبار حمل، ولا لازم تيجي بالطريقة اللي رسمناها في خيالنا.
أحيانًا، العيلة بتبدأ بإيد صغيرة بتمسك إيدك، وبطفلة بتبصلك وتقولك بكل براءة
أنا نفسي يكون عندي ماما.
وساعتها، بتكتشفي إن الحياة لسه مخبية لك
هدية، حتى لو اتأخرت سنين طويلة.
النهاية
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”