ابني

ابني كان كل ما يقعد ياكل مع مراته وعياله، يأمرني أقوم أمسح السلم، ولما قلتله إني تعبانة ومش قادرة، بصلي قدامهم وقال أومال إنتي قاعدة عندنا بتعملي إيه؟ فاكراني فاتحة ليكي لوكاندة؟!
ساعتها سكت وبلعت إهانتي، لكن اللي ابني ماكانش يعرفه إن أمه اللي كان بيعاملها زي الخدامة، جوزها سايبلها ميراث يقدر يغيّر حياتها كلها! استنيت لحد ما الكل نام، ولميت هدومي ومشيت من بيته من غير ما أقول لحد، ولما عرف الحقيقة، اكتشف إن الفلوس مش هي الحاجة الوحيدة اللي خسرها بسبب معاملته ليا!
أنا اسمي فاطمة، عندي أكتر من ستين سنة، وأرملة من سنين. جوزي محمود كان راجل طيب، عاش عمره كله بيشتغل ويتعب عشان يوفر لنا حياة كريمة، وعمره ما حسسني إني أقل منه، حتى في أصعب أيامنا.
بعد وفاته، فضلت عايشة في شقتي لوحدي، لحد ما ابني أحمد أصر إني أسيب شقتي وأعيش معاه هو ومراته نجلاء وولاده.
قال لي يومها
يا أمي، إنتي لوحدك، وإحنا مش هنسيبك تعيشي كده. تعالي عيشي معانا، تبقي وسط ولادك وأحفادك.
فرحت بكلامه، وقلت يمكن ربنا بيعوضني عن غياب أبوهم بوجود ابني وأحفادي جنبي.
ما كنتش أعرف إن وجودي في بيت أحمد هيبقى معناه إني أتحول من أم ليها مكانتها، لشخص مطلوب منه يخدم الكل من غير ما يعترض.
في البداية، كنت بعمل الحاجات بحب. أصحى بدري، أجهز الفطار، وأساعد نجلاء في شغل البيت، وأهتم بالأولاد، وأذاكر لهم، وأحكيلهم حواديت قبل النوم.
كنت بقول لنفسي دول أحفادي، وراحتهم من راحتي.
لكن مع الوقت، كل حاجة اتغيرت.
نجلاء بقت تسيب لي شغل البيت كله تقريبًا، وأحمد اتعود إن كل حاجة جاهزة قدامه. لو الأكل اتأخر، يتضايق. لو هدومه مش مكوية، يسألني بنبرة لوم. ولو قلت إني تعبانة، يرد كأني ببالغ.
كنت بزعل، لكن أسكت عشان ما أكبرش المشاكل، وعشان ما أحرمش نفسي من رؤية أحفادي.
والحقيقة إن كان عندي سر محدش في البيت يعرف عنه حاجة.
بعد وفاة محمود، اكتشفت من خلال المحامي إن جوزي كان سايب لي ميراثًا كبيرًا واستثمارات ما كنتش أعرف تفاصيلها كلها. وكان الأستاذ سامح، المحامي اللي بيتابع الإجراءات، أكد لي إن حقي محفوظ وإن لازم أراجع كل المستندات قبل ما أتصرف في أي مبلغ.
ما حكيتش لأحمد ولا لنجلاء عن الموضوع. ما كنتش عايزة الفلوس تغيّر معاملتهم ليا، ولا عايزة حد يبص لي باعتباري مصدر فلوس بدل ما يشوفني أمه.
كنت لسه بخلص الإجراءات، وبحاول أفهم حجم الميراث وإزاي أتصرف فيه بشكل قانوني وآمن.
وفي يوم، حصل الموقف اللي خلاني أقرر إن سكوتي لازم ينتهي.
كنت واقفة في المطبخ من الصبح، حضرت الفطار، وبعدها رتبت البيت وغسلت الأطباق. ومع ذلك، ما لحقتش أرتاح حتى شوية، لأن نجلاء طلبت مني أجهز الغدا، وبعدها أحمد ناداني من الصالة.
خرجت له وأنا حاسة بإرهاق شديد.
قال لي
يا أمي، السلم محتاج يتنضف. انزلي امسحيه قبل ما حد يطلع.
بصيت له باستغراب وقلت
يا أحمد، أنا تعبانة النهارده يا ابني، ومش قادرة أقف على رجلي. ما ينفعش تأجلها لبكرة؟
كان قاعد على السفرة مع نجلاء والولاد، فبص لي بضيق وقال
هو كل ما أطلب منك حاجة تقولي تعبانة؟ أومال إنتي قاعدة عندنا بتعملي إيه؟ فاكراني فاتحة لك لوكاندة؟!
الكلمة نزلت على قلبي زي السكينة.
بصيت له، وبعدين بصيت لأحفادي اللي كانوا قاعدين ساكتين، وحسيت إن الكلام وقف في زوري.
أنا أمه. أنا اللي سهرت عليه وهو عيان، واللي حرمت نفسي من حاجات كتير عشان ما يحتاجش لحد، واللي كنت بفرح لمجرد إني أشوفه مرتاح.
وفي الآخر، بقيت ضيفة تقيلة في بيته!
ما رديتش عليه. دخلت أوضتي وقفلت الباب بهدوء، وقعدت على السرير وأنا بحاول أمنع دموعي تنزل.
بعد شوية، سمعت ضحكهم وصوت الأطباق من بره، وكأن مافيش حاجة حصلت.
ساعتها افتكرت محمود، وافتكرت آخر رسالة كان سايبهالي، واللي كان بيقول لي فيها إني ما أسمحش لحد إنه يخليني أحس إني عبء، حتى لو كان أقرب الناس ليا.
طلعت الرسالة من درج الكومودينو، وقريتها تاني. ولما وصلت لكلمته اختاري راحتك يا فاطمة، ما قدرتش أمسك دموعي.
همست لنفسي
حاضر يا محمود. المرة دي هسمع كلامك.
استنيت لحد ما البيت كله نام. لمّيت هدومي في شنطة صغيرة، وخدت أوراقي الشخصية وموبايلي، ووقفت لحظة أبص للأوضة اللي كنت بنام فيها.
ما كنتش عارفة هروح فين، لكن كنت عارفة إني مش هقدر أكمل بالطريقة دي.
خرجت من الأوضة بهدوء، وعديت من الصالة، وفتحت باب الشقة من غير ما أصحي حد.
نزلت السلم وأنا شايلة شنطتي، وكل درجة كنت بحس إني بسيب ورايا وجع سنين.
ولما وصلت الشارع، وقفت تاكسي وقلت للسواق
لو سمحت، وصلني لفندق هادي في وسط البلد.
طول الطريق كنت ببص من الشباك، ودموعي بتنزل وأنا بافتكر أحفادي. كنت بحبهم أكتر من نفسي، وكنت عارفة إن بعدي عنهم هيوجعني، لكن سألت نفسي سؤال واحد
هو لازم أعيش مكسورة عشان أفضل قريبة من الناس اللي بحبهم؟
وصلت الفندق، وحجزت أوضة صغيرة. غسلت وشي، وغيرت هدومي، وطلبت فطار بسيط، وبعدها قعدت قدام الشباك أراقب الشارع وهو بيصحى.
لأول مرة من سنين، ما كانش فيه حد بينادي عليا عشان أعمل له حاجة.
ومع ذلك، ما قدرتش أنام.
الساعة تسعة الصبح، تليفوني رن. كان أحمد.
سيبته يرن لحد ما فصل، لكنه اتصل تاني، وبعدها

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *