كنت حاسه

مسكت فيشة الجهاز وشدتها بحركة واحدة من الفيشة في الحيطة.
​الشاشة اسودت، والصوت المنتظم وقف تماماً. أمي بصلتها، وبعدين رجعت بصت في تليفونها تاني كأن سارة مجرد قلبت المحطة في التلفزيون.
الهدوء المفاجئ ده مكنش مريح خالص.
كان هدوء يرعب.. هدوء نهاية.
​في الثانية دي بالذات، فهمت إزاي البني آدم ممكن يختفي من الدنيا من غير ما حد يرفع صوته حتى—مجرد تصرف متخلف ومؤذي، وبعدها كل اللي في الأوضة يتفقوا مع بعض إنه كان مجرد “تهيؤات وأوفرة”.
​وفجأة الباب اتفتح.
​الدكتورة كانت واقفة على الباب وإيدها على الأوكرة. عينها جابت السلك المرمي على الأرض، والشاشة الميتة، وإيد سارة اللي لسة ممدودة، وشكل أمي اللي ولا كأن حاجة حصلت.
وش الدكتورة فضلت ملامحه ثابته ومسيترة، بس عينيها حمرت واتحولت في ثانية.
​دخلت جوه الأوضة، حطت الفيشة تاني في الحيطة، اطمنت على الشاشة وقراياتها، وبصت في عين أختي مباشرة.
“إنتوا مش هتتحركوا من هنا. أنا بلغت الأمن والشرطة جاية في الطريق.”
​وش سارة اصفر وبقى زي الليمونة. أمي قامت وقفت بسرعة لدرجة إن شنطتها وقعت على الأرض.
وفجأة، الاتنين بقى عندهم ميت برير وكلام كتير عاوزين يقولوه.
سارة كانت متوترة ومش قصده.. سارة مش فاهمة في الأجهزة الطبية.. الأهالي بيبقوا مشدودين ومشفوقين في المستشفيات.. وبعدين إيه المشكلة؟ ما هي كويسة وزي الفل أهو—بصوا عليها، ما فيهاش حاجة!
​الدكتورة ماردتش عليهم ولا دخلت في جادال.
خرجت الطابق بره، اتكلمت في التليفون بصوت واطي، ورجعت ومعاها ممرضة ثانية وقفت جنب السرير حارسة. سارة كانت رايحة جاية جنب الحيطة وبتاكل في نفسها، وبتبصلي بغل وتقولي إزاي تسمحي للغرباء يعملوا كده في أهلك وناسك؟
​أنا كنت باصة للشاشة وهي بتنور وترجع تشتغل تاني.
​بعد عشر دقائق، وصل اتنين أمناء شرطة. واحد وقف يتكلم مع الدكتورة، والتاني قرب من سريرا وسألني بصوت واطي لو كنت حاسة بأي تهديد أو خايفة على نفسي.
فتحت بوقي عشان أتكلم.
مفيش صوت خرج.
​بس هو فهم من نظرة عيني كل حاجة.
​أخدوا أمي وسارة وخرجوا بيهم على الطابق بره، وسارة صوتها كان طالع وهي بتزعق وبتقول إني مريضة شهرة، وبحب ألف الانتباه، ومفترية. أمي ما دافعتش عني ولا كلمة.. أمي كانت كل همها تدافع عن شكل العيلة وقيمتها قدام الناس.
​أول ما الباب اتقفل وصوتهم اختفى، إيديا بدأت تترعش بطريقة هستيرية تحت اللحاف.
لأن الدكتورة دي لو كانت متأخرة خطوتين بس في الطابق.. مكنش هيكون في أي شاهد على اللي حصل.
كنت هبقى أنا لوحدي في سرير المستشفى.
وسارة ماسكة الفيشة.
وأمي بتفهم الكل إني بتهيأ وبتخيل حاجات مجمعتش.
​بعدها بساعة، دخلت الدكتورة “جيهان” وهي ماسكة ملف أصفر في إيدها. سحبت كرسي وقعدت جنبي وقالتلي بصوت حنين وسألتني لو حاسة بألم.
“أنا كويسة،” همست بصوت واطي.
​هي مأخدتش بالكلمة ولا كتبتها في التقرير.
بدل كده، فتحت الملف وقالتلي إن في حاجة مهمة لازم أعرفها قبل ما أخرج من المستشفى.
الصفحة الأولى كان مكتوب فيها اسمي. الصفحة الثانية كان فيها اسم “سارة”.
​وبعدين الدكتورة جيهان ورتني الملاحظات الأولى اللي اتكتبت وقت دخولي الطوارئ.
قبل ما أفوق من البنج وأفتح عينيا، سارة كانت قايلة لدكاترة الاستقبال إني عندي تاريخ مرضي في ادعاء المرض، وإني بتمارض عشان أخد مسكنات وأدوية جدول. الكلام ده تسبب في إنهم أخروا جرعة المسكنات اللي كنت محتاجاها للكسور.
​وفي آخر الصفحة تحت خالص.. كان في إمضاء بيقر إن الكلام ده صح ومسؤولين عنه.
​الإمضاء مكنش بتاع سارة.​كان إمضاء أمي.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *