كنت حاسه

اسمها الثلاثي كان مكتوب بخط إيدها المظبوط والمنسق تحت خالص، نفس الخط اللي بتكتب بيه في كروت المعايدة والشيكات. الدكتورة جيهان وضحتلي إن الورقة دي ملغتش علاجي، بس خلّت دكاترة الطوارئ يتساهلوا وما ياخدوش كلامي وألمي على محمل الجد في الأول، لحد ما فريق الجراحة والدكاترة كشفوا عليا بنفسهم وشافوا الأشعة.
​فضلت باصة للإمضاء لحد ما الحروف زغللت في عيني.
أمي ما اكتفتش بس إنها تسيب سارة تستهين بإصابتي وتترقك عليا، دي شاركت في رسم الخطة والتأليف قبل حتى ما أفوق وأقدر أدافع عن نفسي.
​الدكتورة جيهان سألتني لو عاوزة أضم الورقة دي لتقرير البلاغ اللي اتعمل في البوليس. أول حاجة جت في بالي كانت الخوف القديم: أحمي العيلة، ألم الموضوع، وأعدي الليلة عشان أسلم من لسانهم ومشاكلهم بعدين.
بس في اللحظة دي افتكرت منظر شاشة الجهاز وهي بتطفي وصوتها وهو بيموت.
​”ضميها للتقرير،” قلتها بصوت ثابت.
الكلمتين دول غيروا الجو في الأوضة تماماً، أوقع وأقوى من أي صريخ أو عياط.
​الأخصائية الاجتماعية رجعت تاني، ووافقت على خطة خروجي من المستشفى بشرط حظر أمي وسارة من الدخول عندي أو إنهم ياخدوا أي معلومات طبية عن حالتي. وطلبت كمان إن أي أقوال أقولها للشرطة تتأخد وأنا لوحدي تماماً من غير وجود أي حد فيهم.
​بعد كام دقيقة، الظابط دخل الأوضة تاني وسألني سؤال خلى بطني تتعصر من الخوف.
قال إن أمي ادعت إن الدكتورة فهمت الموضوع غلط، وإن سارة كل اللي عملته إنها شالت شاحن التليفون مش أكتر.
​الدكتورة كانت واقفة على باب الأوضة وهو بيكلمني.
مدت إيدها في جيب البالطو، طلعت استمارة إثبات الحالة اللي كانت بدأت تكتبها، وشاورت على سطر معين.
فيشة الجهاز مكنتش الحاجة الوحيدة اللي سارة لمستها.
​قبل ما الدكتورة تدخل الأوضة بثواني، سارة كانت زاقة زرار استدعاء التمريض أبعد من إيدي المتربطة والمجبرسة عشان ما أقدرش أطوله أو أطلب مساعدة.
​والظابط كان عاوز يعرف مني: هو ده كمان حصل بالصدفة؟بصيت للظابط وقلتله بصوت ثابت ومشتسهمش فيه أي تردد: “مفيش حاجة حصلت بالصدفة. هي شالت الفيشة وبعدت الزرار قاصدة عشان ما أقدرش أنادي على حد.”
​الظابط هز رأسه وكتب كل كلمة قلتها في المحضر. بره الأوضة كان صوت سارة وأمي طالع وهما بيحاولوا يقنعوا أمن المستشفى والشرطة إن الموضوع مجرد سوء فهم عائلي، وإنهم خايفين عليا، بس حدة الموقف والشواهد اللي الدكتورة والأخصائية سجلوا كل حاجة فيها قطعت عليهم طريق الفبركة.
​خلال ساعات، تم نقل أوراق المحضر للنيابة، واتعملهم استدعاء رسمي وتحقيق في واقعة إهمال وتعريض حياة مريض للخطر وتزوير إقرارات طبية. أمي حاولت تبعتلي قرايبنا عشان يتوسطوا ويزغطوا عليا أتنازل، وكانوا بيكلموني عن “صلة الرحم” و”عيب اللي بتعمليه في أمك وأختك”، بس المرة دي السكوت اللي كنت بحتمي بيه زمان تحول لقرار واضح: مش هسمح لحد يؤذيني ويكتم صوتي تاني.
​رفضت أقابل أي حد منهم، والأخصائية الاجتماعية في المستشفى ساعدتني أخلص إجراءات الخروج والأوراق الرسمية من غير ما يعرفوا أنا رايحة فين. أخدت حاجتي، وأجرت شقة صغيرة قريبة من شغلي، وبدأت جلسات العلاج الطبيعي والنفسي عشان أرمم اللي انكسر في جسمي وفي روحي.
​بعد بضعة أشهر، النيابة أصدرت حكمها بعقوبة مخففة مع إيقاف التنفيذ وغرامة مالية كبيرة لسارة وأمي، مع فرض أمر عدم تعرض رسمي يمنعهم من الاقتراب مني أو الاتصال بيا.
​لأول مرة في حياتي، حسيت إن الجهاز اللي طفوه زمان مكنش بس بيقيس ضربات قلبي، ده كان بداية النبض الحقيقي لحياتي واستقلالي بعيد عنهم.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *