الكاميرات
ابتسمت -وعرفت وقتها إن مفيش فايدة في ناشفية رأسها- وقلت لها: “دي مش هدية يا حنان.. ده أمر شغل. أنا محتاج الدادة بتاعة ابني تجيلي فايقة ومتركزة، مش مهدودة من السفر والمواصلات. وبعدين.. يوسف بيكره لما بتتأخري عليه خمس دقايق في المواصلات.” حنان بصت لي فترة طويلة، وكأنها بتقرأ اللي جوايا، وعرفِت إني عرفت قصتها من غير ما أنطق كلمة.
عينيها دمعت حتة صغيرة، بس مسحتها بسرعة وقالت بصوت واطي: “ربنا يخليك له يا سيف بيه.. ويخليه ليك.” أخدت المفاتيح ومشت. ومن اليوم ده، بقى بيتنا مش مجرد ملجأ مقفول بالكاميرات والحراس، بقى بيت بجد.
عرفت إن الحماية مش إني أمنع الخطر عن اللي بحبهم، لكن إني أزرع فيهم القوة اللي تخيلهم يقفوا على رجليهم مهما الدنيا كسرتهم.
#حكايات_شروق_خالد
عدت سنتين كامليين. سنتين والبيت ده بيتغير كل يوم عن اليوم اللي قبله. السكوت الثقيل اللي كان كاتم على نفس القصر اتستبدل بصوت يوسف وهو بيلعب، وبصوت حنان وهي بتزعقله عشان يكمل تمارين العلاج الطبيعي، وبصوتي أنا وأنا بضحك من قلبي.. حاجة مكنتش أفتكر إني هعملها تاني في حياتي. يوسف بقى عنده عشر سنين.
بقى بيمشي بالكرسي المتحرك في كل شبر في الفيلا بكل ثقة، جسمه بقى قوي، ونظرة الانكسار اللي كانت في عينيه اختفت تماماً. وفي يوم، كنت قاعد في المكتب بشتغل، وحنان دخلت عليا. كانت ماسكة ملف في إيدها، وملامحها كان فيها جدية غريبة. “سيف بيه.. أنا محتاجة أتكلم معاك.”
حطيت القلم وبصلتها: “خير يا حنان؟ يوسف فيه حاجة؟” “يوسف زي الفل.. بس هو خلاص مابقاش محتاجني.” الجملة نزلت عليا زي المية الساقعة. كملت وهي بتبصلي بثبات: “يوسف دلوقتي بياخد باله من نفسه، بيتحرك بسهولة، بيتكلم ويطالب بحقه، وبيعمل تمارينه بانتظام. هو مش محتاج دادة مقيمة.. هو محتاج ينزل المدرسة، يخالط أطفال في سنه، ويعيش حياته طبيعي. ووجودي هنا أكتر من كده هيخليه يعتمد عليا ويوقف تطوره.”
سكتت لحظة، وبعدين أخدت نفس طويل وقالِت: “أنا قدمت له في مدرسة مجهزة لأصحاب الهمم، مدرسة محترمة جداً وقريبة من هنا، وقبلوا أوراقه. وده ملف المدرسة.” مسكت الملف وأنا إيدي بتترعش.. مش عشان المدرسة، لكن عشان فكرة إن حنان ماشية.
“وأنتِ يا حنان؟” سألتها بصوت واطي. ابتسمت ابتسامة هادية، أول مرة أشوفها ابتسامة كاملة وطالعة من قلبها: “أنا عملت شغلي هنا يا سيف بيه. يوسف بقى واقف على أرض صلبة، وأنا كمان.. بفضلك وبفضل الشغل هنا، قدرت أسدد ديوني كلها، وراجعة أفتح مركز صغير للعلاج الطبيعي للأطفال اللي ظروفهم صعبة.”