الكاميرات
في اللحظة دي، أنا كنت واقف في غرفة التحكم وشي محروق من الخجل. الكلمة اللي قالتها حنان نزلِت عليا زي القلم على وشي: أنت بتبصله وكأنك واقف في جنازته. كانت عندها حق. أنا من يوم الحادثة وأنا بتعامل مع يوسف على إنه بقايا ابني، مش ابني اللي لسه عايش.
كنت حابسه في الخوف والرعب بتوعي، ورامي عليه همومي وضغوطي وذابحه بنظرات الشفقة والأسى اللي كنت ببصهاله بيها كل يوم. نزلت من غرفة التحكم ومشيت في الطرقة الطويلة لحد ما وصلت لقصاد أوضته. وقفت بره الباب كذا ثانية، إيدي على الأكرة وبتترعش.
لما فتحت الباب، حنان بصتلي بهدوء وانسحبت لورا عشان تديني مساحتي، وطلعت بره الأوضة وقغلت الباب وراها بسكوت. قربت من يوسف، وقعدت على الركبتين قصاد الكرسي المتحرك بتاعه. كانت أول مرة أنزل لمستوى عينيه من شهور.
بصلي بعيون ملبانة دموع، وبدال ما أقوله الكلام المعسول أو أطبطب عليه بذل، افتكرت كلام حنان. “يوسف..” صوتي كان مخنوق، بس حاولت أكون ثابت. “أنا آسف.. أنا نسيت إنك لسه here، وكنت فاكر إن الحماية هي إني أخبيك من الدنيا. بس أنت بطل، وأنا هكون جنبك في أي قرار تاخده.
” يوسف بصلي وتنهد تنهيدة طويلة، وبعدين حط إيده الصغيرة فوق إيدي لأول مرة من يوم حادثة أمه. خرجت من الأوضة بعد ساعة، لقيت حنان واقفة في الصالة بتحضر شنطتها عشان شفتها كان خلاص بيخلص. قربت منها وقدمت لها كارت الفيزا وحافز إضافي.
بصت للكارت وبعدين بصتلي وقالت: “أنا باخد أجري اللي اتفقنا عليه بس يا سيف بيه. مش محتاجة صدقة.” ابتسمت لأول مرة من سنة وأربعة أشهر وقبلت دماغها احتراماً: “دي مش صدقة يا حنان.. ده حق واحدة رجعت الروح لابني وشالت الغمامة اللي كانت على عينيا.
أنتِ مش مجرد دادة، أنتِ أمل البيت ده.” من اليوم ده، البيت اتغير. يوسف بدأ يتكلم ويزعق ويضحك، وحنان فضلت معاه تدربه يوم بعد يوم لحد ما بدأ يتحكم في جسمه ويكمل حياته بشجاعة، وأنا تعلمت إن حماية اللي بنحبهم مش بإنا ندفنهم في خوفنا، لكن بإنا نخليهم يواجهوا الدنيا مرفوعين الراس.
#حكايات_شروق_خالد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”
مرت شهور، والبيت اللي كان شبه التربة بقى يدب فيه الحياة. يوسف مكنش بس بيتكلم، ده بقى يرجع لشقاوته القديمة، يزعق ويطلب أكلات معينة، وحتى لما كان يضايق من التمرين، بقى يعبر عن غضبه بصوت عالٍ بدل ما ينزوي في الظلمة.