ابني
تمدحني. كنت عايزة أحس إن الخير اللي ربنا رزقني بيه ممكن يغيّر حياة ناس محتاجة.
ورغم كل ده، كان فيه جزء جوايا لسه موجوع. كل ليلة كنت ببص على صور أحفادي، وأسأل نفسي إذا كانوا بيسألوا عني ولا لأ.
وفي يوم، وأنا راجعة من عند المحامي، لقيت أحمد واقف قدام باب شقتي الجديدة.
كان شكله مرهق، وملامحه متغيرة. أول ما شافني، قرب وقال
أمي! أنا بدور عليكي من أسبوع.
وقفت مكاني وسألته
عرفت مكاني إزاي؟
قال
خالتي سعاد قالت لي إنك ممكن تكوني في المنطقة دي، وفضلت أسأل لحد ما وصلت لك. ممكن أدخل أتكلم معاكي؟
فتحت الباب وقلت
اتفضل.
دخل وبص للشقة، وبعدها سألني
إنتي ساكنة هنا لوحدك؟
قلت
أيوه.
قال
طب ليه يا أمي ما رجعتيش البيت؟ أنا قلت لك إني آسف.
قعدت على الكنبة وقلت له
اقعد يا أحمد.
قعد قدامي وبدأ يبرر موقفه. قال إنه كان مضغوط في الشغل، وإنه ما كانش يقصد يجرحني، وإنه عارف إني زعلت.
سمعته لحد ما خلص، وبعدها سألته
إنت جاي تصالحني يا أحمد، ولا جاي عشان محتاجني أرجع أساعدكم؟
اتوتر وبص في الأرض، وقال
إيه الكلام ده يا أمي؟ طبعًا جاي عشان إنتي أمي.
قلت
طيب، لو رجعت البيت، هل هتكون مستعد تعمل الأكل وتغسل الأطباق وتراعي ولادك بنفسك لما أكون تعبانة؟
قال بسرعة
طبعًا يا أمي.
سألته
وهل هتطلب مني أي حاجة باحترام، زي ما بتطلب من أي حد تاني؟ وهل هتفتكر إن ليا حياة ووقت وراحة مش ملكك؟
سكت أحمد، وكان سكوته أقوى من أي إجابة.
بعد لحظات قال
أنا مش متعود يا أمي.
ابتسمت بحزن
عارفة يا حبيبي، ودي مشكلتك. إنت اتعودت على عطائي لحد ما نسيت إنه مش واجب عليا أضحي بنفسي طول العمر.
عينيه دمعت وقال
أنا آسف.
المرة دي حسيت إنه ممكن يكون صادق، لكن الصدق مش معناه إن كل حاجة لازم ترجع زي الأول.
قلت له
أنا مسامحاك يا أحمد، لكن مش هرجع أعيش معاك.
رفع عينه بسرعة
يعني خلاص يا أمي؟ هتسيبيني لوحدي؟
قلت
أنا مش بسيبك يا ابني، أنا بس برجع لنفسي حياتها. تقدر تزورني في أي وقت، وتجيب ولادك ونقعد مع بعض ونضحك، لكن مش هرجع أعيش في بيت أكون فيه مسؤولة عن كل حاجة من أول الطبخ لحد تنظيف السلم.
فضل ساكت شوية، وبعدين قال
حاضر يا أمي.
ولما قام عشان يمشي، حضنني. كان أول حضن حقيقي آخده منه من سنين طويلة.
بعد كام يوم، جالي اتصال من نجلاء.
قالت بصوت متوتر
إزيك يا طنط فاطمة؟
قلت
الحمد لله يا نجلاء، إنتي عاملة إيه؟
قالت
كويسة، بس كنت عايزة أسألك سؤال. هو أحمد قال لك إن علينا أقساط كتير، وإن شغله مش مستقر اليومين دول؟
استغربت من السؤال وقلت
لا، ما قالش.
بدأت تشرح لي إنهم محتاجين مبلغ كبير يسددوا بيه التزامات البيت، وإنها كانت بتفكر تستلف من أهلها.
وبعدين سألتني
إنتي أكيد معاكي فلوس حوشتيها من زمان، صح؟
سكت لحظة، وبعدها قلت
أنا عندي اللي يكفيني يا نجلاء، لكن مش هقدر أتحمل مصاريف بيتكم.
اتغير صوتها
يعني إيه يا طنط؟ إنتي مش عايزة تساعدي ابنك؟
قلت بهدوء
أنا ساعدته طول عمري، لكن المساعدة مش معناها إني أكون مسؤولة عن كل مشكلة بتحصل في بيته.
قفلت المكالمة وأنا حاسة إن الموضوع مش هيقف عند كده.
وفعلًا، بعد يومين، أحمد جه لي تاني، وكان متوتر جدًا.
قال
أمي، أنا محتاج أتكلم معاكي في موضوع مهم.
قلت
خير يا أحمد؟
بص لي وقال
أنا عرفت إنك ورثتي فلوس من أبويا، وإن فيه استثمارات باسمه.
قلبي دق بسرعة، لكني حاولت أكون هادية.
سألته
مين قال لك كده؟
قال
خالتي سعاد عرفت من حد كان يعرف أبويا إن فيه مبلغ كبير.
قلت
أيوه يا أحمد، أبوك ساب لي ميراث.
سألني على طول
قد إيه؟
قلت
المبلغ يخصني يا أحمد، ومش هتكلم في تفاصيله.
بص لي وكأنه مش مصدق
يعني إنتي معاكي فلوس كتير وسايباني أنا غرقان في الأقساط؟
ساعتها فهمت إن اعتذاره لسه ما كانش كفاية، وإنه محتاج يراجع نفسه من جديد.
قلت له
إنت عرفت بالميراث إمتى؟
قال
من يومين.
سألته
وطب قبل ما تعرف، كنت بتعاملني إزاي؟
ما ردش.
قلت
أنا مش هعاقبك عشان ظروفك صعبة، لكن مش هقبل إنك تفتكر إن فلوسي حقك لمجرد إنك ابني.
اتعصب وقال
أنا ابنك الوحيد، ومن حقي أعرف!
رديت عليه
إنت ابني، وده شيء عمره ما هيتغير، لكن فلوسي مش ملكك، وأنا حرة أقرر أعمل بيها إيه.
قال
يعني مش هتساعديني؟
قلت
لو احتجت مساعدة في حاجة ضرورية، هسمعك ونشوف حل مناسب، لكن مش هدفع فلوسي عشان أفضل أشتري رضاك أو أضمن إنك تعاملني كويس.
وقف قدامي مش عارف يقول إيه، وبعدين قال بصوت مكسور
أنا عمري ما تخيلت إنك ممكن تبقي غنية بالشكل ده.
بصيت له وقلت
وأنا عمري ما تخيلت إن ابني ممكن يقيس قيمتي بالفلوس.
نزل عينه في الأرض، والمرة دي ما كانش عنده رد.
بعدها بدأت أرتب أموري المالية بعناية، وبعد ما استشرت المختصين، خصصت جزءًا من ثروتي لمشروع صغير يساعد الأمهات اللي ظروفهم صعبة، والستات الكبار اللي مالهمش حد يرعاهم.
ما كنتش عايزة أوزع فلوس وخلاص. كنت عايزة أساعد الستات يلاقوا شغل، ويتعلموا حرفة، ويقدروا يعيشوا بكرامة من غير ما يضطروا يستحملوا الإهانة عشان محتاجين.
وفي يوم افتتاح المشروع، فوجئت بأحمد داخل المكان ومعاه ولاده.
يوسف جري عليا وحضني
وحشتيني يا تيتة!
نزلت لمستواه وحضنته وبوسته
وإنت كمان وحشتني يا حبيبي.
أحمد وقف بعيد شوية، وبعدها قرب وقال
أنا جيت أشوف المكان اللي بتعمليه.
ابتسمت
أهلًا بيك يا أحمد.
بص حواليه، وشاف الستات اللي بيشاركوا في المشروع، والأطفال اللي بيلعبوا في الركن المخصص لهم.
سألني
إنتي بتعملي كل ده عشان تساعدي