اتجوزت على مراتي بعد ما ربنا ابتلاها بالمړض الخبيث وكنت فاكر انها خلاص بټموت ،بس مرضها طول وبقيت مش قادر اكفيها هيه وبيتي الجديد وابني، وحسيت ان جالي الڤرج لما طلبت بنفسها نتطلق وقولت خلاص هرتاح ويمكن مش هشوفها تاني مكنتش اعرف اني هندم ندم عمري من اللي هيحصل بعد كده!!!! انا وسحر مراتي عشنا مع بعض أحلى ٣ سنين في حياتنا كنا بنحب بعض جدا وفي كامل سعادتنا لحد ما الدكتور قال لنا الكلمة اللي هدت حيلنا کانسر وقتها حسيت إن الدنيا اتقفلت في وشي. في الأول كنت قاعد جنبها وقلبي بيتقطع عليها، وهي كانت بتدوب قدام عيني كل يوم؛ الكيماوي هدها، وشعرها اللي كنت بمۏت فيه وقع، ونفسيتها بقت في الأرض. بس مع الأيام والضغط والشغل ومرضها اللي طول أوي، بقيت حاسس بنقص.. حاسس إني شاب ومحروم من حاجات كتير، وفكرت في نفسي قبل اي شئ. قعدت معاها وقلت لها عايز أتجوز تاني وساعتها وإن كانت زعلت واتحسرت، بس ابستمت لي وقالت لي مبروك كأنها أمي مش مراتي! اتجوزت التانية وأنا بقول لنفسي سحر كلها شهور وتستريح من العڈاب ده.. كنت باصص لإن حالتها صعبة والدكاترة مقالوش كلام يفرح انها هتودعني في اي لحظه. والدنيا مشيت، اتجوزت في شقة تانية، وربنا رزقني بولد بقى هو الدنيا واللي فيها، خصوصاً إن سحر أيام زمان كانت سقطت مرة ومحصلش نصيب تخلف تاني بسبب العلاج والكيماوي. وللأسف، مع وجود بيت جديد وعروسه وابن ، بقيت بنسى سحر.. بقيت بروح لها كل فين وفين، ومبقاش يجمعنا غير مصلحة أو مستشفى أو ميعاد أشعة. كنت بنفض لكل حاجة، حتى لما البواب كان يقابلني ويقولي يا باشا ابقى طل على الست سحر.. دي بتصرخ من الألم لوحدها وإحنا سامعينها من تحت كنت بروح أقولها ما تروحي لأمك أو تكلميها تيجي تقعد معاكي!. كانت تقولي بۏجع أمى تعبانة، مش عايزة أشوفها بتتعب وتزعل عشاني. طول الفترة دي والمصاريف كانت بتزيد وتهد حيلي. مصاريف بيتي الجديد وابني ومصاريف سحر وعلاجها الغالي. بقيت مش مكفي، ومراتي التانية مكنتش بتسكت.. كل يوم خناق ومشاكل عشان الفلوس اللي بدفعها لسحر وأنها شايفة إني مقصر معاها هي وابني ومش عامل لهم حساب. كنت قاعد بين نارين، شايل هم الدنيا فوق كتافي ومبقاش في إيدي حيلة. لحد ما في يوم.. كنت قاعد عند سحر في شقتها، مهموم من كتر الديون والمشاكل بصتلي وقالت بحنان مالك؟.. قلت لها بتعب ولا حاجة.. المعيشة بقت صعبة والدنيا مقفلة. ساعتها لمعت الدموع في عيونها.. دمعة حاړقة نزلت على خدها الدبلان، وبكل حب الدنيا قالتلي أنا هخليها سهلة.. طلقني يا مصطفى. اټخضيت وقلت لها إنتي بتقولي إيه؟ مدت إيديها الضعيفة الناشفة من المړض وحطتها على إيدي بحنية وقالت أنا حاسه بيك.. ومش زعلانة منك.. طلقني وإحنا الاتنين هنرتاح. سألتها بۏجع وهم بيقطع في قلبي بجد.. مش هتزعلي؟.. كنت عارف من جوايا أنها بټموت من البكاء والۏجع، بس كنت أناني، كنت محتاج أي مخرج يريح ضميري ويسكت صوت العڈاب جواه. بصتلي وابتسمت ابتسامة مکسورة وسط دموعها وقالت مش هزعل. وفعلا تم الطلاق.. ومضيت على الورق وأنا بقول ارتحت، خلاص. كنت فاكر إني حليت كل المشاكل وإني خلاص هعيش مرتاح، ويمكن عمري ما هشوف سحر تاني ،،بس كنت موهوم واللي حصل بعد قراري ده ندمني ندم عمري !!!! حكايات زهرة الربيع بعد ما طلقت سحر، خرجت من مكتب المأذون وأنا حاسس إن جبل اتشال من فوق صدري، ركبت عربيتي ورنيت على مراتي التانية نادين، ولما ردت عليا قلت لها وأنا بحاول أخفي فرحتي خلاص يا نادين، الموضوع انتهى، أنا طلقت سحر. سكتت ثواني، وبعدها سمعت صوتها وهي بتقول بفرحة واضحة بجد يا مصطفى؟ يعني خلاص مش هتفضل تصرف فلوسك على علاجها ومشاوير المستشفى؟ خلاص يا حبيبتي، كل واحد فينا بقى في طريق. طب تعالى بسرعة، أنا عاملالك أكلة حلوة، وابنك وحشك. قفلت معاها وأنا ببتسم، وبدل ما أرجع الشقة اللي عشت فيها مع سحر تلات سنين، رحت على بيتي الجديد، وكنت فاكر إن الصفحة دي اتقفلت للأبد. أول ما دخلت، لقيت نادين شايلة ابني يوسف، عنده سنة وشهرين، وبتضحك له وهي بتقوله أهو بابا جه يا حبيبي! جريت على ابني وشيلته، ولما حط إيده الصغيرة على وشي وضحك، حسيت إن الدنيا كلها بقت ملكي، وقلت لنفسي إن ده الصح، وإن الإنسان لازم يفكر في نفسه وفي مستقبله بدل ما يفضل عايش أسير لمرض ملوش آخر. بس وأنا قاعد على السفرة، لقيت نادين بتبصلي وهي بتقول على فكرة يا مصطفى، أنا عايزة نغير العربية. رفعت عيني باستغراب وقلت نغير العربية؟ ليه بس؟ دي لسه كويسة. ردت بضيق كويسة بالنسبة لك إنت، إنما أنا عندي طفل ومحتاجة عربية أوسع، وبعدين كل صحابي جوزهم جايبين عربيات أحدث من عربيتنا. حطيت المعلقة من إيدي وقلت يا نادين، إنت عارفة إن عليا ديون، ولسه مخلصتش أقساط الشقة. اتغير وشها في لحظة وقالت رجعنا لسيرة الفلوس؟ ما إنت بنفسك بتقول إنك ارتحت من مصاريف سحر، أمال الفلوس راحت فين؟ بصيت لها پصدمة. إنتي بتتكلمي بجد؟ دي ست كانت مراتي، وكانت بټموت! ردت ببرود وكانت مراتبك زمان، دلوقتي إنت طلقتها، يعني مش مسؤول عنها. وبعدين هي اللي طلبت الطلاق، محدش غصبها. حسيت بحاجة بتخبط في صدري، لكني حاولت أقنع نفسي إن كلامها منطقي، وإن سحر نفسها هي اللي اختارت تبعد. عدت الأيام، ورجعت لحياتي المعتادة، شغل الصبح، رجوع بالليل، لعب مع يوسف، وخناقات مع نادين على أتفه الأسباب. وفي وسط الزحمة دي، ماكنتش بسأل عن سحر، ولا حتى برن عليها أطمن إنها لسه عايشة. كنت ساعات وأنا سايق أفتكر ضحكتها، وأفتكر إزاي كانت بتستقبلني لما أرجع من الشغل، وإزاي كانت بتعمل لي الشاي وتحطه جنبي من غير ما أطلب، لكني كنت بطرد الذكريات دي بسرعة وأقول لنفسي إن الماضي خلاص انتهى. لحد ما جه اليوم اللي قلب حياتي كلها. كنت في مكتبي بالشركة، داخل على اجتماع مهم، لما السكرتيرة قالت لي إن فيه راجل كبير واقف بره وعايز يقابلني، وإنه رافض يمشي قبل ما يشوفني. قلت لها دخليه. بعد دقيقة دخل راجل في أواخر الخمسينات، لابس جلابية رمادي وجاكيت قديم، ووشه باين عليه التعب والسهر. أول ما شفته عرفته. كان عم رجب، البواب اللي كان مسؤول عن العمارة اللي كانت سحر ساكنة فيها. قمت من مكاني وقلت خير يا عم رجب؟ حصل حاجة؟ بصلي بنظرة غريبة، فيها عتاب وڠضب، وقال أنا جاي أقولك إن سحر في المستشفى. قلبي اتقبض، لكني حاولت أبين إني عادي. مالها؟ حصل لها إيه؟ حالتها صعبة يا أستاذ مصطفى، ودي مش أول مرة تدخل المستشفى، بس المرة دي غير كل مرة. سكت لحظة، وبعدين كمل الست دي كانت بټموت كل يوم لوحدها، وإنت كنت عايش حياتك ولا كأنها كانت في يوم من الأيام مراتك. وشي احمر، وقمت من مكاني بعصبية. إنت جاي تحاسبني يا عم رجب؟ إنت متعرفش أنا كنت بمر بإيه! هز راسه وقال عندك حق، أنا معرفش كنت بتمر بإيه، بس أنا عارف إنها كانت بتقع من طولها ومفيش حد جنبها، وعارف إنها كانت بتستنى صوت مفتاحك في الباب بالساعات، ولما كنت بسألها إنت ليه مش بتيجي، كانت تقولي إنك مشغول وإنك عندك مسؤوليات. حسيت إن الكلام بېخنقني، لكنه ماوقفش. يوم ما طلقتها، قعدت طول الليل قدام باب شقتها، وسمعتها بټعيط وتقول اسمك. كانت بتقول يا رب، أنا مش زعلانة منه، أنا بس كنت أتمنى يفضل جنبي لحد آخر يوم في عمري. نزلت عيني في الأرض. عم رجب طلع من جيبه ورقة صغيرة، وحطها على مكتبي. دي ورقة كانت كاتباها، وطلبت مني أديهالك لو حصل لها حاجة. مسكت الورقة بإيد بتترعش. هي فين دلوقتي؟ في مستشفى الأورام، في الدور الرابع. طب ليه ماجتش بنفسها أو كلمتني؟ بصلي بمرارة وقال هي اتطلقت منك يا أستاذ مصطفى، وإنت بنفسك اللي وقعت على الورق. كانت خاېفة تكلمك فتضايق، أو مراتك الجديدة تعرف وتعمل لك مشاكل. وبعدين خرج وسابني لوحدي. فضلت باصص للورقة، كأنها قنبلة ممكن ټنفجر في وشي في أي لحظة. فتحتها، ولقيت خط سحر الضعيف اللي كنت أعرفه كويس. مصطفى، لو الورقة دي وصلت لك، يبقى غالبًا أنا تعبت أكتر من الأول، أو يمكن ربنا قربني منه. متزعلش من نفسك، أنا عارفة إنك تعبت، وعارفة إن المړض أخد مننا حاجات كتير، حتى الأيام الحلوة اللي كنا بنحلم نعيشها. أنا مش بكتب لك عشان ألومك، ولا عشان أقول لك ارجع لي، لأنك خلاص بقيت حر، وأنا اللي وافقت على الطلاق بإرادتي. بس كنت عايزة أقول لك حاجة يمكن عمري ما قدرت أقولها لك وإنت قدامي. أنا عمري ما كرهتك، حتى في الأيام اللي كنت فيها پتألم ومحتاجة إيدك تمسك إيدي، وكنت بلاقي نفسي لوحدي. كنت بقول لنفسي إن مصطفى عنده شغل، وإنه لازم يعيش، وإنه مش ذنبه إني تعبت. لما قلت لك تطلقني، ماكنتش عايزة أبعد عنك، أنا كنت عايزة أشيل عنك الحمل اللي كنت شايفاه في عينيك. كنت فاكرة إنك لما ترتاح مني، هتفتكرني يوم وتدعي لي، مش أكتر. خلي بالك من نفسك، وخلي بالك من ابنك، وربنا يرزقك راحة البال اللي أنا معرفتش أديهالك. سحر. وقعت الورقة من إيدي. حطيت إيدي على وشي، وحسيت إني مش قادر آخد نفسي. كنت فاكر إنها بتستسلم، وإنها مش فارق معاها إني أمشي، لكن الحقيقة كانت إنها بتحبني لدرجة إنها فضلت تداري ۏجعها عشان ما تحسسنيش بالذنب. قمت فجأة، خدت مفاتيح عربيتي وجريت على المستشفى. طول الطريق كنت بدعي ربنا إنها تكون بخير، وكنت بقول لنفسي إن أول ما أشوفها هعتذر لها، وهقول لها إني غلطت، وإنها لسه غالية عندي، وإن الطلاق عمره ما كان معناه إني أتمنى لها الشړ. وصلت المستشفى وطلعت أجري على الدور الرابع، ولما سألت الممرضة عن سحر، بصت في الورق وقالت حضرتك قريبها؟ اترددت لحظة، وبعدين قلت أنا... أنا جوزها. بصت لي باستغراب. جوزها؟ حضرتك مصطفى؟ حسيت إن الډم نشف في عروقي. أيوه، أنا مصطفى. هي كويسة؟ الممرضة سكتت شوية، وبعدها قالت المړيضة في العناية المركزة من امبارح بالليل، وحالتها حرجة جدًا. حسيت إن الأرض بتلف بيا. حرجة إزاي؟ يعني إيه؟ هي ھتموت؟ قالت بهدوء إحنا بنعمل اللي نقدر عليه، بس حالتها محتاجة متابعة دقيقة. حضرتك ممكن تستنى بره لحد ما الدكتور يخرج. قعدت على الكرسي في الطرقة، وحطيت راسي بين إيديا. لأول مرة في حياتي، حسيت إني فعلًا ممكن أخسر سحر، مش باعتبارها مراتي أو حبيبتي القديمة، لكن باعتبارها الإنسانة اللي كانت بتدعي لي في السر، وبتسامحني حتى وأنا بجرحها. بعد شوية خرج الدكتور، فقمت له بسرعة. يا دكتور، أنا مصطفى، زوج سحر. بصلي وقال إحنا محتاجين نتكلم بوضوح. حالة سحر متقدمة، وجسمها بقى ضعيف جدًا بسبب المړض والعلاج. حصلت مضاعفات أثرت على التنفس ووظائف الجسم، وإحنا بنتعامل معاها لحظة بلحظة. حسيت إن رجلي مش شيلاني. طب هي ممكن تخف؟ الدكتور تنهد وقال صعب نديك وعد، لكن طول ما فيه فرصة، هنحاول. المهم دلوقتي إنها تكون مستقرة، ووجود حد قريب منها ممكن يساعدها نفسيًا لو قدرت تستجيب. بصيت له برجاء. ممكن أشوفها؟ سمح لي أدخل لدقايق، ولبست الملابس المخصصة ودخلت. ولما شفتها، حسيت إن قلبي اتعصر. كانت نايمة على السرير، وشها شاحب، وجسمها نحيف لدرجة إني ماعرفتش أصدق إن دي نفس الست اللي كنت بحضنها وأقول لها إننا هنكبر سوا. قربت منها، ومشيت بإيدي على شعرها الخفيف، وقلت بصوت مبحوح سحر... يا سحر، أنا جيت. ماكانش فيه رد. مسكت إيدها، وحطيتها على خدي. أنا آسف يا حبيبتي. أنا عارف إني ظلمتك، وعارف إني كنت أناني. بس والله ما كنت متخيل إن البعد عنك هيوجعني بالشكل ده. دموعي نزلت على إيديها. قومي يا سحر، افتحي عينيكي. اشتميني، اضربيني، اعملي أي حاجة، بس ماتسيبينيش وأنا لسه ما اعتذرتلكيش. فجأة، صوابعها اتحركت حركة بسيطة. رفعت راسي بسرعة. سحر؟ سامعاني؟ فتحت عينيها بصعوبة، وبصت لي كأنها مش مصدقة. همست مصطفى؟ أيوه يا حبيبتي، أنا هنا. حاولت تبتسم، لكن التعب كان أقوى منها. إنت... جيت ليه؟ السؤال وجعني أكتر من أي لوم. عشان أنا غبي، عشان فهمت متأخر، عشان افتكرت إن الفلوس والبيت والراحة أهم من إنك تكوني بخير. حركت راسها بصعوبة. ماتقولش كده... إنت عندك حياة. قربت منها وقلت وحياتي من غيرك كانت ناقصة، وأنا كنت بضحك على نفسي. سحر بصت للسقف، ودمعة صغيرة نزلت من طرف عينها. أنا كنت خاېفة أشوفك، يا مصطفى. كنت خاېفة أضعف وأطلب منك تفضل، مع إنك خلاص مشيت. حطيت إيدي على إيدها. أنا اللي بطلب منك دلوقتي، اديني فرصة أصلح اللي عملته. بصت لي بۏجع وقالت مش كل حاجة بتتصلح يا مصطفى. الكلمة نزلت عليا زي الحكم. قبل ما أرد، دخلت الممرضة وطلبت مني أخرج عشان سحر محتاجة ترتاح. خرجت وأنا حاسس إن حياتي كلها بتتفكك قدامي. لكن اللي ماكنتش أعرفه إن اللي جاي كان أصعب بكتير. بعد ساعة تقريبًا، رن موبايلي. كانت نادين. رديت بصوت مرهق أيوه يا نادين. إنت فين؟ يوسف عمال يعيط، وأنا تعبت ومش عارفة أعمل إيه! أنا في المستشفى عند سحر. سكتت لحظة، وبعدها صوتها علي. نعم؟! إنت رحت لها ليه؟ مش إنت طلقتها؟! نادين، حالتها حرجة، ومحتاجة حد جنبها. وأنا محتاجة جوزي جنبي! وابنك محتاج أبوه! إنت هترجع تعيش دور الزوج المخلص بعد ما سبتها؟ حاولت أتكلم بهدوء. أنا مش راجع أعيش معاها، أنا بس مش هسيبها لوحدها وهي في الحالة دي. ضحكت بسخرية. يا سلام! طب ما تروح تقعد عندها بقى، وتنسى إن عندك بيت ومرات وابن. نادين، مش وقته الكلام ده. لأ، وقته ونص! يا ترجع حالًا، يا تعتبر إن البيت ده مش بيتك. قفلت المكالمة في وشي. فضلت ماسك الموبايل، وبعدين بصيت ناحية باب العناية المركزة. كان لازم أختار، ولأول مرة في حياتي فهمت إن الاختيار مش بين سحر ونادين، ولا بين بيت قديم وبيت جديد. الاختيار الحقيقي كان بين إني أكون إنسان يتحمل نتيجة أفعاله، وبين إني أفضل أهرب كل ما الدنيا تضغط عليا. اتصلت بأمي، ولما ردت، صوتي خانني. إنتِ فين يا أمي؟ في البيت يا ابني، مال صوتك؟ حكيت لها اللي حصل، وكنت متوقع إنها تواسيني، لكنها سكتت شوية، وبعدها قالت يا مصطفى، أنا مش هقول لك إنك عملت الصح، ولا هقول لك إنك ما غلطتش. أنا من يوم ما عرفت إنك طلقت سحر وقلبي مش مرتاح. طب أعمل إيه يا أمي؟ تعمل اللي كان لازم تعمله من الأول. تقف جنبها، وتعتذر لها، وتساعدها من غير ما تستنى منها مقابل. بس خلي بالك، الاعتذار مش معناه إنها لازم تسامحك، ولا إنك ترجع تفرض نفسك عليها. نزلت دموعي. أنا خاېف أموت وهي زعلانة مني. قالت أمي بصوت مليان حزن يبقى ماتضيعش الوقت في الخۏف. روح اعمل اللي تقدر عليه، وسيب الباقي على ربنا. في اللحظة دي، خرجت الممرضة من العناية، ووشها متغير. جريت عليها. فيه إيه؟ سحر حصل لها حاجة؟ قالت بسرعة الضغط عندها نزل، والدكتور محتاج يقابل أهلها فورًا. حسيت إن قلبي وقف. أنا معاها، أنا جوزها. الممرضة بصت لي، لكنها ما علقتش. دخل الدكتور بعد دقائق، وطلب مني ومن أي حد من أهلها يكون موجود. اتصلت بوالدتها، الحاجة فاطمة، اللي كانت عايشة في مدينة تانية مع أخت سحر. لما عرفت الخبر، اڼهارت في التليفون، وقالت إنها هتيجي فورًا. قعدت قدام باب العناية، وكل ثانية كانت بتمر كأنها سنة. وبينما أنا غرقان في خۏفي، افتكرت حاجة قديمة. قبل ما سحر تمرض، كنا قاعدين في البلكونة في ليلة شتوية، وهي لابسة بلوفر صوف كنت جايبه لها من السفر، وبتتكلم عن أحلامنا. قالت لي يومها يا مصطفى، لو ربنا رزقنا ببنت، تحب نسميها إيه؟ ضحكت وقلت بنت؟ إنتِ لسه مش مخلفة، وبتخططي للأسماء؟ قالت وهي بتضحك ما هو لازم نحلم، يا سيدي. طيب، إنتِ اختاري. بصت لي وقالت مريم. ليه مريم؟ عشان اسم جميل، وعشان نفسي يبقى عندنا بنت طيبة وحنينة. ساعتها ضحكت وحضنتها وقلت خلاص، مريم، اتفقنا. لكن بعد فترة، حصل الإچهاض، وبعدها بدأ علاج المړض، واتدفنت أحلام كتير تحت الخۏف والتعب. افتكرت اليوم ده، وحسيت إننا ما خسرناش بس صحتها، إحنا خسرنا أحلامنا واحدة واحدة، وأنا كنت المفروض أكون آخر شخص يتخلى عنها. بعد ساعات طويلة، وصلت الحاجة فاطمة، وأول ما شافتني واقف قدام العناية، قربت مني وضربتني على صدري بإيدها. إنت فاكر نفسك جيت تعمل إيه؟! ما دافعتش عن نفسي. حقك عليا يا أمي. صړخت ماتقوليش يا أمي! أنا مش أمك! أنا أم سحر اللي كانت بتنام وهي مستنية مكالمتك، واللي كانت بتقول لي كل يوم إنك مشغول وإنك هتيجي بكرة. بصيت للأرض، ودموعي نزلت. أنا غلطت، والله غلطت. قالت بحړقة هي كانت بتداري عليك قدامي! كانت بتقول لي ماتزعليش من مصطفى، هو عنده ابنه وبيته، وأنا مش عايزة أكون سبب في خړاب حياته. رفعت عيني لها وقلت هي كانت بتقول كده؟ أيوه، وكانت بتكذب على نفسها قبل ما تكذب علينا. كانت كل ما تتعب تقول لي إنها كويسة، وكل ما تسألها عنك تقول لي إنك اتصلت، حتى في الأيام اللي ما كنتش بتسأل فيها عنها. حسيت إني عايز أصرخ. الحاجة فاطمة قعدت على الكرسي، وحطت إيديها على وشها. أنا بنتي عمرها ما طلبت من الدنيا حاجة، غير إنها تعيش معاك وتخلف طفل تشيله بين إيديها. ولما ربنا ابتلاها، كانت راضية، وكانت بتقول لي إنك هتفضل سندها. ماقدرتش أبص لها. بعد شوية، خرج الدكتور وقال إن الحالة استقرت مؤقتًا، وإن سحر محتاجة تفضل تحت الملاحظة. الحاجة فاطمة قامت بسرعة. أقدر أشوفها؟ زيارة قصيرة، لو حالتها سمحت. دخلت هي الأول، وأنا فضلت بره. بعد دقائق خرجت وهي بټعيط، وقربت مني وقالت هي سألت عليك. حسيت إن نفسي رجع لي. قالت إيه؟ قالت لي مصطفى لسه بره؟ هزيت راسي ودموعي نازلة. أيوه، أنا هنا. الحاجة فاطمة بصت لي نظرة طويلة، وبعدها قالت خليك هنا، بس ماتخليش وجودك ۏجع جديد ليها. عدت الليلة كلها في المستشفى، لا نمت ولا أكلت. وفي الصبح، جالي اتصال من رقم غريب. رديت، وسمعت صوت راجل بيقول أستاذ مصطفى؟ أنا الدكتور شريف، استشاري الأورام اللي كان بيتابع حالة مدام سحر. أيوه يا دكتور، خير؟ أنا عرفت إنها دخلت المستشفى، وحبيت أتكلم معاك في موضوع مهم. اتفضل يا دكتور. إحنا راجعنا آخر الفحوصات والتحاليل، وفيه احتمال إن جزء من التدهور اللي حصل لحالتها مرتبط بمضاعفات ممكن التعامل معاها، لكن لازم نكمل تقييمها بدقة. كمان فيه خيار علاجي متاح في مركز متخصص، لكن تكلفته مرتفعة، ومحتاجين نتحرك بسرعة بعد ما نتأكد إنها مناسبة له. قلبي بدأ يدق بسرعة. يعني فيه أمل؟ فيه أمل، لكن مش هقدر أضمن النتيجة. المړض متقدم، وكل حالة ليها ظروفها. لازم الأسرة تعرف كل التفاصيل وتشارك في القرار. بصيت للحاجة فاطمة، اللي كانت واقفة جنبي وبتسمع الكلام. يا دكتور، اعملوا كل اللي تقدروا عليه، والتكاليف أنا هتصرف فيها. قال الطبيب المهم مانبيعش أمل كاذب. هنشرح لكم الخطة كاملة، ونشوف الأنسب لسحر. قفلت المكالمة وأنا لأول مرة من شهور حاسس إن فيه حاجة أقدر أعملها بدل ما أقف أتفرج. لكن وأنا بحاول أتدبر الفلوس، افتكرت الديون اللي عليا، وأقساط الشقة، ومصاريف ابني. كانت المعضلة واضحة، وأنا كنت سبب كبير فيها. رجعت البيت بعد ما اتفقت مع الحاجة فاطمة إنها تفضل جنب سحر، وكنت ناوي أبيع عربيتي وأتصرف في جزء من مدخراتي. أول ما فتحت الباب، لقيت نادين واقفة في الصالة، وشها أحمر من الڠضب. أخيرًا افتكرت إن ليك بيت! حطيت المفاتيح على الترابيزة وقلت نادين، أنا تعبان ومش قادر أتكلم دلوقتي. ردت بسخرية طبعًا، سهران عند مراتك الأولى، ولا أقول طليقتك؟ سحر مريضة وحالتها حرجة. وأنا مالي؟ هي اختارت الطلاق، وإنت وافقت، يبقى خلاص. بصيت لها طويلًا. إنتِ لو مكانها، ومرضيتيش، كنتِ تحبي أعمل فيكي كده؟ صړخت ماتقارنّيش بيها! أنا مش هي! قلت بهدوء عندك حق، إنتِ مش هي. الجملة دي خلتها تسكت. كملت سحر عمرها ما طلبت مني عربية جديدة، ولا عمرها قالت لي اختار بيني وبينها وبين أي حد. كانت بتطلب مني أقعد جنبها بس. نادين قربت مني وقالت إنت اتغيرت من ساعة ما رحت لها. لأ، أنا بدأت أشوف نفسي على حقيقتها. يعني هتصرف فلوسنا على علاجها؟ هتصرف من فلوسي، وهبيع العربية لو اضطرّيت، ومش هسيبها تواجه المړض لوحدها. ضحكت بعصبية. وإحنا؟ أنا وابنك؟ إنتوا ليكم حق عليا، وحقكم مش هضيعه. هفضل أصرف على يوسف، وهفضل مسؤول عنه مهما حصل. لكن مش هقبل إن حد يطلب مني أسيب إنسانة في عز مرضها عشان نشتري عربية جديدة أو نعيش بمظاهر. نادين فضلت باصة لي، وبعدها قالت لو خرجت من البيت دلوقتي، ماترجعش ټندم. قلت لها أنا ندمت فعلًا، بس مش على إني هخرج. أنا ندمت على الأيام اللي ضيعتها وأنا فاكر إن الهروب حل. خدت شنطة صغيرة فيها هدوم، وبوست يوسف وهو نايم، ووعدته في سري إني مهما حصل مش هخليه يدفع تمن أخطائي. خرجت من البيت، لكن المرة دي ماكنتش رايح أهرب. كنت رايح أتحمل مسؤوليتي. في اليوم اللي بعده، بعت العربية، ودفعت جزءًا من الديون اللي كانت بتعطل خطة العلاج، واتكلمت مع إدارة الشركة عشان أقدم إجازة مؤقتة من غير مرتب، مع الاحتفاظ بوظيفتي قدر الإمكان. ماكانش الطريق سهل، لكن كل ما كنت أفتكر وش سحر وهي على السرير، كنت بحس إن أقل حاجة أعملها إني أحاول. وبعد ما استقرت حالتها، نقلناها للمركز المتخصص، بعد ما الفريق الطبي راجع ملفها ووافق على بدء الخطة المناسبة لحالتها. في أول يوم للعلاج، كنت واقف جنبها، وهي بصت لي وقالت إنت لسه هنا؟ ابتسمت رغم ۏجعي. أيوه، ولسه هفضل هنا طول ما إنتِ عايزاني. قالت بهدوء مصطفى، أنا مش عايزة ترجع لي عشان حاسس بالذنب. قعدت جنبها. وأنا مش جاي أطلب منك ترجعي لي. أنا جاي عشان أكون جنبك، حتى لو عمري ما بقيت جوزك تاني. بصت لي طويلًا، وبعدها قالت أنا مش عارفة هقدر أسامحك ولا لأ. هزيت راسي. مش مطلوب منك تسامحيني دلوقتي. أنا اللي مطلوب مني أثبت لك إن اعتذاري مش مجرد كلام. سكتت، وغمضت عينيها. بعد أيام، بدأت سحر تستعيد جزءًا من قوتها، لكن العلاج كان مرهقًا، وكانت فيه أيام بتبقى كويسة وأيام تانية بتتعب فيها جدًا. كنت معاها في كل جلسة أقدر أحضرها، وبقيت أتعلم إزاي أساعدها من غير ما أحسسها إنها عاجزة، وإزاي أسمعها من غير ما أحول كل كلامها لوعود كبيرة. في يوم، وأنا بساعدها تشرب شوية مية، بصت لي وقالت فاكر لما كنت بتعمل لي شاي وتحط فيه سكر كتير؟ ضحكت. إنتِ اللي كنتِ بتقولي لي كل مرة إنك بتحبيه مسكر، وبعدين تقولي لي إني حطيت سكر زيادة. ابتسمت. كنت بقول كده عشان كنت بحب أشوفك وإنت بتعمله تاني. ضحكت من قلبي لأول مرة من شهور، وبعدها سكتنا. فجأة قالت مصطفى، إنت اتجوزت نادين عشان بتحبها؟ السؤال كان صعب، لكني قررت ماكذبش. في الأول كنت فاكر إني بحبها، أو يمكن كنت بدور على حياة سهلة، أهرب فيها من خۏفي ومن إحساسي بالعجز قدام مرضك. بس الحقيقة إني ظلمتك، وظلمت نفسي، وظلمت نادين كمان لما دخلت حياتها وأنا مش فاهم أنا بعمل إيه. سحر بصت للنافذة. كنت أتمنى إنك تقول لي إنك خاېف، بدل ما تقول لي إنك عايز تتجوز. حسيت إن قلبي اتكسر من جديد. كان لازم أقول لك. كنت هسمعك، يا مصطفى. أنا كنت مراتك، مش حمل على كتفك. ماقدرتش أرد. الكلمة دي فضلت ترن في ودني أيام طويلة. بعد أسبوعين، جالي اتصال من نادين. كنت خارج من المستشفى عشان أجيب شوية حاجات، ولما شفت اسمها على الشاشة، اترددت قبل ما أرد. ألو. كان صوتها هادي بشكل غريب. مصطفى، يوسف بيسأل عليك. غمضت عيني، وحسيت بوخزة في قلبي. أنا هاجي أشوفه النهارده. سكتت، وبعدها قالت هو إنت ناوي ترجع البيت؟ مش عارف يا نادين. لازم نتكلم بهدوء عن مستقبلنا، وعن يوسف، من غير خناق. قالت بصوت منخفض أنا كنت ڠضبانة، وخفت إنك ترجع لها وتسيبني. أنا مش هرجع لسحر لمجرد إنها مريضة، ولا هسيب يوسف. لكن لازم تفهمي إن وجود طفل في حياتي مش معناه إني أبقى قاسې على إنسانة كانت جزء من حياتي. سكتت طويلًا. أنا عارفة إني غلطت لما اتكلمت عنها بالطريقة دي، بس كنت حاسة إنك بتبعد عني. قلت لها يمكن أنا كمان غلطت لما دخلت جوازنا وأنا لسه مش قادر أواجه اللي بيحصل في حياتي. اتفقنا إني أشوف يوسف، وفعلاً رحت البيت في نفس اليوم. أول ما ابني شافني، جري ناحيتي وهو بيقول بابا! شيلته وحضنته جامد، وحسيت إني لازم أكون أب حقيقي، مش مجرد راجل بيظهر لما الظروف تسمح له. نادين كانت واقفة بعيد، وبعد ما يوسف نام، قعدنا نتكلم. قالت أنا مش هقدر أعيش طول عمري حاسة إن فيه واحدة تانية في قلبك. رديت بهدوء أنا مش هطلب منك تعيشي في وضع يوجعك، لكن مش هقدر أمثل إن سحر مجرد غريبة. هي إنسانة تعبت معايا، وأنا قصرت في حقها. قالت يعني مفيش أمل نرجع زي الأول؟ حتى لو رجعنا، لازم نبدأ من جديد، وبصراحة، أنا مش عارف إذا كان جوازنا يقدر يكمل ولا لأ. مش عايز أظلمك ولا أظلم نفسي. نزلت دموعها، وقالت أنا كنت فاكرة إنك لما تتجوزني هتبقى حياتنا سهلة. وأنا كمان كنت فاكر كده، وده كان غلط. ماخدتش قرار في اليوم ده، لكننا اتفقنا إن يوسف يفضل بعيد عن خلافاتنا، وإن كل واحد فينا يتحمل مسؤوليته. رجعت للمستشفى، ولقيت سحر بتتكلم مع أمها عن البيت القديم. لما دخلت، بصت لي وقالت عايزة أرجع شقتي. اټخضيت. دلوقتي؟ إنتِ لسه محتاجة متابعة. قالت مش هسيب العلاج، بس تعبت من ريحة المستشفى، ومن إني كل يوم أصحى ألاقي نفسي في مكان غريب. نفسي أنام في سريري، وأشوف شباك البلكونة. بصيت للدكتور، وبعد تقييم حالتها، قال إن العودة للبيت ممكنة لو اتوفرت الرعاية اللازمة والمتابعة المنتظمة، وإنها لازم ترجع فورًا لو ظهرت أي أعراض مقلقة. جهزت الشقة، ونضفتها، واشتريت سريرًا مريحًا وحاجات تساعدها تتحرك بأمان، واتفقنا مع ممرضة تزورها حسب احتياجها. يوم ما رجعنا، سحر وقفت عند باب الشقة، وبصت حواليها. كل حاجة كانت زي ما هي تقريبًا، حتى الصورة اللي كنا متصورينها يوم عيد جوازنا. قربت منها، وشلتها من على الترابيزة. قالت فاكر اليوم ده؟ ابتسمت بحزن. فاكره، وعمري ما هنساه. أنا كنت فاكرة إننا هنفضل مع بعض طول العمر. نزلت عيني. وأنا وعدتك بكده، لكني ماوفيتش بوعدي. سحر ما ردتش، ودخلت أوضتها. في الأيام اللي بعدها، كنت بروح لها كل يوم بعد الشغل، وأحيانًا كنت ببات في الصالة لو هي احتاجت حاجة، لكني ماكنتش بدخل أوضتها إلا لما تستأذن أو تطلب مني مساعدة. كنت عايز أتعلم احترام حدودها، حتى لو الحدود دي اتعملت بسبب أخطائي. ومع مرور الوقت، بدأت علاقتها بيا تتغير. ما بقتش بتبص لي بنفس النظرة الباردة، وبقت أحيانًا تحكي لي عن حاجات حصلت معاها في يومها، أو تسألني عن يوسف. في مرة، جبت يوسف معايا بعد ما اتأكدت إن حالتها تسمح بالزيارة وإن الطبيب موافق على الاحتياطات اللازمة. كان صغير ومش فاهم حاجة، لكنه أول ما شاف سحر، ابتسم لها ومد إيده. سحر بصت له بدهشة، وبعدها بدأت ټعيط. قلت لها بقلق مالك؟ وجعك حاجة؟ هزت راسها. لأ، أنا بس... أنا كان نفسي يبقى عندي طفل. قعدت جنبها وقلت أنا عارف، يا سحر. بصت ليوسف وهو بيلعب في صوابعه. هو جميل أوي يا مصطفى. قلت لها تحبي تشيليه؟ ترددت، وبعدها مدت إيديها بحذر، وشيلته على رجليها. يوسف مسك صباعها الصغير، وهي فضلت باصة له كأنها بتشوف حلمًا قديمًا قدامها. قالت بصوت مرتعش يا رب يحفظه لك. حسيت بالخجل من نفسي. هي رغم كل اللي عملته فيها، كانت بتدعي لابني. بعد الزيارة، وأنا بوصلها للسرير، قالت مصطفى، أنا مش عايزاك تبعد عن ابنك عشاني. قلت لها مش هبعد عنه، ولا هسيبك لو احتجتيني. هتعلم أعمل الاتنين من غير ما أظلم حد. ابتسمت ابتسامة صغيرة. أتمنى. لكن الحياة ما كانتش ناوية تسيبنا في هدوء طويل. بعد حوالي شهر، وأنا في الشغل، جالي اتصال من الممرضة اللي بتتابع سحر. قالت إن سحر تعبت فجأة، وإن عندها سخونية شديدة ودوخة، وإنهم اتصلوا بالإسعاف عشان ينقلوها للمستشفى. جريت من الشركة، ولما وصلت، لقيتها في الطوارئ. كانت واعية، لكن تعبانة جدًا. قربت منها وقلت أنا هنا يا سحر. بصت لي وقالت أنا تعبت يا مصطفى. مسكت إيدها. عارف يا حبيبتي، بس إحنا هنتعامل مع اللي بيحصل خطوة بخطوة. دخل الدكتور، وطلب تحاليل وفحوصات عاجلة، وبعد شوية قال إن عندها مضاعفات محتاجة علاجًا ومراقبة دقيقة. فضلت جنبها طول الليل، ولما نامت، خرجت أقعد بره. لقيت أمي مستنياني، كانت جاية من غير ما تقول لي. قعدت جنبي وقالت إنت بقالك فترة ما بتنامش. ابتسمت بتعب. مش مهم يا أمي. قالت مهم، عشان لو وقعت إنت كمان، مش هتعرف تساعد حد. بصيت لها وقلت أنا خاېف عليها. أمي حطت إيدها على كتفي. الخۏف مش هيغير اللي ربنا كاتبه، بس وجودك جنبها ممكن يخفف عنها. اعمل اللي عليك، وما تحملش نفسك مسؤولية مش في إيدك. فضلت ساكت، وبعدها قلت أنا كنت أناني أوي يا أمي. ردت بهدوء كنت ضعيف وخفت، فاخترت أسهل طريق. المهم دلوقتي إنك ما تكررّش نفس الغلط. في الصبح، حالتها بدأت تستقر، لكن الدكتور طلب إنها تفضل تحت الملاحظة. وفي نفس اليوم، وصلت نادين المستشفى. أول ما شفتها، اتفاجئت. إنتِ جيتي ليه؟ قالت يوسف مع أمي، وأنا عرفت من والدتك إن سحر تعبت. بصيت لها باستغراب. شكرًا إنك جيتي. قربت من باب الغرفة، لكنها ما دخلتش. قالت بصوت منخفض أنا مش جاية أطلب منك ترجع البيت، ولا جاية أعمل مشكلة. سكتت لحظة، وبعدها كملت أنا فكرت في كلامك، وفكرت في اللي حصل. أنا كنت خاېفة أخسرك، فبدل ما أكون جنبك، بقيت بحاربك. بصيت لها، وماعرفتش أقول إيه. قالت أنا مش هقول لك إني بقيت ملاك، ولا إني هقدر أتقبل كل حاجة بسهولة. بس أنا فهمت إنك مش لازم تكره سحر عشان تحبني. كانت أول مرة أسمع منها الكلام ده. قلت لها وأنا لازم أكون واضح معاكي. مش هقدر أوعدك إن علاقتنا هترجع زي الأول. هزت راسها. أنا عارفة. أنا عايزة بس نعرف نتعامل باحترام، خصوصًا عشان يوسف. مدت لي إيدها، فصافحتها. كان ده أول اتفاق هادي بينا من شهور. بعد يومين، خرجت سحر من المستشفى، لكن التعب كان واضح عليها. وفي مساء هادي، كنت قاعد جنبها في البلكونة، وهي لابسة شال صوف، وبتبص للشارع. قالت فجأة مصطفى، أنا عايزة أطلب منك طلب. اتفضلي. لو في يوم تعبت أكتر، أو بقيت مش قادرة أتكلم، ماتخليش حد يقرر عني من غير ما يسمعني وأنا لسه قادرة أقول رأيي. بصيت لها بقلق. إنتِ بتقولي الكلام ده ليه؟ قالت بهدوء عشان أنا عايزة أفضل صاحبة قراري. مش عايزة المړض ياخد مني كل حاجة. مسكت إيدها وقلت حقك، وأنا هحترم رغبتك، وهنتكلم مع الدكتور عن كل الخيارات، وإنتِ هتكوني جزء من كل قرار. ابتسمت. شكرًا. وبعد لحظة، قالت وفيه حاجة تانية. قولي. عايزاك تبطل تعاقب نفسك. استغربت. أعاقب نفسي؟ أيوه. إنت بقالك فترة بتبص لنفسك كأنك أسوأ إنسان في الدنيا. أنا مش محتاجة أشوفك محطم، أنا محتاجة أشوفك إنسان بيتعلم من غلطه. حسيت بدموعي بتتجمع. مش عارف أسامح نفسي يا سحر. بصت لي وقالت مش لازم تسامح نفسك النهارده. بس لازم تعمل حاجة كويسة كل يوم، حتى لو صغيرة. ومع الوقت، يمكن تعرف تعيش من غير ما تفضل حابس نفسك في اللي فات. الكلام ده فضل جوايا. بدأت أرتب حياتي من جديد، وأقلل مصاريفي، وأسدد ديوني واحدة واحدة، وأقسم وقتي بين شغلي وابني ومتابعة سحر. كنت بروح ليوسف كل يوم تقريبًا، وأخده يتمشى، وأقعد ألعب معاه، وأحاول أعوضه عن الأيام اللي كنت غايب فيها. أما علاقتي بنادين، فبعد محاولات كتير للكلام، اكتشفنا إننا دخلنا الجواز وإحنا كل واحد فينا بيدور على حاجة مختلفة. هي كانت عايزة حياة مستقرة من غير تعقيدات، وأنا كنت بدور على مهرب من حزني وخۏفي. قررنا ننفصل بهدوء، ونتفق على حقوق كل طرف، وعلى إن يوسف يفضل بعيد عن أي خلاف. ماكانش القرار سهل، ونادين عيطت، وأنا كمان اتوجعت، لكننا اتفقنا إن مصلحة ابننا أهم من إننا نكمل في علاقة بقت مليانة ڠضب وعتاب. وقبل ما تمشي من البيت، قالت لي أتمنى تكون اتعلمت ما تدخلش حد حياتك عشان تهرب من حد تاني. بصيت لها وقلت عندك حق، وأنا آسف على كل مرة حسستك فيها إنك مجرد وسيلة أهرب بيها من ۏجعي. هزت راسها، وخدت يوسف ومشيت، واتفقنا على مواعيد ثابتة أشوفه فيها، وأفضل مسؤول عن كل احتياجاته. كنت عارف إن انفصالي عن نادين مش معناه إن حياتي بقت سهلة، لكنه كان بداية إن كل واحد فينا يعيش بوضوح بدل ما يفضل يعاقب التاني. أما سحر، فكانت حالتها بتتحسن أحيانًا وتتراجع أحيانًا تانية، والعلاج كان مستمرًا، والأطباء بيتابعوا كل تطور من غير ما يدونا وعود مضمونة. في يوم من الأيام، صحيت على صوتها وهي بتناديني من أوضتها. دخلت بسرعة. خير يا سحر؟ حاسة بإيه؟ ابتسمت وقالت عايزة أخرج شوية. استغربت. نخرج فين؟ عايزة أروح على النيل. فضلت باصلها، وبعدين ضحكت. إنتِ بتهزري؟ ده أنا بقالي شهور بقول لك لازم ترتاحي. ردت بعناد خفيف مش هروح أجري ماراثون، يا مصطفى. عايزة أشوف النيل، وأشرب عصير، وأرجع. اتكلمنا مع الطبيب، وبعد ما وافق على خروج قصير مع الاحتياطات المناسبة، جهزنا نفسنا. لبست سحر فستانًا واسعًا لونه أزرق فاتح، وحطت شالها على كتفها، ووقفت قدام المراية. قالت شكلي اتغير أوي، صح؟ وقفت وراها، وبصيت في المراية. إنتِ لسه سحر اللي عرفتها. ابتسمت بحزن. حتى من غير شعري؟ حسيت إن قلبي اتقبض، لكني رديت بصدق حتى من غير شعرك، وحتى لو جسمك اتغير، وحتى لو الأيام خدت مننا حاجات كتير. إنتِ مش شعرك ولا شكلك، إنتِ الإنسانة اللي كانت بتخليني أحس إن البيت بيت. سحر سكتت، وبعدها مدت إيدها لي. يلا بينا. نزلنا، وركبت جنبي في العربية اللي استأجرتها بدل عربيتي القديمة، ووصلنا للكورنيش في وقت كانت الشمس فيه بتغيب. قعدنا على مقعد بعيد عن الزحمة، وجبت لها عصيرًا، وفضلنا نبص للمية. بعد شوية، قالت فاكر أول مرة خرجنا فيها هنا؟ ضحكت. أيوه، كنتِ مصممة تاكلي درة، ولما البياع قال لك بخمستاشر جنيه، قعدتي تفاصلي معاه لحد ما خلصتيها بعشرة. ضحكت سحر من قلبها، وكانت ضحكتها بالنسبة لي أغلى من أي حاجة. قالت إنت اللي كنت بتضحك عليا وتقولي إني بخيلة. كنتِ بتفاصلي على كل حاجة! أهو كنت بحافظ على فلوسنا. سكتنا شوية، وبعدها قالت مصطفى، أنا عايزة أقول لك حاجة، ومش عايزاك تقاطعني. بصيت لها. حاضر. قالت أنا مش عارفة المړض هياخدني لفين، ومش عارفة هقدر أتعالج قد إيه. بس أنا عايزة أعيش اللي باقي من عمري من غير ما أحس إن كل يوم لازم يبقى معركة. هزيت راسي. وأنا معاكي. قالت مش معنى كده إنك لازم تكون معايا كل دقيقة، ولا إنك توقف حياتك. أنا عايزاك تعيش، وتربي ابنك، وتشتغل، وتضحك. بس لما تيجي لي، تعالى عشان إنت عايز تكون هنا، مش عشان خاېف من ذنبك. مسكت إيدها وقلت أنا بقيت عايز أكون هنا، يا سحر. مش عشان ذنب، ولا عشان أستنى منك مسامحة. عشان وجودك بقى حاجة أنا مقدرها، وعايز أحافظ عليها طول ما ربنا كاتب لنا وقت. بصت لي، ودموعها لمعت في عينيها. أنا مصدقاك أكتر من الأول، بس لسه محتاجة وقت. ابتسمت. خدي كل الوقت اللي تحتاجيه. رجعنا البيت، ومن اليوم ده بدأت سحر تتكلم أكتر عن الحاجات اللي نفسها تعملها. كانت عايزة تقابل صاحبتها القديمة منى، اللي انقطعت عنها بعد المړض، وعايزة تشتري شوية كتب كانت نفسها تقراها، وعايزة تساعد بنت صغيرة من الجيران كانت بتحلم تدخل كلية الطب لكن ظروف أهلها صعبة. كنت بسمع لها، وكل ما أقدر أساعدها، أعمل كده من غير ما أحسسها إنها عبء. وفي يوم، لقيتها قاعدة قدام دفتر كبير، وبتكتب فيه. سألتها بتكتبي إيه؟ قفلت الدفتر بسرعة وقالت سر. ضحكت. سر إيه ده؟ هو أنا بقيت غريب؟ قالت بابتسامة لأ، بس لما أخلص هتعرف. ما ضغطتش عليها. بعد أسابيع، طلبت مني أروح معاها لمكتب محامٍ. اټخضيت. محامي؟ ليه؟ قالت عايزة أرتب شوية أمور تخصني، وأكتب وصيتي بطريقة قانونية واضحة، وأحدد مين يتابع شؤوني لو احتجت مساعدة ومابقتش قادرة أتكلم. سكت لحظة، وبعدها قلت طيب، نروح للدكتور الأول ونتأكد إنك مرتاحة، وبعدين نختار محامي تثقي فيه، وكل حاجة هتتعمل بإرادتك. بصت لي بتقدير. عشان كده أنا طلبت منك تيجي معايا. رحنا لمحامية اسمها الأستاذة نهى، وكانت ست هادية وبتتكلم باحترام. شرحت لسحر حقوقها والخيارات القانونية المتاحة، وطلبت منها تتأكد إنها فاهمة كل بند، وإن القرارات طالعة منها من غير أي ضغط. وأنا كنت قاعد بعيد، لا بتدخل ولا بفرض رأيي. بعد ما خلصنا، سحر قالت لي كنت خاېفة تفتكر إني بعمل كده عشان أشك فيك. رديت دي حياتك وحقوقك، ومن حقك ترتبيها زي ما إنتِ شايفة. أنا مش جاي أتحكم فيكي، أنا جاي أساعدك لو طلبتي. ابتسمت. شكرًا يا مصطفى. ما سألتهاش عن تفاصيل الدفتر اللي كانت بتكتبه، ولا عن كل اللي قررت ترتبه، لأنني فهمت إن الحب الحقيقي مش معناه إني أعرف كل حاجة، لكنه معناه إني أحترم حقها في الاختيار. مرت شهور، وسحر كانت بتكمل علاجها ومتابعتها، وفيه أيام كانت بتقدر تتحرك وتضحك، وأيام كانت بتحتاج فيها راحة ومساعدة أكبر. وفي وسط كل ده، بدأت أرجع لحياتي بشكل متوازن. شغلي اتحسن لما رجعت أركز، وعلاقتي بيوسف بقت أقوى، وبقيت أشارك في تفاصيل حياته بدل ما أكتفي إني أدفع المصاريف. وفي عيد ميلاده التاني، عملت له حفلة صغيرة في بيت أمي، وجبت سحر بعد ما اتأكدنا إن صحتها تسمح وإن المكان مناسب ليها. كانت قاعدة على كرسي جنب الشباك، ويوسف بيلعب قدامها. لما شافها، جري عليها ومد لها لعبة عربية صغيرة. قالت له دي بتاعتك يا حبيبي؟ ضحك وهز راسه. قعدت تلعب معاه شوية، وبعدها بصت لي وقالت إنت بقيت أب أحسن. ابتسمت. كنت محتاج أتعلم. قالت أهم حاجة إنك تكمل. بعد الحفلة، وأنا بوصلها البيت، قالت لي مصطفى، أنا عايزة أشكرك. استغربت. على إيه؟ على إنك ما بقيتش بتحاول تشتري مسامحتي. بقيت بتساعدني من غير ما تستنى مني كلمة، وده فرق معايا. بصيت للطريق، وقلت أنا اللي المفروض أشكرك، لأنك رغم كل اللي حصل، علمتيني إني أكون أحسن. سكتت، وبعدها قالت أنا سامحتك على حاجات كتير، بس فيه ۏجع مش بيروح بسهولة. هزيت راسي. عارف، ومش هطلب منك تنسي. قالت وأنا مش عايزة أفضل شايلة الۏجع ده طول عمري. بصيت لها، وشفت في عينيها راحة ما شفتهاش من وقت طويل. بعد فترة، جالنا خبر إن نتائج الفحوصات أظهرت تحسنًا في بعض المؤشرات، وإن العلاج جايب استجابة جزئية تستحق الاستمرار والمتابعة، لكن الطبيب أكد إن ده مش معناه الشفاء التام، وإن الطريق لسه محتاج صبر. لما سمعت الكلام، سحر بكت من الفرحة، وأنا حضنتها من غير ما أقول أي وعود. قالت يعني لسه فيه فرصة؟ الدكتور رد فيه فرصة، وهنكمل الخطة المناسبة لحالتك، لكن لازم نفضل واقعيين ونلتزم بالمتابعة. خرجنا من العيادة، وسحر كانت ماسكة إيدي بقوة. قالت أنا مش عايزة أضيع يوم تاني في الزعل. ابتسمت. يبقى نعيش اليوم اللي إحنا فيه. لكن المفاجأة الأكبر ما كانتش في نتيجة الفحوصات. بعد كام يوم، وأنا بساعدها ترتب الكتب على الرف، طلعت الدفتر اللي كانت بتكتب فيه من شهور، وحطته قدامي. قالت افتحه. فتحته، ولقيت أول صفحة مكتوب فيها حاجات نفسي أعملها قبل ما أقول إني تعبت من الحياة. وتحت العنوان كانت كاتبة قائمة طويلة، فيها حاجات بسيطة، زي إنها تشوف النيل وقت الغروب، وتزور أمها، وتطبخ أكلة بتحبها، وفيه حاجات أكبر، زي إنها تساعد بنت الجيران تكمل تعليمها، وتعمل مشروع صغير يساند مرضى السړطان اللي ظروفهم صعبة. بصيت لها بإعجاب. إنتِ كنتِ بتخططي لكل ده؟ ابتسمت. كنت بحاول أفكر في حاجة غير المړض. قلبت الصفحات، لحد ما وصلت لصفحة فيها عنوان مختلف. رسالة لمصطفى. قلبي اتقبض. بصيت لها، فقالت اقراها. بدأت أقرأ. يا مصطفى، أنا مش عارفة وإنت بتقرأ الرسالة دي هكون فين من رحلتي مع المړض، لكني عايزاك تعرف إن الإنسان ممكن يتوجع من أقرب الناس ليه، وبرغم كده يختار ما يحولش الۏجع لكره. يوم ما طلقتني، حسيت إن آخر باب كنت مستندة عليه اتقفل، لكن مع الوقت فهمت إن حياتي مش لازم تتوقف على قرارك، وإن ليا حق أعيش وأختار وأحلم، حتى لو جسمي تعبان. أنا كنت بحبك، ولسه جوايا ذكريات حلوة معاك، لكني اتعلمت إن الحب لوحده مش كفاية، وإن الإنسان محتاج أمان واحترام ووجود حقيقي. أنا مش بكتب الرسالة دي عشان أرجع لك، ولا عشان أقول لك إن كل حاجة بقت زي الأول. أنا بكتبها عشان أقول لك إنك لما بدأت تتغير، أنا بدأت أتعلم أثق في نفسي من جديد. لو ربنا كتب لي عمر، هحاول أعيش وأكمل مشروعي، ولو ماكتبش، أتمنى تفتكرني بابتسامتي، مش بمرضي. وأتمنى لما ابنك يكبر، تعلمه إن القوة مش في إن الراجل يهرب من ۏجع الناس، لكن في إنه يواجه نفسه ويعترف بغلطه. سحر. فضلت باصص للرسالة، ودموعي نازلة. قالت لي إنت زعلان؟ هزيت راسي. لأ، أنا فخور بيكي. ابتسمت وقالت وأنا فخورة بنفسي، لأول مرة من فترة طويلة. في اللحظة دي، فهمت إن سحر ما كانتش مستنية مني أنقذها، ولا كانت عايزة أرجع لها بأي تمن. كانت بتحاول تنقذ نفسها من الإحساس إنها انتهت، وإن حياتها بقت مجرد مرض وعلاج وانتظار. ساعدتها تبدأ مشروعها الصغير، واتفقنا مع جمعية أهلية مرخصة على تنظيم مبادرة لدعم المرضى اللي مش قادرين يتحملوا تكاليف التنقل والتحاليل الأساسية، وفق الإمكانيات المتاحة. سحر كانت بتشارك في التخطيط والتواصل على قد طاقتها، وكنت أنا بساعد في الحسابات والترتيبات. سمينا المبادرة بكرة لسه موجود، وكانت أول حاجة قالتها سحر في اجتماعنا الأول إحنا مش بنوعد حد إنه هيخف، لأن الشفاء مش في إيدينا، لكن نقدر نوعد إننا مش هنسيب حد يحارب لوحده على قد ما نقدر. الجملة دي أثرت في كل اللي كانوا قاعدين. وبعد الاجتماع، وأنا بوصلها البيت، قالت لي فاكر لما كنت بتقول إنك مش قادر تكفي كل حاجة؟ قلت فاكر. كنت محتاج تعرف إنك مش مطلوب منك تشيل الدنيا كلها، لكن مطلوب منك ماتسيبش حد يقع وإنت تقدر تمد إيدك. ابتسمت. اتعلمت الدرس بالطريقة الصعبة. قالت المهم إنك اتعلمته. مرت سنة تقريبًا من يوم الطلاق. سحر كانت لسه بتتابع مع الأطباء، وحالتها بتتحسن على فترات، وفيه أيام بتتعب فيها، لكن حياتها بقت مليانة حاجات تستحق إنها تقوم من السرير عشانها. كانت بتقابل أمها، وبتشوف منى صاحبتها، وبتشارك في المبادرة لما صحتها تسمح. أما أنا، فكنت بروح لها بانتظام، لكن علاقتنا فضلت مختلفة عن زمان. كنا بنتكلم، ونضحك أحيانًا، ونتخانق أحيانًا على حاجات صغيرة، لكن ماكانش فيه بينا اتفاق على الرجوع، ولا كانت هي بتطلب مني ده. وفي ليلة من الليالي، جالي اتصال من الحاجة فاطمة. صوتها كان قلقان. يا مصطفى، تعالى بسرعة، سحر تعبانة أوي. جريت على بيتها، ولما وصلت، لقيتها قاعدة على السرير ومش قادرة تاخد نفسها بشكل مريح. اتصلنا بالإسعاف، ونقلناها للمستشفى. بعد الفحوصات، قال الدكتور إن عندها مضاعفات جديدة مرتبطة بحالتها، وإنها محتاجة تدخلًا علاجيًا ومتابعة دقيقة. الليلة دي كانت من أصعب الليالي في حياتي. قعدت جنبها، وهي كانت واعية لكن مرهقة جدًا. همست مصطفى. قربت منها. أنا هنا. قالت لو تعبت أوي، ماتخليش أمي تخاف. دموعي نزلت. إنتِ هتتحسني يا سحر، ولسه عندنا حاجات كتير نعملها. ابتسمت ابتسامة صغيرة. أنا عارفة إنك بتتمنى ده، وأنا كمان بتمنى. بس مش عايزاك تخاف من الكلام عن المړض. مسكت إيدها. أنا مش خاېف من الكلام، أنا خاېف أخسرك. بصت لي بحنان. كلنا بنخسر ناس بنحبهم في يوم، يا مصطفى. بس المهم إننا ما نضيعش وجودهم وإحنا لسه قادرين نحبهم. ماعرفتش أرد. كملت إنت اتغيرت، وأنا شفت ده. ومش لازم تفضل طول عمرك تدفع تمن غلطة واحدة. قلت لها أنا مش بدفع تمنها عشان أرجع لك، أنا بحاول أكون الإنسان اللي كان المفروض أكونه من البداية. ابتسمت. وده أحسن. بعد أيام من العلاج، استقرت حالتها، وخرجت من المستشفى بعد ما سمح الطبيب بده، مع تعليمات واضحة للمتابعة والعودة فورًا لو ظهرت أي علامات خطړ. رجعت البيت، وقعدت مع أمها، وطلبت مني أجيب يوسف. لما وصل، كانت مجهزة له لعبة صغيرة اشترتها له قبل تعبها. قالت له تعالى يا يوسف، عندي لك حاجة. قعد على رجليها، وهي ادته اللعبة، وفضلت تتفرج عليه وهو بيلعب. بعد ما مشي، بصت لي وقالت مصطفى، أنا عايزة أتكلم معاك في موضوع مهم. قعدت جنبها. اتفضلي. قالت أنا فكرت كتير في حياتنا، وفي اللي حصل، وفي كل اللي اتغير. أنا مش عايزة أرجع للماضي كأن مفيش حاجة حصلت، لكن لو إنت لسه شايف إن فيه فرصة نبدأ من جديد، أنا ممكن أفكر. قلبي بدأ يدق بسرعة، لكني ما استعجلتش. قلت أنا لسه بحبك، يا سحر، بس مش عايز أضغط عليكي. ولو هنبدأ من جديد، لازم يكون بقرار مننا إحنا الاتنين، ومن غير ما يكون المړض سبب إنك تحسي إنك محتاجة حد يحميكي. بصت لي بتركيز. وأنا مش عايزة أرجع عشان خاېفة من الوحدة. أنا عايزة أرجع لو هنقدر نبني علاقة أحسن من اللي كانت بينا. قلت يبقى ناخد وقتنا، ونتكلم في كل حاجة، ونشوف إيه اللي يناسبنا. ومش لازم نقرر النهارده. ابتسمت. اتفقنا. ما رجعناش لبعض في اليوم ده، ولا حتى في الشهر اللي بعده. بدأنا نتكلم عن كل حاجة كانت بتوجعنا، عن خۏفي من المړض، وعن إحساسها بالوحدة، وعن أنانيتي، وعن احتياجها للأمان، وعن المسؤولية اللي عليا تجاه يوسف. اتفقنا إن أي خطوة جديدة لازم تحافظ على استقلالها وحقها في العلاج والقرار، وإننا مش هنخلي الذكريات الحلوة تمسح الأخطاء، لكن هنحاول نبني حاجة جديدة على أساس من الصراحة. وفي يوم، وأنا قاعد معاها في البلكونة، قالت لي فاكر يوم ما طلبت منك تطلقني؟ غمضت عيني. فاكره كأنه امبارح. قالت كنت فاكرة إن دي آخر مرة هكلمك فيها كزوجة، وكنت خاېفة جدًا. بصيت لها وقلت وأنا كنت فاكر إن الطلاق هيحل كل مشاكلي. ابتسمت بحزن. أحيانًا بنفتكر إننا لما نهرب من الۏجع هنرتاح، لكن بنكتشف إننا بنسيب وراينا حاجات ما تتعوضش. قلت لها لو رجع بيا الزمن، ماكنتش هطلب أتجوز عليكي بالطريقة دي، وماكنتش هسيبك لوحدك. قالت أنا مش هقدر أغير اللي حصل، لكن أقدر أختار إني ما أفضلش عايشة جواه. مديت إيدي لها، لكنها ما مسكتهاش فورًا. بصت لي وقالت أنا محتاجة أعرف إنك مش هتختفي لما الأمور تبقى صعبة. قلت لها مش هطلب منك تصدقيني بكلمة. خليني أثبت لك بالأيام. بعد فترة، اتفقنا إننا نرجع نتعامل كزوجين من جديد، لكن بعد ما نتأكد إن القرار مناسب لينا، وإن الإجراءات القانونية اللازمة للزواج الجديد هتتعمل بشكل صحيح، مع احترام كل الشروط والحقوق. ما كانش فيه فرح كبير، ولا زفة، ولا مظاهر، لكن كان فيه اتفاق صريح بين اتنين عارفين إن الحب مش كفاية لوحده، وإن الجواز محتاج مسؤولية ورحمة واحترام. في اليوم اللي رجعنا فيه لبعض، جبت لها وردة بيضا، ووقفت قدامها وقلت أنا مش بوعدك إن الدنيا هتبقى سهلة، ولا بوعدك إن المړض هينتهي، لكن بوعدك إني مش ههرب من الحقيقة تاني، ومش هسيبك تواجهِيها لوحدك. سحر أخدت الوردة، وابتسمت. وأنا بوعدك إني هقول لك لما أخاف، بدل ما أخبي ۏجعي وأقول لك إني كويسة. حضنتها، وكانت المرة دي مختلفة عن كل مرة قبلها، لأننا ماكناش بنحاول نرجع الزمن، كنا بنبدأ صفحة جديدة وإحنا عارفين تمن الأخطاء. ومرت الشهور، ومبادرة بكرة لسه موجود كبرت، وبقى فيها متطوعين أكتر، واتنظمت حملات لمساعدة المرضى في الوصول للمستشفيات وتوفير الدعم الأساسي لهم بالتعاون مع جهات موثوقة. سحر كانت بتشارك على قد صحتها، وكل ما كانت تتعب، كانت بتدي نفسها حق الراحة من غير إحساس بالذنب. وفي يوم من الأيام، وصلنا خبر إن البنت الصغيرة اللي كانت سحر بتساعدها قدرت تحصل على منحة دراسية وتكمل تعليمها. سحر بكت من الفرحة، وقالت لي شفت؟ أهو فيه حاجة حلوة حصلت بسبب إننا ما استسلمناش. ابتسمت وقلت إنتِ اللي بدأتي كل ده. هزت راسها. لأ، إحنا اللي بدأناه لما قررنا مانخليش الۏجع يقفل علينا الباب. وفي عيد ميلاد يوسف التالت، اجتمعنا كلنا في بيت أمي. نادين جت معاه، وكانت علاقتنا بقت أهدى، وكل واحد فينا فهم إن الانفصال مش لازم يتحول لحرب، وإن يوسف من حقه يحب أبوه وأمه من غير ما يتحط في النص. سحر استقبلت نادين بابتسامة هادية، ونادين قدمت لها هدية بسيطة وقالت كل سنة وإنتِ طيبة يا سحر. سحر ردت وإنتِ طيبة يا نادين، وشكرًا إنك جيتي. كان الموقف بسيط، لكنه بالنسبة لي كان علامة على إننا كلنا بدأنا نتعلم إزاي نعيش من غير ما نفضل أسرى للڠضب. بعد ما الضيوف مشيوا، لقيت سحر قاعدة في البلكونة، ويوسف نايم على الكنبة جنبها. قعدت جنبها وقلت إنتِ مبسوطة؟ بصت لي، وابتسمت. أيوه، النهارده كان جميل. قلت لها نفسي أشوفك مبسوطة كده على طول. قالت محدش بيبقى مبسوط على طول يا مصطفى، بس نقدر نحاول نلاقي حاجة حلوة حتى في الأيام الصعبة. بصيت لها، وحسيت إني أخيرًا بدأت أفهمها. ماكانش فيه معجزة خلت المړض يختفي في لحظة، ولا علاج سحري رجع كل حاجة زي الأول، لكن كان فيه علاج مستمر، وأمل واقعي، وأيام حلوة بنحاول نحافظ عليها. وفي مساء هادي، بعد مرور وقت طويل على أول تشخيص، رجعنا من متابعة طبية، والدكتور قال إن بعض المؤشرات مستقرة وإننا هنكمل المتابعة والخطة العلاجية، من غير ما يقدر يحدد نهاية الطريق. سحر خرجت من العيادة وهي بتتنفس بعمق. سألتها مالك؟ قالت كنت بفكر في أول يوم سمعنا فيه كلمة کانسر. حسيت بۏجع قديم. وأنا كمان. قالت يومها كنت فاكرة إن حياتي انتهت، وبعدها بقيت فاكرة إن حياتي كلها هتبقى مرض. لكن دلوقتي عرفت إن المړض جزء من حكايتي، مش الحكاية كلها. مسكت إيدها. وإنتِ لسه عندك حكايات كتير. ابتسمت وقالت أيوه، ولسه عايزة أعمل حاجات كتير. رجعنا البيت، ولقينا يوسف مستنينا مع أمي، وأول ما شافنا جري ناحيتنا. شيلته، وسحر قعدت جنبي، وفضلنا نضحك على حركاته الصغيرة. وفي اللحظة دي، افتكرت نفسي يوم ما وقعت على ورق الطلاق وأنا فاكر إنني هرتاح. افتكرت إزاي كنت مستعجل أخلص من المسؤولية، وإزاي كنت فاكر إن وجود سحر في حياتي مجرد عبء، وإن البعد عنها هيخليني أعيش من غير ۏجع. لكن الحقيقة كانت مختلفة. أنا ماكنتش هقدر أمنع مرضها، وماكنتش أقدر أضمن شفاءها، لكن كان بإمكاني أكون جنبها، وأخفف عنها، وأحترم خۏفها واحتياجها، بدل ما أخليها تواجه كل ده لوحدها. وفي ليلة، وأنا بساعدها ترتب دفترها القديم، وقعت منه ورقة صغيرة. كانت نفس الورقة اللي عم رجب جابهالي يوم ما كنت في الشركة. مسكتها، وبصيت لها، وقلت الورقة دي غيرت حياتي. سحر ابتسمت وقالت لأ، الورقة خلتك تبص لحياتك. إنت اللي قررت تغيرها. قعدت جنبها، وحطيت الورقة في الدفتر. قلت لها لو كنت أعرف إن يوم الطلاق ده هيفضل يوجعني بالشكل ده، كنت فضلت جنبك من الأول. سحر بصت لي بحنان وقالت يمكن كنت محتاج تتعلم بالطريقة الصعبة، بس ماتنساش إن فيه ناس بتغلط ومابتتعلمش، وناس بتغلط وبتحاول تصلح. المهم إنك ما تكررّش نفس الغلط. مسكت إيدها، وبستها. مش هنسى. وبعدها بصينا ليوسف وهو نايم، وللنور الهادي اللي داخل من الشباك، وحسيت إن الحياة رغم كل اللي فيها من خوف وخسارة، لسه بتدينا فرصة نختار بشكل أحسن. سحر ما بقتش الست اللي كانت بتستنى صوت مفتاحي في الباب وهي لوحدها، وأنا ما بقيتش الراجل اللي بيهرب من مرضها عشان يحافظ على راحته. بقينا اتنين بيتعلموا من اللي حصل، وبيحاولوا يعيشوا اليوم اللي قدامهم بصدق. وفي آخر ليلة من السنة، كنا قاعدين في البلكونة، والشارع تحتنا مليان أصوات وضحك، وسحر كانت لابسة الشال اللي بتحبه. بصت لي وقالت مصطفى، لو حد سألك إيه أكتر حاجة ندمت عليها في حياتك، هتقول إيه؟ بصيت لها، وعيني مليانة دموع. هقول إني في يوم افتكرت إن التخلص من مسؤولية إنسانة بحبها هو الطريق للراحة، وإنها لما طلبت مني أطلقها، فرحت بدل ما أسأل نفسي إزاي وصلت لدرجة إنها تحس إنها لازم تبعد عشان ما تبقاش عبء عليا. سحر سكتت شوية، وبعدها قالت وأنا لو حد سألني عن أكتر حاجة اتعلمتها، هقول إن الحب مش إنك تضحي بنفسك لحد ما تختفي، ولا إنك تستحمل كل حاجة وتسكت، الحب إنك تعرف إن ليك قيمة، وإنك تستحق الرعاية والاحترام، وإنك تقدر تسامح من غير ما تنسى نفسك. بصيت لها، وحسيت إن كلامها أكبر من كل الندم اللي عشته. قلت لها أنا بحبك يا سحر. ابتسمت، ومدت إيدها وحطتها على إيدي. وأنا بحبك، بس المرة دي عايزانا نحب بعض بعقل ورحمة، مش پخوف ولا بتضحية بتكسرنا. هزيت راسي. اتفقنا. وفي اللحظة دي، ماكنتش محتاج وعد إن بكرة هيكون سهل، ولا ضمان إن كل شيء هيبقى مثالي، لأنني فهمت أخيرًا إن الحياة مش بتتقاس بعدد الأيام اللي بنعيشها من غير مشاكل، لكنها بتتقاس بالطريقة اللي بنعامل بيها الناس اللي ربنا حطهم في طريقنا. سحر كملت علاجها، وفضلت تتابع مع أطبائها، وكانت حالتها بتتغير من فترة للتانية، لكننا ما بقيناش بنواجه كل تعب باعتباره نهاية، ولا كل تحسن باعتباره ضمانًا للشفاء. بقينا بنفرح باليوم الحلو، ونتعامل مع اليوم الصعب، ونحافظ على أحلامنا الصغيرة مهما كانت الظروف. ومع الوقت، بقيت مبادرة بكرة لسه موجود جزءًا مهمًا من حياتنا، وسحر بقت تشارك قصتها مع ناس كتير، مش عشان تحكي عني أو ټفضحني، لكن عشان تقول لكل شخص بيواجه مرض حد بيحبه إن الخۏف طبيعي، وإن التعب مفهوم، لكن الهروب مش دايمًا هو الحل. وفي مرة، بعد لقاء صغير مع مجموعة من المرضى وأسرهم، وقف شاب قدامي وقال أنا مراتي تعبانة، وأنا حاسس إني مش قادر أستحمل. ساعات بفكر أسيب كل حاجة وأهرب. بصيت له، وافتكرت نفسي من سنين. قلت له ماتاخدش قرار كبير وإنت غرقان في الخۏف. اتكلم مع حد تثق فيه، اطلب مساعدة، وافهم إنك مش مطالب تعالج المړض لوحدك، لكنك تقدر تختار ماتخليش اللي بتحبه يواجهه لوحده. ولو حاسس إنك مڼهار، اطلب دعم لنفسك كمان، لأنك محتاج تكون بخير عشان تقدر تساعد. الشاب هز راسه، وعينيه مليانة دموع. وسحر كانت واقفة جنبي، بتسمع الكلام، وبعد ما مشي قالت يمكن لو كنت سمعت الكلام ده زمان، كنت وفرت على نفسنا ۏجع كتير. قلت لها يمكن، بس إحنا نقدر نخلي الۏجع اللي عشناه سبب إن حد تاني ياخد خطوة أحسن. ابتسمت. وده كفاية. وفي نهاية اليوم، رجعنا البيت، ويوسف كان مستنينا عند أمي، وجري علينا وهو بينادي. شيلته، وسحر ضحكت، وحطت إيدها على كتفه الصغير. بصيت لهم، وحسيت بامتنان عميق. أنا ماكنتش قادر أرجع الزمن، ولا أمحي يوم الطلاق، ولا أضمن إن كل اللي فات هيتصلح بالكامل، لكني كنت قادر أعيش الحاضر بشكل مختلف، وأكون أبًا حاضرًا، وزوجًا أكثر صدقًا، وإنسانًا ما يهربش من مسؤوليته. أما سحر، فكانت أقوى مما تخيلت، مش لأنها ما بتخافش أو ما بتتعبش، لكن لأنها رغم الۏجع قدرت تستعيد صوتها، وتختار حياتها، وتسامح من غير ما تتنازل عن كرامتها. وفي آخر مرة فتحت فيها الدفتر القديم، لقيت سحر كاتبة في آخر صفحة جملة واحدة مش كل نهاية معناها خسارة، ومش كل رجوع معناه إننا رجعنا لنفس المكان، أحيانًا ربنا بيدينا فرصة نبدأ من جديد، بشرط إننا نكون اتعلمنا من اللي فات. قريت الجملة، وبصيت لها، وقلت ربنا يخليكي ليا يا سحر. ابتسمت وقالت ويخليك ليوسف، ويخليك لنفسك كمان. حضنتها، وبصيت من الشباك للشارع اللي كان هادي، وافتكرت كل الأيام اللي كنت فاكر فيها إن الڤرج هو إني أخلص من سحر ومصاريف علاجها وۏجعها. لكن الڤرج الحقيقي ماكانش في إنني أسيبها، ولا في إن المړض يختفي في لحظة، ولا حتى في إننا نرجع لبعض. الڤرج الحقيقي كان إني أفهم إن الإنسان اللي بيحبك مش عبء عليك، وإن المړض مش ذنب صاحبه، وإن المسؤولية مش قيد بنهرب منه، لكنها أمانة بنتعلم نشيلها بالرحمة والمشاركة. والأهم من كل ده، إني فهمت إن الاعتذار مش كلمة بتتقال لما نخاف نخسر حد، وإن الحب مش وعد بنقوله في الأيام الحلوة وبس، الحب الحقيقي هو إنك تفضل صادق، وتحترم اختيار اللي قدامك، وتعمل اللي تقدر عليه من غير ما تطلب مقابل. أنا خسړت سحر في يوم من الأيام بإيدي، ولما ربنا اداني فرصة أقرب منها تاني، ما اعتبرتهاش حق مكتسب، اعتبرتها نعمة لازم أحافظ عليها. وكل يوم كنت بصحى فيه وألاقيها جنبي، كنت بحمد ربنا، مش لأنني ضمنت إنها هتفضل معايا للأبد، لكن لأنني اتعلمت أخيرًا قيمة اليوم اللي إحنا فيه. ومن يومها، كل ما حد يسألني عن أكبر ندم في حياتي، بافتكر ورقة الطلاق، وبافتكر دموع سحر، وبقول لنفسي إن أصعب حاجة مش إنك تغلط، لكن إنك تكتشف إنك كنت تقدر تكون أحن، وأصدق، وأشجع، واخترت الطريق الأسهل. لكن طول ما الإنسان لسه عايش، ولسه قادر يعترف بغلطه، ولسه قادر يصلح اللي يقدر عليه، يبقى فيه فرصة لبداية جديدة. وده كان الدرس اللي اتعلمته من سحر، الست اللي افتكرت يومًا إن مرضها هيكون نهاية حياتها، لكنها علمتني أنا إزاي أبدأ حياتي من جديد. تمت