جوزي كريم
وقفت مكاني مثبتة في الأرض… ما اتكلمتش. لا صرخت… ولا عيطت… ولا حتى أيدي اترعشت فـ وقعت التورتة أو الأكياس مني.
لأني في اللحظة دي بالذات، فهمت كل حاجة. فهمت إن اللي حصل ده ما كانش غلطة ولا لحظة ضعف ولا نزوة شيطان… دي كانت خيانة متخططلها ومتحبوكة على مَهل ومن زمان أوي. كلهم كانوا عايشين حياة كاملة وموازية من ورا ضهري، حاطين إيدهم في إيد بعض، ومستنيين اليوم اللي أعرف فيه الحقيقة عشان ألم هدومي وأمشي في سكات وهدوء.
لكن هما ما كانوا ينظروا ولا يعرفوا إن قبل ما أفكر أصلاً أمشي من البيت ده، أو أسيب لهم الشارع، كنت هكشف سر أخطر بكتير… سر مستخبي جوه جدران العيلة دي، سر هيقلب حياتهم كلها رأسًا على عقب، وهيخليهم يدفعوا تمن كل لحظة خيانة وغدر غالي أوي… غالي فوق ما يتخيلوا.
بل كان صمت الكارثة، ذلك النوع من السكينة المريبة التي تسبق انفجار بركان غاشم بياكل الأخضر واليابس.
بصيت للتورتة اللي كانت بين إيدي، للشريط الستان المربوط حولين العلبة بنظام، ثم لأكياس الفطير المشلتت الطازة الليحرصت على أن أختارها بنفسي واحدة واحدة من الفرن البلدي وأنا واقفة على رجلي بسأل الراجل ينقي لي الأحسن والأطري، ظنًا مني أنني سأدخل بها بيت ست حزينة محطمة لتواسيها في يتمها وترملها. كم كنت غبية! وكم كانت السذاجة والنية الطيبة تكسو روحي بغطاء عمى عيني عن الخيانة! الفطير الذي تحسست حرارته بيدي من شوية كاد يبرد، تمامًا كما بردت الدماء في عروقي وأنا أرى خيانة زوجية ليست مجرد نزوة عابرة أو خطأ لحظة، بل مؤسسة بالكامل، مرخصة ومبصوم عليها من الأم، ومباركة من جميع أفراد العيلة على حساب عمري، وصحتي، وأيامي الصعبة اللي أهديتها لهم بلا حساب ولا مقابل.
تحركت خطوات بطيئة بثبات مرعب، غير مبالية بنظرات الرعب المرتجفة في عين كريم اللي كانت رايحة جاية بيني وبين الباب، ولا بنظرات التهرب المستترة لنجلاء وهي بتلم قميص نومها حولين بطنها وراء ضهره، ولا حتى بنظرات البرود المتعجرف التي رمتني بها حماتي وكأنها صاحبة الحق الأوحد في هذا الكون والآمرة الناهية في الشقة.
تخطيت كريم الذي انكمش في مكانه وكأنه شاهد عيان على حادث سير مروع مش عارف يهرب منه، ودخلت من باب الشقة لجوه الصالة. لم أكن أبكي، ولم أكن أرتجف، ولا حتى أيدي اهتزت فـ تهز الحوائج اللي شايلها. كان هناك نوع غريب من البرود القاتل قد تملكني، برود يشبه تجمد المياه في أعماق البحيرات القطبية التي لا توصلها شمس.