كان جوزي "كريم" قايل لي الصبح وهو بياخد شنطته إنه مسافر شغل كام يوم . قعدت مع نفسي في البيت وحسيت بزهق، فقلت أعمل خير وأعدي على "نجلاء" مرات صاحبه الله يرحمه، آخد لها معايا تورتة حلوة وشوية فطير مشلتت طازة ودافين، قولت يمكن أهون عليها شويه وأفك حزنها بعد وفاة جوزها اللي ما كملش كام شهر. مشيت لحد بيتها ، وطلعت السلم وأنا ماسكة الأكياس والتورتة بإيد والمفتاح والتليفون بالإيد الثانية. وقفت قدام الباب وخبطت بهدوء ورقة... سمعت من جوه صوت كركبة جارفة، وصوت كرسي بيتزق بسرعة وكأنه بيتجر على السيراميك بلهوجة. بيني وبين نفسي قلت: "يا حبة عيني، شكلها كانت نايمة أو قاعدة تعبانة وبتقوم تفتح بالعافية". المقبض النحاس اتحرك بالراحة... والباب اتفتح. وفي اللحظة دي بالضبط، الزمن اتجمد، والدنيا كلها وقفت حوليا. اللي كان واقف فتح الباب ما كانش نجلاء خالص... كان جوزي! كريم! الراجل اللي مسكت إيده الصبح وبسته وقالي "أدعيلي يا منى السفرية دي تعدي على خير". كان واقف قدامي زي الصنم، متسمر مكان ه قدام باب شقتها. لابس نفس القميص الأبيض الناصع اللي قعدت أكويهوله نص ساعة الصبح عشان يبان شيك في سفريته، يا دوب أول ثلاث أزرار مفتوحين، وشعره مبهدل وعرقان كأنه كان بيجري أو مستعجل في حاجة. فضلنا نبص لبعض من غير ما حد فينا ينطق بكلمة. السكوت كان تقيل يكتِم النفس. وشه اتغير في ثانية، الاتزان والثقة اللي بيبان بيهم اتمحوا، وتحول وش لصفرار ورعب صريح. بلع ريقه وصوته طلع مكسور ومتردد كأنه طفل اتسكب في سرقة: "منى؟! إنتي... إنتي بتعملي إيه هنا؟!" بصيت له بهدوء غريب، هدوء أرعبني أنا شخصياً قبل ما يرعبه. رديت بصوت واطي ومستقر: "جيت أطمن على نجلاء... بعد وفاة جوزها قولت أكيد محتاجة حد يقعد معاها، يخفف عنها الوحدة." سكت ثانية واحدة، وبصيت لقميصه المفتوح وشعره، وكملت وأنا بأكتم النار اللي شعلت في صدري: "لكن دلوقتي... الأهم عندي أعرف، إنت اللي بتعمل إيه هنا يا كريم؟ مش المفروض إنك مسافر بورسعيد من ثلاث ساعات؟" وشه جاب ألوان، وعينيه بقت تروح وتيجي في الطرقة كأنه يدور على خرم إبرة يستخبى فيه. مسك المقبض بإيد بترتعش وقال بسرعة وبكذب رخيص: "أصل... أصل ولا أي حاجة يا منى! مفرمة الحوض عندها باظت وغرقت الدنيا مية، وكلمتني الصبح وهي بتعيط عشان أجي أصلحهالها قبل ما أسافر! قولت أعدي عليها الأول بسرعة." في أي يوم تاني، وفي ظروف ثانية، يمكن كنت صدقته... يمكن كانت طيبتي وعبط حُبي له خلتني أعديها. لكن قبل ما ألحق أرد عليه أو أطلع الكلمة من بوقي، سمعت صوت خطوات رجليها جاية من جوه الطرقة بخفة. وبعدين صوت نجلاء نادى بنبرة فيها دلع ومونة ما سمعتهاش منها قبل كده: "يا كريم... مين اللي على الباب؟ تأخرت ليه؟" خرجت من الطرقة ببطء... كانت لابسة قميص نوم واسع ومحترم، بس مش اللبس هو اللي طير برج من عقلي... اللي صدمني بجد، وخلى الركبتين يتخشبوا تحتي، كان بطنها! بطنها المدوّرة والبارزة بوضوح شديد... إنها حامل في الشهر الرابع أو الخامس! بصيت لبطنها وأنا مش مصدقة عينيا، الحقيقة كانت بتضرب في دماغي زي الساطور. قلت بصوت واطي يادوب طالع من بين سناني: "نجلاء... إنتي... إنتي حامل؟!" نجلاء أول ما شافتني وشرقت من الخضة، وشها جاب ألوان وراحت متوترة ومستخبية ورا ضهر كريم، ماسكة في قميصه بلهوجة. وفجأة... طلع صوت ثواني وأعرفه أكتر من نفسي من ناحية المطبخ. حماتي! أم كريم! طلعت وهي شايلة طبق شوربة فراخ سخنة يدخن في إيديها، وبتقول بحنية وأمومة: "يا كريم، ساعد نجلاء تقعد يا بني، ما ينفعش تفضل واقفة كده كتير عشان البيبي ما يتعبش!" أول ما رفعت عينها وشافتني واقفة على الباب، خطوتها اتجمدت في الأرض. طبق الشوربة أتهز في إيدها، وعلامات الصدمة والذهول ظهرت على وشها لحظة... بس للأسف، اللحظة دي ما طولتش. الصدمة اختفت، وحل محلها برود وجليد ما شفتش زيه في حياتي. مشت بخطوات ثابته، حطت الطبق على الترابيزة الرخام اللي في الصالة، وبصت لي بكل بجاحة وقوة عين، وقالت: "طالما عرفتي الحقيقة خلاص... ملوش لازمة نمثل أكتر من كده ولا نستخبى!" قربت مني وقالت في عيني، من غير ما يرف لها جفن أو تحس بذرة كسوف أو ذنب: "الطفل اللي في بطن نجلاء ده... ابن كريم. عيلتنا لازم يبقى ليها حفيد يشيل اسمنا." وبعدين كملت بالجملة اللي قطعت آخر عرق كان باقي جوايا ونزلت عليا زي المرزبة: "لو إنتي مش قادرة تخلفي له وتملي عليه بيته... يبقى فيه غيرك تقدر وتخلف!" الكلام كان بيرن في وداني زي الجرس، بعنف بيطرق على جمجمتي. كريم واقف زي الصنم، كاتم بوقه ونازل عينيه في الأرض بجبن. ونجلاء مدارية وراه وباصة للفرش ومستنية العاصفة. وحماتي... المأمنة، اللي كانت كل يوم بتقول لي "إنتي بنتي اللي ما ولدتهاش يا منى"، واقفة بقلب ميت بتدافع عن خيانتهم وقلة أصلهم وبتبص لي بتحدي. وقفت مكاني مثبتة في الأرض... ما اتكلمتش. لا صرخت... ولا عيطت... ولا حتى أيدي اترعشت فـ وقعت التورتة أو الأكياس مني. لأني في اللحظة دي بالذات، فهمت كل حاجة. فهمت إن اللي حصل ده ما كانش غلطة ولا لحظة ضعف ولا نزوة شيطان... دي كانت خيانة متخططلها ومتحبوكة على مَهل ومن زمان أوي. كلهم كانوا عايشين حياة كاملة وموازية من ورا ضهري، حاطين إيدهم في إيد بعض، ومستنيين اليوم اللي أعرف فيه الحقيقة عشان ألم هدومي وأمشي في سكات وهدوء. لكن هما ما كانوا ينظروا ولا يعرفوا إن قبل ما أفكر أصلاً أمشي من البيت ده، أو أسيب لهم الشارع، كنت هكشف سر أخطر بكتير... سر مستخبي جوه جدران العيلة دي، سر هيقلب حياتهم كلها رأسًا على عقب، وهيخليهم يدفعوا تمن كل لحظة خيانة وغدر غالي أوي... غالي فوق ما يتخيلوا. بل كان صمت الكارثة، ذلك النوع من السكينة المريبة التي تسبق انفجار بركان غاشم بياكل الأخضر واليابس. بصيت للتورتة اللي كانت بين إيدي، للشريط الستان المربوط حولين العلبة بنظام، ثم لأكياس الفطير المشلتت الطازة الليحرصت على أن أختارها بنفسي واحدة واحدة من الفرن البلدي وأنا واقفة على رجلي بسأل الراجل ينقي لي الأحسن والأطري، ظنًا مني أنني سأدخل بها بيت ست حزينة محطمة لتواسيها في يتمها وترملها. كم كنت غبية! وكم كانت السذاجة والنية الطيبة تكسو روحي بغطاء عمى عيني عن الخيانة! الفطير الذي تحسست حرارته بيدي من شوية كاد يبرد، تمامًا كما بردت الدماء في عروقي وأنا أرى خيانة زوجية ليست مجرد نزوة عابرة أو خطأ لحظة، بل مؤسسة بالكامل، مرخصة ومبصوم عليها من الأم، ومباركة من جميع أفراد العيلة على حساب عمري، وصحتي، وأيامي الصعبة اللي أهديتها لهم بلا حساب ولا مقابل. تحركت خطوات بطيئة بثبات مرعب، غير مبالية بنظرات الرعب المرتجفة في عين كريم اللي كانت رايحة جاية بيني وبين الباب، ولا بنظرات التهرب المستترة لنجلاء وهي بتلم قميص نومها حولين بطنها وراء ضهره، ولا حتى بنظرات البرود المتعجرف التي رمتني بها حماتي وكأنها صاحبة الحق الأوحد في هذا الكون والآمرة الناهية في الشقة. تخطيت كريم الذي انكمش في مكانه وكأنه شاهد عيان على حادث سير مروع مش عارف يهرب منه، ودخلت من باب الشقة لجوه الصالة. لم أكن أبكي، ولم أكن أرتجف، ولا حتى أيدي اهتزت فـ تهز الحوائج اللي شايلها. كان هناك نوع غريب من البرود القاتل قد تملكني، برود يشبه تجمد المياه في أعماق البحيرات القطبية التي لا توصلها شمس. حطيت التورتة بالراحة على ترابيزة الصالة وجنبها أكياس الفطير، وعيني بتتفحص المكان.. التفاصيل، أطقم الكاسات، السجاد، اللوحات اللي على الحيطة.. كل حاجة كانت بتقول إن المكان ده متجهز بمهل وعلى نضافة، مش مجرد شقة أردح فيها أسبوعين. قالت حماتي بنبرة محاولة لضبط إيقاع الموقف وترميم الهيبة اللي اتهزت بوجودي، وكأنها تدير جلسة صلح عائلية في بيت العيلة: "يا بنتي، اقعدي بس واهدي، العقل زينة والسرعة من الشيطان. الموضوع أبسط بكتير من اللي في دماغك وتخيلاتك دي. كريم ما كذبش عليكِ في حاجة جوهرية أو قصد يضرك، نجلاء كانت محتاجة، وجوزها الله يرحمه كان صاحبه الروحي وأخوه اللي ما ولدتهوش أمه، والوصية واجبة والدين والأصول بيقولوا كده، والبيت ده..." التفتُ إليها ببطء شديد، وقطعت كلامها بنبرة صوت هادئة جداً لكنها كانت تحوي حِدّة وس/كينة تلمة جعلتها تبتلع باقي جملتها وتتثبت مكانها: "البيت ده؟ تقصدي بيت مين يا أمي؟ بيت صاحبه المرحوم اللي ساكنة فيه مراته وأخته و... ولا تقصدي الشقة اللي أنا فرشاها قرش بقرش من تعب أبويا الله يرحمه ومن دهبي ومؤخري اللي ما سدتهوش؟ ولا تقصدي إيه بالضبط؟ أنهي بيت فيهم؟" توترت حماتي ووشها جاب ألوان من إحراجها قدام نجلاء، وقالت بحدة دفاعية وصوت عالي عشان تغطي على موقفها: " إنتِ بتقولي إيه وقلة الأدب والتطاول ده جه منين؟ تعب أبوكِ إيه ومؤخر إيه اللي بتعايرينا بيه؟ إحنا ناس محترمين وبنعرف الأصول، وكريم راجل وسيد الرجالة وعمل الصح اللي يمليه عليه دينه وضميره، ستر على أرملة صاحبه وحماها من طمع الناس والشارع، وبكرة العيال دي تكون عزوة لبعضها وتسند بعض!" "عيال؟ تقصدي عيل واحد لحد دلوقتي في السكة، ولا فيه أكتر وأنا نايمة على وداني ومغفلة؟" قلتها ببرود شديد، وأنا أتفحص وجه نجلاء التي انكمشت خلف الكنبة وكأنها تختبئ من شبح الماضي الذي عاد ليطاردها ويجردها من الوشاح اللي متغطية بيه. وسط ذهولهم الشديد من هدوء رد فعلي غير المتوقع، وعدم وجود أي صريخ أو لطم، لم أكن أخطط للمشاجرة العادية بتاعة كل يوم. لم أكن أريد أن أصرخ أو ألقي بالأطباق والتحف على جدران الشقة كما تفعل النساء في المسلسلات والسينما لما يتصدموا. لقد أدركت في تلك اللحظة بالذات أن الصراخ يمنحهم شعورًا بالقوة، يمنحهم مبررًا ليقولوا "المجنونة اللي بتظيط وتعمل هيستريا وما بتفهمش"، بينما البرود القاتل والسكوت الذكي هو الس/لاح الوحيد القادر على زعزعة غرورهم ودك حصونهم. نظرت إلى كريم بكل استهانة وقرف، وقلت بصوت حاسم يقطع الشك باليقين: "شنطتك موجودة جوه يا كريم؟ ولا لسه ما خلصتش هدوم السفر اللي في المحافظة التانية؟" ابتلع ريقه بصعوبة، وعينيه زادت ذعر، وصوته طلع مبحوح ومقطوع كأنه بيغرق: "منى... أرجوكِ اهدي وما تتسرعيش، خليينا نتكلم في الأوضة لوحدنا.. نفهمك كل حاجة بالراحة ومن غير شوشرة." قدمت خطوة ناحية الصالة، وحماتي وقفت في وشي تحجز بيني وبين طرقة الأوضة بكل جبروت: "على فين يا حلوة؟ رايحة فين وتفتشي في إيه؟ دي شقة حر ملوش حق يدخلها ولا يتعدى عليها إلا بصاحبها!" ابتسمت لها ابتسامة صفرا تطيّر العقل، وقلت بصوت واطي ومسموع للكل: "صاحبها؟ ولا صاحب السر اللي أنتوا فاكرين إنكم دفنتوه سوا؟ ياترى يا حماتي، لو عمي الله يرحمه كان عايش، أو لو إخوات كريم الكبار عرفوا بالحقيقة وبأصل الشقة دي والفلوس اللي اتدفت هنا منين... كان هيبقى ده برضه كلامك؟" الكلمة نزلت على حماتي زي الصاعقة! وشه أبيض تماماً، وإيدها اللي كانت ماسكة الشال اترعشت، ونجلاء شهقت بصوت مكتوم وطلعت بصت لكريم بذهول ورعب. كريم اتخشب مكانه، وعينيه أتسعت على أخرهم وقال بنبرة مليانة رعب حقيقي: "منى... إنتِ... إنتِ تقصدي إيه بالبيانات دي؟ عرفتي إيه؟" رديت وأنا باخد نفس عميق، ونسيم انتصار بارد بيمشي في عروقي: "أقصد إن اللعبة خلصت يا كريم.. والستارة اتفتحت على الآخر."....يتبع للجزء الثاني والاخير قال بصوت متحشرج، ومخنوق من كثرة الرعب والارتباك اللي تملكه: "منى... تعالي نتكلم في البيت لو سمحتِ، بلاش فضايح في الشارع وشوشرة مالهاش لازمة قدام الغريب... أقصدي في بيت المغفور له صاحبي..." "بيت صاحبك؟" ضحكت بسخرية لاذعة ومريرة هزت أركان المكان وأصداء الصالة، ضحكة طالعة من وسط وجع قلبي بس مليانة استهانة بي الموقف. وكملت وأنا بفرس فيهم بعيني: "بيت صاحبك اللي مشتريله شقة هنا ومسجلها باسم مين يا كريم؟ باسمك أنت؟ ولا باسمها هي؟ ولا يمكن كتبتها باسم أمك عشان تداروا على الخيبة؟" تغير لون وجه كريم تمامًا، وبانت عليه علامات الهلع والرعب الحقيقي، وشه أصفر وكأنه اتقطع منه الدم. لم تكن الخيانة الزوجية وحدها هي السر الكبير ولا المصيبة الوحيدة هنا؛ كانت لغة الأرقام، والأوراق، والمصالح الخفية أثقل وألعن بكثير من مجرد نزوة طارئة أو خيانة عابرة! قالت حماتي وهي بتتقدم نحوي بغضب وعصبية، وبتحاول بزعيقها تغطي على الخوف اللي بدأ ياكل قلوبهم: "إنتي اتجننتِ بجد ولا عقلك طار منك؟! إيه الكلام الفارغ والهبل اللي بتقوليه ده؟ تعالي معايا على بيتك وخلصنا وبلاش قلة أدب، ما تعمليش من الحبة قبة وتلمي علينا الشارع والأمة!" "لا يا أمي، مش همشي دلوقتي خالص، ولا طالعة من الشقة دي إلا لما آخد حقي،" قالتها منى وهي بتتخطاها ببرود، وبتمشي بخطوات ثابتة وواثقة متجهة مباشرة نحو غرفة النوم الداخلية في الشقة، الغرفة اللي كان بابها مغلقًا بإحكام طوال فترة زيارتي، الغرفة اللي كانت مقفولة بضبة ومفتاح ولم يدخلها أحد سواه طوال الوقت ده. صرخت نجلاء بذعر وجريت ورايا وهي ماسكة قميصها بحركة عشوائية: "استني عندك! إنتي رايحة فين وبيتك فين؟ دي أسرار بيت وماتصحش تدخلي وتفتشي في حُرَمات الناس كده!" لكنني لم أكن أستمع لأحد ولا بيهمني صريخهم. مسكت التورتة والأكياس بهدوء ووضعتهم فوق طاولة السفرة القريبة في الصالة بالراحة، وبعدين دفعت باب الأوضة بإيدي الشمال بكل قوتي، ودخلت الغرفة. لم تكن غرفة نوم عادية إطلاقاً. كانت أشبه بمكتب إداري سري لم يدخله غريب من قبل! على المكتب الخشبي الكبير المتروس أوراق، كانت توجد عقود رسمية، وعقود بيع وشراء ابتدائي ونهائي، وشيكات بنكية بمبالغ طائلة، وملفات عقارية تحمل اسم كريم واسم نجلاء جنبًا إلى جنب، بل وكان هناك ملف كرتون تقيل مكتوب بخط إيد واضح ومحدد: "ممتلكات شركة النور للمقاولات والتجارة". اقتربت من المكتب بخطوات واثقة، بينما تبعني الثلاثة لجوه الأوضة كأنهم أشباح خائفة ومطاردة بكابوس. كريم كان يلهث بشدة وصدره بيطلع وينزل من الخضة، وعيناه تكادان تخرجان من رأسها رعبًا، بينما كانت أمه تتمتم بكلمات غير مفهومة وتدعس في شالها وهي بتطلب الستر وبتتحسبن. سحبت الملف المفتوح من فوق المكتب، وقرأت اللي فيه بتمعن وتركيز شديد، والابتسامة الساخرة مش مفارقة وشي: "ياااه... طلعت شاطر ومفتح قوي يا كريم! بتشتغل في المحافظة التانية بقالك سنتين، وكل سفرياتك الشغل ومأمورياتك اللي بتتحجج بيها كانت هنا! في الشقة دي اللي اشتريتها بفلوس التوكيل العام اللي أخدته مني وأنا مغمضة عينيا وبكامل ثقتي فيك عشان تبيع أرض أبويا!" صرخ كريم بصوت مصدوع ومكتوم وهو بيقرّب مني عايز يمد إيده وياخد الملف: "منى! سيبي الورق ده حالًا ونزليه من إيدك! إنتي ما تعرفيش إنتي بتعملي إيه ولا بتلعبي بإيه!" "لا، أنا عارفة كويس قوي أنا بعمل إيه وبفتش في إيه،" قلتها وأنا بنظر إليه مباشرة في عينيه بكل ثبات ودون أي رعشة في صوتي أو حركة في إيدي. وكملت وأنا باصلهم واحد واحد: "أرض أبويا التي ورثتها، والتي كذبت عليّ وقلت إن الحكومة نزلت عليها قرار نزع ملكية للمنفعة العامة وإن التعويض بتاعها طلع ملاليم وما يسواش، طلعت بايعها بمليونين ونصف لشركة مقاولات وهمية ملك لمين بقى؟ ملك لنجلاء ومسجلة باسمها وباسم شريكك المرحوم الله يرحمه! صاحبه اللي طلع في الآخر ميت مفلس ولا مقتول بطريقة مشبوهة.. ولا يمكن..." سكتت لحظة، ونظرت إلى نجلاء التي تحول وجهها بالكامل إلى اللون الأصفر الشاحب، وتراجعت للخلف ترتجف وسندت على الحيطة كأن حيلها اتهد. قالت نجلاء بصوت مرعوب يادوب طالع ومخنوق: "إنتِ... إنتِ عرفتي كل ده منين؟!" "ما كنتش أعرف بكل التفاصيل دي،" قلتها بابتسامة باردة ومرعبة توقف الدم في العروق.. "بس كنت شاكة، والنهارده بس القطع جاب اليقين!" من زمان في طريقة صرفك يا كريم بعد وفاة صاحبك، وإزاي ورثه اللي سابه فجأة كده بقم شقق ومشاريع وعربيات، وكنت بستنى اللحظة المناسبة اللي تدلني على الخيط. واديني لقيته، ومش بس كده... فتحت درج المكتب الخشبي الداخلي بإيدي اللي ثابتة زي الحديد، وطلعت منه اللي ما كنتش أتوقعه حتى في أعتى أحلامي الكابوسية. لم تكن الأوراق مجرد عقود بيع أرض وسرقة ميراث؛ بل كانت مستندات طبية رسمية، وتوكيلات خاصة، ووصية مكتوبة بخط يد المرحوم زوج نجلاء، وشهادات وفاة، وتقارير طبية مشبوهة حول ظروف وفاته المفاجئة إثر أزمة قلبية حادة قبل ستة أشهر فقط. قرأت بصوت عالٍ، ثاقب ومسموع لكل اللي واقفين في الغرفة، لتتساقط قطع القناع الأخير عن وجوههم المزيفة: "الله يرحمه صاحبك... تقرير الطبيب الشرعي المبدئي بيقول إن فيه شبهة جنائية ومواد مجهولة في الدم، بس الملف اتقفل بسرعة وبسهولة لأن كريم كان الشاهد الوحيد، وهو اللي أمضى على استلام الج/ثة وتخليص كل أوراق الدفن في ساعتها قبل ما حد يفكر يشرّح أو يفحص!" صرخت حماتي بفرط الجنون وانهارت تمامًا، وشها اسودت ملامحه من الرعب: "اخرسي! إنتي بتخرفي وبتقولي كلام يودي في داهية! تعالي يا كريم اسحب الورق ده من إيدها فوراً! دي هتبهدل العيلة كلها وتودينا كلنا ورا الشمس!" اقترب كريم بخطوات ثقيلة ومترددة، وكان وجهه قد فقد كل ملامح البشر، وشعره مبهدل وعينيه زائغة وكأن شبح السجن ومقصلة الإعدام تلوح أمام عينيه. مد يده يحاول يجذب الأوراق من إيدي بلهوجة، لكنني كنت أسرع وأثبت منه بكثير. رفعت الملف عاليًا وقلت بنبرة قاطعة زي حد السيف: "اقترب خطوة واحدة يا كريم، والملف ده كله، بكل نسخه الأصلية اللي معايا، مش هيكون في قسم الشرطة بس... ده هيكون على مكتب مباحث الأموال العامة والمباحث الجنائية خلال عشر دقائق بالظبط. أنا مش بس مراتك المغفلة اللي ضحكتوا عليها وسرقتوا ميراثها وعمرها، أنا اللي هندمكم كلكم على اليوم اللي فكرتوا فيه تبيعوني وتلعبوا بيا وبحق أبويا!" تراجع كريم فجأة كأن سهم ضربه في صدره، وسقط على ركبتيه على أرضية الغرفة الخشبية، ودموعه تنهمر بغزارة على خدوده.. لا حزنًا على خيانته ولا ندماً على اللي عمله فيا، بل خوفاً وهلعاً على مستقبله ومصيره المجهول خلف الأسوار العالية. أما نجلاء، فكانت انهارات على الكرسي وأخذت تبكي وتولول وتضرب على فخذيها بجهل ورعب وهي ماسكة بطنها، بينما وقفت حماتي مذهولة ومصلوبة في مكانها، مش مصدقة إن خطتها المحكمة اللي دبرتها بعناية لضمان حفيد العيلة وميراثه المتربص به قد تحولت في لحظة لكابوس مرعب بيحرق الأخضر واليابس وبيهد الشقة على دماغهم. نظرت إليهم جميعًا نظرة أخيرة خالية من أي شفقة أو رحمة أو عاطفة، نظرة إنسانة اتولدت من جديد من ركام الألم والخيانة. قلت بهدوء شديد وأنا بألم أوراقي وبأتجه نحو باب الشقة بخطوات واثقة: "الفطير والتورتة هسيبهم لكم هنا على الترابيزة... يمكن تحتاجوهم وتسدوا بيهم جوعكم في الحبس." خرجت من الشقة وأغلقت الباب خلفي بقوة وهدوء في آن واحد، رزعة الباب رنت في العمارة كلها، وتركتهم في عتمة أكاذيبهم وجرائمهم يواجهون مصيرهم المحتوم والتحقيقات اللي مستنياهم. وفي الشارع، كانت نسمات الهواء اللطيفة تداعب وجهي وتطرد ريحة الخيانة من صدري، وشعرت للمرة الأولى منذ سنوات طويلة أن روحي قد تحررت بالكامل، وأن الفجر الحقيقي قد بدأ يشرق في حياتي، بلا رجعة وبلا غفران لمن لا يستحقون حتى الدموع. تمت