دفع

جوزفين مسكت إيده فجأة.
كانت بتبص لأحد الرجال بتركيز شديد.
وبعدين همست بكلمات خلت سايروس ينسى الخطر اللي حواليهم
أنا أعرف الراجل ده…
سايروس سألها
مين ده؟
جوزفين بدأت ترتعش، وعينيها اتملت بالدموع.
ده الدكتور اللي عالجني بعد الحريق… الدكتور اللي أبويا قال لي إنه مات من سنين!
لكن الدكتور ما كانش جاي يقتلهم وبس.
كان ماسك في إيده ورقة قديمة، ولما رفعها ناحية الضوء، جوزفين شافت صورة أمها في أعلاها.
وتحت الصورة كان فيه اسم مكتوب بخط واضح.
الاسم اللي أمها حاولت تخفيه سبعتاشر سنة… واللي ممكن يثبت إن جوزفين مش البنت اللي الكل فاكرها!
يتبع…
الجزء الخامس
الحقيقة اللي قلبت حياة جوزفين في لحظة!
سايروس كان مستخبي ورا الصخرة، ماسك بندقيته بإيد، وسند صمويل المصاب بالإيد التانية، بينما جوزفين كانت باصة للدكتور اللي واقف وسط التلج، مش قادرة تصدق إن الراجل اللي اتقال لها إنه مات من سنين لسه عايش.
الدكتور رفع الورقة تاني، وقال بصوت عالي
جوزفين! أنا عارف إنك سامعاني. إنتِ مش فاهمة إنتِ بتدوري على إيه، ولا إيه اللي هيحصل لو الورق ده وصل للمحكمة!
جوزفين صرخت من ورا الصخرة
إنت كنت فين طول السنين دي؟! ليه سبتني أعيش وأنا فاكرة إن أمي ماتت في حادثة؟!
الدكتور سكت لحظة، وبعدين رد
لأني كنت خايف!
خايف من مين؟!
من إلياس ثورنتون… ومن الناس اللي كانوا مستعدين يقتلوا أي حد
يعرف الحقيقة!
سايروس بص لصمويل، اللي كان ضاغط على جرح كتفه بقطعة قماش.
صمويل همس بصعوبة
ما تصدقش كل كلامه يا سايروس. الدكتور ده كان عنده فرصة يقول الحقيقة من زمان، لكنه اختار يسكت.
الدكتور سمع كلامه، فرفع صوته بغضب
وإنت يا برادوك آخر واحد يحق له يتكلم عن الشجاعة! إنت هربت، وسيبت مارجريت تواجه مصيرها لوحدها!
جوزفين حسّت إن كل واحد فيهم بيحاول يرمي الذنب على التاني، وإن الحقيقة اللي فضلت تدور عليها طول عمرها لسه بعيدة عنها.
فخرجت من ورا الصخرة خطوة، ووقفت قدامهم.
سايروس صرخ
جوزفين! ارجعي ورايا!
لكنها ما رجعتش.
رفعت وشها ناحية الدكتور وقالت
إنتوا كلّكم عشتوا سنين طويلة، وكل واحد فيكم كان عنده فرصة يحكيلي الحقيقة. وأنا كنت عايشة لوحدي، بخبي وشي عن الناس، وبسمعهم وهما بيقولوا إني مسخ!
صوتها اتكسر، لكنها كملت
لو عندك ذرة رحمة، قول لي أمي ماتت إزاي، ومين أبويا الحقيقي!
الدكتور نزل الورقة من إيده.
وبعد صمت طويل، قال
أبوكي الحقيقي اسمه إدوارد هيل.
صمويل غمض عينيه، وكأنه كان مستني اللحظة دي من سنين.
أما جوزفين، ففضلت واقفة مكانها، مش فاهمة الاسم ده معناه إيه.
الدكتور كمل
إدوارد كان محاميًا معروفًا في سانت لويس، وكان مسؤولًا عن مراجعة حسابات شركة الأخشاب. هو اللي اكتشف إن إلياس بيزوّر السجلات وبيسرق أموال الشركاء. ولما عرف إن مارجريت معاها الأدلة، حاول يساعدها تحمي نفسها وتحميكي.
جوزفين همست
يعني أبويا كان بيحب أمي؟
الدكتور هز راسه.
أيوه. لكنه ما قدرش يحميها من كل اللي حصل.
سايروس سأله
طيب، إيه علاقة
والد سايروس بالقصة دي؟
الدكتور بص له مباشرة، وقال
أبوك كان الشاهد الوحيد اللي شاف مين أشعل النار في المخزن. وبعد الحريق، أخفى جزءًا من الأدلة عشان يمنع إلياس من الوصول ليها.
سايروس حس إن قلبه اتقبض.
وليه ما قالش لي؟
لأنه كان فاكر إن سكوتك هيحميك. لكن قبل ما يموت، كتب رسالة وطلب مني أوصلها لك لو إلياس رجع يدور على جوزفين.
سايروس افتكر الرسالة القديمة اللي لقاها في الصندوق، والوصية اللي أبوه قاله فيها إنه ما يصدقش أي حاجة هيسمعها عنه.
وفجأة، بدأ يفهم إن أبوه ما كانش بيحاول يهرب من الحقيقة… كان بيحاول يحميه من ناس مستعدة تعمل أي حاجة عشان تدفنها.
لكن جوزفين ما كانتش لسه عرفت أهم جزء في الحكاية.
بصت للدكتور وسألته
لو إدوارد هو أبويا، ليه أمي ما قالتليش؟ وليه عشت مع جورج ميلر طول السنين دي؟
الدكتور تنهد وقال
لأن جورج كان هو اللي سجّل اسمك في الأوراق بعد الحريق، بعدما اختفى إدوارد. مارجريت كانت خايفة إن الناس اللي بتلاحقها ياخدوكي منها، فخلّتك تعيشي تحت اسم مختلف، على أمل إنهم ما يلاقوكيش.
جوزفين حطت إيديها على وشها.
كل اللي كانت فاكرة إنه حقيقتها بدأ يتغير قدام عينيها.
لكن قبل ما الدكتور يكمل، صمويل صرخ
كفاية كلام! إحنا مش لوحدنا!
في اللحظة دي، ظهر إلياس ثورنتون من بين الأشجار، ومعاه أربعة رجال مسلحين.
كان لابس معطفًا أسود طويلًا، وفي إيده عصاية فضية، وعلى صباعه خاتم رأس الذئب.
بص لجوزفين بابتسامة باردة وقال
أخيرًا، بقيتي عارفة اسم
أبوكي الحقيقي. بس لسه فيه حاجة واحدة ما تعرفيهاش.
سايروس رفع بندقيته ناحيته.
خطوة واحدة كمان، وهتندم!
إلياس ضحك بسخرية.
إنت فاكر إنك بطل يا كريد؟ أبوك كان أذكى منك، ومع ذلك ما قدرش يوقفني.
وبعدين أشار لواحد من رجاله، فالراجل طلع ورقة قديمة من جيبه.
إلياس رفعها قدام جوزفين وقال
دي شهادة ملكية أرض في ولاية أيداهو، باسم إدوارد هيل. الأرض دي فيها منجم ذهب، ولو الأوراق الأصلية ظهرت، هيبقى من حقي أطالب بيها باعتباري الوريث القانوني الوحيد للشركة!
جوزفين بصت له باستغراب.
وإيه علاقة ده بأمي؟
إلياس قرب خطوة وقال
أمك اكتشفت إن المنجم اتسجّل باسم الشركة بطريقة غير قانونية. وكانت معاها المستندات اللي تثبت إن الأرض مش ملكي، وإن جزءًا كبيرًا من الأرباح اتاخد من غير حق.
وبعدين ابتسم وأضاف
لكن المشكلة إن أمك خبّت الورق، وأبوكي الحقيقي اختفى، والشاهد الوحيد مات من سنين.
سايروس رد بحدة
إنت بتتكلم عن أبويا كأنه مات من غير ما يسيب دليل!
إلياس لف ناحيته، وابتسامته اختفت للحظة.
أبوك ساب دليل فعلًا… لكن الدليل ده كان في إيده قبل ما يموت، وأنا فضلت سنين بدوّر عليه.
جوزفين فجأة افتكرت حاجة.
قبل الحريق بيوم، أمها كانت قاعدة جنبها، وطلبت منها تحفظ جملة غريبة، وقالت لها إن الجملة دي هتكون مفتاحًا لحاجة مهمة لما تكبر.
وقتها جوزفين كانت صغيرة، وما فهمتش معناها.
لكن دلوقتي، وسط التلج والخطر، الكلمات رجعت لذاكرتها بوضوح.
لما القمر يختفي ورا الجبل، دوري على البيت اللي ملوش باب… هناك هتلاقي الحقيقة اللي محدش
يقدر يشتريها.
جوزفين رفعت رأسها فجأة.
البيت اللي ملوش باب!
افتكرت كوخًا حجريًا قديمًا في الغابة، كان أبوها جورج بيمنعها تقرب منه، ويقول لها إنه مهجور وممكن يقع في أي لحظة.
بصت لسايروس وهمست
أنا عارفة مكان الورق!
سايروس سألها بسرعة
فين؟!
لكن قبل ما تجاوب، إلياس سمع همسها، وفهم من نظرتها إنها افتكرت حاجة.
فصرخ برجاله
امسكوها! ما تخلوهاش توصل للمخزن!
الرجال اندفعوا ناحيتهم.
سايروس أطلق طلقة في الهواء عشان يوقفهم، وصمويل سحب الدكتور بعيدًا عن خط النار، وجوزفين جريت ناحية الغابة وسط التلج.
سايروس لحقها، وهو بيصرخ
جوزفين! استني!
لكنها ما وقفتش.
كانت بتجري ناحية الكوخ الحجري، المكان اللي فضلت طول طفولتها ممنوعة تقرب منه.
وبعد دقائق من الجري، وصلوا أخيرًا.
كان الكوخ صغيرًا، سقفه منهار جزئيًا، وبابه القديم متثبت بالخشب والمسامير.
جوزفين وقفت قدامه، وهي بتاخد نفسها بصعوبة.
أمي قالت لي إن الحقيقة هنا… بس عمرها ما قالت لي إزاي أوصل لها.
سايروس فحص الباب، ولاحظ إن الخشب قديم جدًا، لكن القفل جديد نسبيًا.
طلع المفتاح النحاسي اللي أخده من صمويل، وجرّب يدخله في القفل.
المفتاح دخل بسهولة.
وبمجرد ما لفّه، سمعوا صوت طقطقة جاية من جوه الحيطة.
جزء من الأرضية الحجرية اتحرك، وظهر تحته تجويف صغير.
سايروس نزل على ركبته، ومد إيده جوه التجويف، وطلع صندوقًا خشبيًا ملفوفًا بقماش مشمع.
جوزفين قربت منه، وقلبها بيدق بعنف.
فتحوا الصندوق، فلقوا جواه مجموعة مستندات قديمة، وخطابات مختومة، وصورة لوالدتها وهي واقفة جنب رجل شاب.
على ظهر الصورة كانت فيه جملة مكتوبة بخط أمها
إدوارد هيل، والد جوزفين الحقيقي… والرجل الوحيد اللي حاول ينقذنا.
لكن
تحت الصورة كان فيه خطاب مختوم باسم سايروس كريد الأب.
سايروس فتح الخطاب بإيدين مرتعشتين، وبدأ يقرأ.
كل ما كان بيقرأ سطر، وشه كان بيزداد شحوبًا.
جوزفين سألته بقلق
مكتوب إيه؟!
سايروس رفع عينيه ناحيتها، وقال بصوت مخنوق
أبويا كان عارف إن إدوارد هيل لسه عايش وقت ما كتب الخطاب ده…
سكت لحظة، وبعدين كمل
والأسوأ من كده… إنه كتب عنوان المكان اللي كان إدوارد مستخبي فيه، وطلب من حد يوصّله ليه قبل ما إلياس يوصله الأول.
جوزفين خطفت الخطاب من إيده، وبدأت تقرأ العنوان.
لكن أول ما وصلت لآخر سطر، إيديها بدأت ترتعش.
العنوان ما كانش في سانت لويس، ولا في أوريغون سيتي.
كان في بلدة صغيرة على بُعد يومين من كوخ سايروس.
وتحت العنوان مباشرة، كانت فيه جملة أخيرة مكتوبة بخط والد سايروس
لو وصلت الرسالة دي لابني، لازم يعرف إن إدوارد هيل ما اختفاش بإرادته… وإن الشخص اللي حبسه بعيد عن بنته كل السنين دي، موجود أقرب مما يتخيل.
وفجأة، سمعوا صوت خطوات برّه الكوخ الحجري.
خطوات بطيئة، بتقرب من الباب.
وبعدين جه صوت راجل من وسط الظلام
جوزفين… أنا عارف إنك جوه.
جوزفين حبست نفسها.
الصوت كان مألوفًا بشكل مرعب.
كان صوت الراجل اللي رباها طول طفولتها…
جورج ميلر، أبوها اللي اتقال لها إنه مات من تلات شهور!
يتبع…
الجزء السادس
أبوها اللي مات من تلات شهور… واقف برّه الباب!
جوزفين حست إن رجليها مش شايلينها.
الصوت اللي سمعته برّه الكوخ كان مستحيل يكون حقيقي، أو على الأقل ده اللي كانت بتحاول تقنع نفسها بيه.
جورج ميلر، الراجل
اللي رباها، واللي قضت عمرها فاكرة إنه مات من تلات شهور، كان واقف برّه وبينده عليها باسمها!
سايروس رفع البندقية، ووقف قدامها.
ما تتحركيش من مكانك.
لكن جوزفين كانت بتتهز من الصدمة، وبتهمس لنفسها
أنا حضرت جنازته… أنا شفت النعش بعيني!
الصوت رجع تاني من برّه
جوزفين، عارف إن عندك أسئلة كتير، وعارف إنك مش هتصدقي كلامي بسهولة. بس لو ما خرجتيش دلوقتي، إلياس هيوصل لك قبل ما تعرفي الحقيقة كاملة.
سايروس قرب من الباب، وقال بصوت حازم
لو إنت جورج فعلًا، قول لنا حاجة محدش يعرفها غيرك!
سكت الراجل شوية، وبعدين قال
لما كانت جوزفين عندها عشر سنين، وقعت في النهر وهي بتحاول تجيب سلة الغسيل اللي جرفها التيار. أنا نزلت وراها، وطلعتها بنفسي، وبعدها فضلت أسبوعين أخاف أسيبها تبعد عن البيت.
جوزفين حطت إيدها على بُقها.
الذكرى دي كانت حقيقية، ومحدش يعرف تفاصيلها غيرها وغير جورج.
همست
بابا…
لكن سايروس منعها من الاقتراب.
استني. إنه يعرف ذكرياتك مش معناه إننا نقدر نثق فيه.
جوزفين بصت له، ودموعها بتنزل.
حتى لو كان كداب، أنا محتاجة أعرف ليه كل ده حصل!
سايروس فضّل متردد لحظات، وبعدها فتح الباب بحذر، وهو مصوّب البندقية ناحية الرجل الواقف برّه.
كان راجلًا عجوزًا، شعره أبيض، ووشه شاحب، وهدومه مبلولة من التلج.
ولما شاف جوزفين، عينيه اتمَلَت بالدموع.
يا بنتي…
جوزفين ما قدرتش تتحرك.
كانت عايزة تجري عليه، وفي نفس الوقت خايفة يكون كل اللي قدامها خدعة جديدة.
سألته بصوت مرتعش
إنت متّ إمتى؟!
جورج نزل عينيه للأرض.
ما متّش يا جوزفين.
أمال مين اللي دفناه؟!
جورج سكت، وملامحه اتشدت من الألم.
الراجل اللي اتدفن في القبر ده كان أخويا، توماس. مات قبلّي بأيام، وإلياس استغل موته عشان يخلّي الناس تفتكر إني أنا اللي متّ.
جوزفين رجعت خطوة لورا.
وإنت سبتني أعيش كل ده لوحدي؟! سبتني أتعرض للإهانة، وأتبعث من بيت لبيت، لحد ما اتبعت في السوق زي الحيوانات؟!
جورج حاول يقرب منها، لكنها رفعت إيدها تمنعه.
ما تقربش!
وقف مكانه، وكأنه تلقّى ضربة أقوى من أي سلاح.
سايروس تدخّل وقال
كفاية كلام دلوقتي. عايزين نفهم إنت كنت فين، وليه إلياس بيدوّر على جوزفين، وإيه علاقة أبويا بالموضوع ده كله.
جورج بص له باهتمام.
أبوك كان راجل شريف يا سايروس. وهو الوحيد اللي حاول يساعدني لما اكتشفت إن إلياس بيزوّر مستندات ملكية الأراضي وبيستولي على أرباح الشركة.
طيب ليه أبويا خبّى الحقيقة عني؟
لأنه كان عارف إن إلياس ممكن يستخدمك ضدي. أبوك كان معاه نسخة من السجلات الأصلية، وكان مستعد يسلّمها للمحكمة، لكن قبل ما يعمل كده، اختفى جزء من المستندات.
سايروس افتكر الصندوق الحديدي اللي لقاه تحت أرضية كوخه.
إحنا لقينا مستندات بالفعل، لكن فيه ورقة ناقصة.
جورج هز رأسه.
الورقة الناقصة هي أهم ورقة في القضية. فيها أسماء الأشخاص اللي شاركوا إلياس في التزوير، وتوقيعاتهم الأصلية.
جوزفين سألت بسرعة
وأمي؟ إيه اللي حصل لها بالضبط؟
جورج غمض عينيه، وكأنه بيحاول يستجمع شجاعته.
أمك اكتشفت إن إلياس بيخطط يحرق مخزن الأخشاب عشان يدمّر السجلات اللي بتدينه. حاولت تهرب بالمستندات، لكن الحريق
بدأ قبل ما تخرج من المبنى.
وإنت كنت فين؟!
كنت بحاول أوصل لها، لكن إلياس ورجاله حاصروا المكان. لما قدرت أدخل، لقيتها مصابة، وكانت بتحاول تنقذك.
جوزفين بدأت تبكي بحرقة.
جورج كمل بصوت مكسور
قبل ما تموت، طلبت مني أحافظ عليكي، وأخليكي تعيشي بعيد عن الناس اللي تسببوا في موتها. ولما عرفت إن إلياس بيدوّر عليكي، اضطرّيت أخفي هويتي، وأخلي الناس تفتكر إني متّ.
جوزفين ردّت بغضب
تحميني من إيه؟! من الحقيقة؟! ولا من إنك تواجه اللي حصل؟!
جورج ما لاقاش إجابة.
لأول مرة، الراجل اللي كانت بتعتبره أبوها وقف قدامها من غير أي حجة يدافع بيها عن نفسه.
وبعد لحظة صمت، مد إيده داخل معطفه، وطلع خطابًا قديمًا.
أمك سابت لك الرسالة دي. طلبت مني ما أديهاش لك إلا لما تبقي مستعدة تعرفي كل حاجة.
جوزفين أخدت الخطاب بإيدين مرتعشتين.
كان عليه اسمها بخط أمها.
قعدت على صندوق خشبي، وفتحت الخطاب بحذر، وبدأت تقرأ بصوت منخفض
بنتي الحبيبة جوزفين…
لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى أنا ما قدرتش أكون جنبك وإنتِ بتكبري، وده أكتر شيء وجع قلبي.
عايزاكي تعرفي إن وشك عمره ما كان عيب، وإن الندبات اللي على جلدك مش دليل على إنك أقل من أي إنسان. دي آثار يوم حاولت فيه أحميكي، ولو كان ليا عمر تاني، كنت هعمل نفس الشيء من غير تردد.
فيه ناس هتحاول تقنعك إن شكلك هو اللي بيحدد قيمتك، لكن ما تصدقيهمش. الإنسان بيتعرف بأفعاله، مش بملامحه.
وفيه سر تاني لازم تعرفيه…
أبوكي الحقيقي، إدوارد هيل، ما
سابكيش بإرادته. هو اتجبر يبعد عنك عشان يحميكي من الناس اللي كانوا عايزين يستغلوا اسمه وفلوسه.
لو قدرتي توصلي له يومًا، قولي له إني سامحته، وإني كنت عارفة إنه بيحاول يرجع لك مهما حصل.
لكن خلي بالك يا بنتي… الشخص اللي تسبب في كل المصايب دي مش بعيد عنك زي ما إنتِ فاكرة.
هو شخص وثقت فيه، واعتبرته من أهلك، وكان دايمًا بيقول إنه بيحميكي.
جوزفين وقفت عن القراءة.
رفعت عينيها لجورج، ووشها مليان صدمة.
أمي كانت تقصد مين؟
جورج ما ردش.
سايروس لاحظ إن الراجل العجوز بيبص ناحية الباب، وكأنه سمع صوتًا بعيدًا.
فجأة، قال بصوت منخفض
لازم نمشي من هنا حالًا.
سايروس سأله
ليه؟
جورج قرب من الشباك الصغير، وبص من خلاله.
لأن إلياس عرف إننا لقينا الصندوق، ومش هيستنى لحد الصبح.
وفي اللحظة دي، ظهر ضوء مشاعل بين الأشجار، وبدأت أصوات الرجال تقرب من الكوخ.
جوزفين لمّت الخطاب والصورة، وحطتهم جوه معطفها.
سايروس جهّز بندقيته، لكن جورج مسكه من ذراعه وقال
فيه طريق خلفي بيخرج على مجرى النهر. لو اتحركنا دلوقتي، نقدر نوصل لمكان آمن قبل ما يحاصرونا.
خرجوا من الباب الخلفي، ومشوا وسط التلج، لحد ما وصلوا لممر ضيق بين الصخور.
لكن قبل ما يدخلوا الممر، جورج وقف فجأة.
بص لسايروس، وقال
فيه حاجة لازم تعرفها عن أبوك. الحقيقة اللي كنت مخبيها عنك طول السنين دي، ممكن تغيّر كل اللي إنت فاكره عن عيلتك.
سايروس حس بالقلق.
إيه هي؟
جورج تنهد، وبعدين قال
أبوك ما كانش مجرد شريك في تجارة الأخشاب. كان هو الشخص
اللي وقّع أول مستند نقل ملكية الأرض لإلياس، وبعدها اكتشف إن التوقيع اتستخدم بطريقة غير قانونية.
سايروس اتصدم.
يعني أبويا هو اللي بدأ كل ده؟!
لأ، هو وقّع المستند بحسن نية،

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *