دفع 50 دولار عشان يتجوز ست أهل البلد كلهم بيقولوا عليها مسخ! بس أول ما مد إيده عشان يشيل الشوال اللي مخبي وشها، كانت مرعوبة إنه يرفضها هو كمان ويكسر قلبها! إيداهو بلدة أوروفينو، نوفمبر سنة 1884 سايروس كريد كان راجل جبال عاش سنين طويلة لوحده وسط البراري والجبال الوعرة. شاف الموت بعينه أكتر من مرة، وعدّى بمصايب كتير ناس غيره ما كانتش هتقدر تستحملها... بس عمره ما تخيل إن البشر ممكن يبقوا بالقسوة دي! في يوم من أيام نوفمبر الساقعة، نزل سايروس البلد عشان يشتري ملح وبارود ومؤن، قبل ما التلج ينزل ويقفل طرق الجبال ويحبسه في كوخه طول الشتا. وهو ماشي في السوق، سمع صوت ضحك وسخرية جاي من ناحية عربية بضايع، وكان حواليها ناس كتير متجمعة. حب يعرف فيه إيه، فقرّب منهم، لكن أول ما شاف المنظر اللي قدامه، وقف مكانه، وفكّه اتشد من الغضب! كان فيه راجل اسمه ثاديوس كوبر واقف فوق العربية، رافع ورقة جواز في إيده وبيصرخ وسط الناس يا جماعة، الست دي جاية من آخر الدنيا، من سانت لويس، عشان تتجوز جيرميا هيجنز! بس أول ما العريس رفع الغطا عن وشها، اتصدم لدرجة إنه كان هيستفرغ! الجوازة اتلغت يا جماعة! الست دي مشوّهة... دي مسخ! الناس انفجروا في الضحك، وكأنهم بيتفرجوا على عرض مسلي، مش على إنسانة واقفة قدامهم بتتكسف وبتتألم! جنب العربية كانت واقفة بنت شابة، لابسة فستان رمادي متسخ، وجسمها كله بيرتعش من البرد والخوف. وشها كان مستخبي بالكامل تحت شوال خشن من الخيش، معمول فيه فتحتين صغيرين مش متساويين عند عينيها. كانت حاضنة نفسها بإيديها، ومطأطية راسها، وكأنها بتتمنى الأرض تنشق وتبلعها، بدل ما تفضل واقفة وسط كل الإهانة دي. وفجأة، واحد من عمال المناجم السُكْرانين مسك حتة طين متجمدة ورماها عليها، فالطينة خبطتها في كتفها. البنت اتنفضت من الوجع، لكنها حتى ما صرختش! فضلت ساكتة، كأنها اتعودت على الوجع، واتعلمت إن مهما اتألمت، محدش هيدافع عنها. كوبر رفع صوته تاني وقال عشرين دولار بس! مين ياخدها؟ تقدر تنظف الأرضيات، وترعى المواشي، وتعمل أي شغل تطلبه منها! بس فيه شرط واحد... تفضل مخبية وشها بالشوال ده طول الوقت! واحد من الواقفين صرخ وهو بيضحك دي لو ببلاش، مش هاخدها! دي ما تسواش حتى سنتين! الضحك زاد، لكن سايروس ما ضحكش. فضل واقف مكانه، عينيه متثبتة على البنت المسكينة، وفكّه مقفول من شدة الغضب. كان في وشه ندبة كبيرة، سايبها هجوم أسد جبلي من سنين. والندبة دي كانت بتفكره كل يوم بنظرات الناس ليه، وبالهمسات اللي بيسمعها من وراه، لمجرد إن شكله مختلف عنهم. هو بنفسه عرف يعني إيه الناس تحكم عليك من شكلك قبل حتى ما تعرف إنت مين، أو قلبك عامل إزاي. لكن عمره ما شاف قرية كاملة بتعامل إنسانة ضعيفة كأنها أقل من حيوان! كوبر صرخ للمرة الأخيرة عشرة دولارات! اللي مش هياخدها دلوقتي، هسيبها في الشارع تتجمد من البرد! تحت الشوال، جوزفين بدأت تعيط في صمت. دموعها كانت بتنزل على وشها، وهي بتحاول تكتم شهقاتها عشان محدش يسمعها ويقعد يسخر منها أكتر. وفي اللحظة دي، سايروس حس إن فيه حاجة جواه اتكسرت. شق طريقه وسط الناس، ومد إيده تحت معطفه التقيل، وطلع كيس مليان حبيبات دهب كان جمعها بنفسه من النهر، حتة حتة، على مدار سنين. ومن غير ما يفكر ثانية واحدة، رمى الكيس ناحية كوبر وقال بصوت حاسم اتفضل، خمسين دولار! جهّز ورق البيع! الضحك اختفى في لحظة! الناس بصوا لبعضهم بذهول، وكوبر مسك كيس الدهب وفتحه بسرعة. ولما شاف اللي جواه، عينيه لمعت بالطمع. ابتسم ابتسامة عريضة وقال اتفقنا! بقت بتاعتك يا راجل الجبال! ومد له الورق بسرعة، وقبل ما سايروس يمضي، بص له بنظرة مليانة مكر وقال بس ما تجيش بعدين تلومني لما تعرف إيه اللي مستخبي تحت الشوال ده! صدقني، إنت محتاج معدة قوية عشان تستحمل المنظر! سايروس ما ردش عليه حتى. بدل ما يضيع وقته معاه، لف ناحية جوزفين، وقرب منها بهدوء، ومد إيده ناحيتها، وهو لسه لابس القفاز. جوزفين بصت له من الفتحات الصغيرة اللي عند عينيها. أبوها نفسه تخلى عنها، والراجل اللي كان المفروض يبقى جوزها فضحها وأهانها قدام البلد كلها. ودلوقتي، فيه راجل غريب عمرها ما شافته قبل كده، دفع خمسين دولار عشان ياخدها معاه لوسط الجبال! إيديها كانت بتترعش لدرجة إنها حاولت تمسك إيده مرتين، وفي المرتين صوابعها ما قدرتش تثبت. لكن في المحاولة التالتة، قدرت أخيرًا تمسك إيده بأطراف صوابعها. سايروس بص لها وقال بصوت هادي تعالي... هنروح مكان دافي. قضوا خمس ساعات كاملة وسط التلج اللي كان بينزل بغزارة، وهما في طريقهم لكوخه المعزول وسط الجبال. جوزفين كانت ملفوفة في بطاطين تقيلة فوق ضهر الحصان، وسايروس ماشي جنبه، بيقوده بحذر وسط الطريق الوعر. طول الطريق، جوزفين ما حاولتش تشيل الشوال ولا حتى مرة واحدة. وكل ما سايروس يبص ناحيتها، يلاحظ صوابعها ماسكة في الخيط المربوط حوالين رقبتها بقوة، كأنها خايفة لو الشوال اتشال، حياتها كلها هتنتهي في اللحظة دي. ولما وصلوا أخيرًا، كان الليل غطّى الغابة بالكامل. دخل سايروس الكوخ، وكانت فيه نار شغالة في المدفأة الحجرية، وريحة الشوربة السخنة مالية المكان. ساعد جوزفين تنزل، وبعدها حط قدامها طبق أكل وكوباية قهوة، وقعد على الكرسي اللي قصادها. عدّت شوية لحظات من غير ما حد فيهم يتكلم، لحد ما سايروس كسر الصمت وقال جوزفين، عايزك تفهمي حاجة كويس... أنا ما دفعتش الفلوس دي عشان أمتلكك، ولا عشان أخليكي خدامة عندي. رفعت راسها المغطاة بالشوال ببطء. كمل كلامه وهو بيبصلها بهدوء أنا دفعت عشان مفيش إنسان يستاهل إن الناس ترميه في الشارع كأنه زبالة. إيديها اللي كانت بتترعش وقفت للحظة. سايروس كمل إنتِ هنا في أمان. وطول ما إنتِ تحت سقف بيتي، محدش هيأذيكي. ولأول مرة من ساعة ما خرجت من البلد، جوزفين رفعت إيدها ناحية رقبتها، ولمست العقدة اللي مثبتة الشوال على راسها. سايروس لاحظ حركتها، فقال لها بهدوء أنا شفت دب بني ضخم وهو بيفتك براجل قدامي، وعشت سنين وسط الجبال بندبة في وشي بتفكرني كل يوم باللي حصل. مهما كان اللي مخبياه تحت الشوال ده، مش هيغيّر وعدي ليكي. جوزفين حاولت تفك الرباط، لكن صوابعها كانت بتترعش جامد، لدرجة إنها مش قادرة حتى ترخي العقدة. سايروس قام من مكانه بالراحة، ولف حوالين الترابيزة لحد ما وقف جنب كرسيها. وبعدين سألها برفق تسمحيلي أساعدك؟ جوزفين اتجمدت مكانها. هي سمعت وعود كتير قبل كده، لكن آخر راجل شاف وشها وصفها قدام الناس كلها إنها مسخ! فضلت ساكتة ثواني طويلة، مش قادرة تنطق ولا حتى تاخد نفسها بشكل طبيعي. وبعدين، وهي حاسة بالدموع بتنزل تحت الشوال الخشن، قفلت عينيها وهزت راسها هزة بسيطة بالموافقة. سايروس رفع إيديه بهدوء ناحية العقدة اللي ورا رقبتها. أصابعه لمست أول طرف من الخيط، وبدأ يفك الرباط واحدة واحدة. جوزفين حبست نفسها، وقلبها بيدق بعنف. كانت مستنية اللحظة اللي ملامح وشه هتتغير فيها، وطيبته هتختفي، وهيتحول هو كمان لواحد من الناس اللي رفضوها وكسروها. لكن اللي حصل بعد ما الشوال بدأ ينزل عن وشها... كان آخر حاجة ممكن أي حد فيهم يتوقعها! حكايات_زيزي يا ترى إيه السر اللي جوزفين كانت مخبياه طول السنين دي كلها؟ وليه أهل البلد كلهم كانوا بيعاملوها كأنها مسخ؟ وهل سايروس، الراجل اللي عاش عمره كله وحيد وسط الجبال، هيكون الوحيد اللي يقدر يشوف الحقيقة اللي محدش غيره قدر يشوفها؟ووو الجزء التاني السر اللي كان مستخبي تحت الشوال! سايروس مسك طرف الشوال، وبدأ ينزّله بالراحة عن وش جوزفين، خصلة ورا خصلة من شعرها البني ظهرت قدامه، وبعدها بان جبينها الشاحب اللي كان عليه آثار كدمات قديمة. لكن أول ما الشوال نزل لحد نص وشها، إيد سايروس وقفت فجأة! جوزفين حسّت بتوقفه، فقلبها وقع بين رجليها. كانت عارفة اللحظة دي كويس... اللحظة اللي بتسبق الرفض، والنظرة اللي بتتحول فيها الرحمة لقرف، والإنسان اللي قدامها بيقرر إنه مش عايز حتى يبص لها تاني. شدّت الشوال بإيديها بسرعة، وحاولت ترجعه مكانه، وهي بتقول بصوت مخنوق خلاص! أرجوك... مش لازم تكمل! أنا عارفة إنت شايف إيه، وعارفة إنك هتندم إنك جبتني هنا! سايروس ما اتحركش. فضل باصص لها، لكن مش بالطريقة اللي كانت متوقعاها. ما كانش فيه اشمئزاز في عينيه، ولا حتى خوف... كان فيه ذهول وحزن شديد، كأنه شاف قدامه مصيبة أكبر بكتير من اللي تخيلها. قال لها بهدوء جوزفين، بصّيلي لو سمحتي. هزّت راسها بعنف، والدموع بدأت تنزل من عينيها. لأ! كلهم قالوا إن محدش هيقدر يبص في وشي من غير ما يضحك! حتى الراجل اللي كان المفروض أتجوزه، أول ما شافني، جري بعيد عني! أبويا نفسه رفض إني أعيش في بيته! إنت فاكر نفسك هتقدر تستحمل حاجة محدش غيرك استحملها؟ سايروس سحب كرسي وقعد قدامها، من غير ما يحاول يقرب منها تاني. وبصوت ثابت قال أنا مش هلمسك، ومش هطلب منك تشيلي الشوال تاني، غير لما إنتِ بنفسك تكوني مستعدة. لكن عايزك تعرفي حاجة واحدة... أنا مش الراجل اللي باعك في السوق، ومش الناس اللي ضحكت عليكي. سكت لحظة، وبعدين أضاف ومش هسيبك تتأذي طول ما إنتِ هنا. جوزفين فضلت تبص له من خلال الفتحة الصغيرة، وكأنها بتحاول تعرف إذا كان كلامه حقيقي ولا مجرد خدعة جديدة. وبعد لحظات طويلة، إيديها بدأت ترتخي عن الشوال. سابته ينزل ببطء. ولما وشها ظهر بالكامل تحت ضوء النار، سايروس شاف حاجة ما كانش مستعد ليها أبدًا. وش جوزفين ما كانش مجرد وش عليه ندبات. كان الجانب الشمال من وشها مشدود بندبات قديمة، وملامح خدها وفكها متغيرة بشكل واضح، كأن إصابة عنيفة حصلت لها وهي طفلة، وبعدها الجروح التأمت من غير علاج مناسب. لكن اللي لفت نظر سايروس أكتر من الندبات، كان أثر قديم ممتد من جنب فكها لحد رقبتها، وحوالينه علامات صغيرة متكررة، كأن جلدها اتصاب واتعالج أكتر من مرة. جوزفين شافت الصدمة في عينيه، فغطّت وشها بإيديها وانهارت في العياط. قولها! يلا، قول إني مسخ زي ما كلهم بيقولوا! مش لازم تجاملني! أنا اتعودت! سايروس فضل ساكت ثواني. وبعدين قال جملة خلتها ترفع راسها ببطء مين اللي عمل فيكي كده؟ جوزفين بطلت عياط للحظة. السؤال ده ما كانش حد سألهولها قبل كده. كل الناس كانت بتسألها عن شكلها، وتضحك على ندباتها، أو تطلب منها تبعد عنهم... لكن محدش سألها مين السبب. حاولت تتكلم، لكن صوتها خرج متقطع كنت عندي سبع سنين... لما حصل الحريق. سايروس مال بجسمه لقدام، مركز معاها بكل انتباه. جوزفين بدأت تحكي، وهي بتفرك صوابعها المرتعشة في بعضها. كنا عايشين في بيت صغير على أطراف سانت لويس. أبويا كان بيشتغل في مخزن أخشاب، وأمي كانت بتخيط هدوم للناس. في ليلة من ليالي الشتاء، النار مسكت في المخزن اللي جنب بيتنا، والهواء كان شديد لدرجة إن النار انتقلت لبيتنا في دقائق. سكتت، وبلعت ريقها بصعوبة. أمي خرجت إخواتي الصغيرين، لكن أنا كنت نايمة في الأوضة اللي فوق. رجعت عشان تنقذني... وقدرت توصل لي، بس جزء من السقف وقع علينا. إيدها راحت ناحية الندبة الممتدة على خدها. أمي ماتت في الليلة دي وهي بتحاول تطلعني. وأنا فضلت محبوسة تحت الخشب لحد ما الجيران قدروا يخرجوني. سايروس نزل عينيه للأرض. كان فاكر إن الندبات دي مجرد إصابة قديمة، لكنه بدأ يفهم إن اللي قدامه مش حكاية شكل اتغير... دي حياة كاملة اتكسرت من وهي طفلة. جوزفين كملت الدكاترة قالوا لأبويا إن العلاج هيحتاج فلوس كتير، وإن العمليات ممكن تحسّن شكل وشي، بس مش هترجعه زي الأول. أبويا باع حاجات من البيت عشان يدفع أول علاج، وبعدها فلوسه خلصت. ومن يومها، بدأ يبص لي كأني أنا السبب في موت أمي. سايروس رفع عينيه ناحيتها بسرعة. إنتِ مالكيش ذنب في اللي حصل! ضحكت جوزفين ضحكة صغيرة موجوعة، وقالت أنا عارفة ده دلوقتي... لكن وأنا طفلة، كنت فاكرة إنه عنده حق. كل ما كان يشوفني، كان يفتكر اللي حصل. وكل ما حد من الجيران يبص لي، كان يطلب مني أغطي وشي. وبعدين سكتت فجأة. ملامحها اتغيرت، وبدأت تبص ناحية الباب كأنها سمعت صوتًا جاي من بعيد. سايروس لاحظ خوفها وسألها فيه إيه؟ جوزفين مسكت الشوال وضغطت عليه في حضنها. فيه حاجة تانية... حاجة محدش يعرفها غير أبويا، والراجل اللي كان المفروض أتجوزه. إيه هي؟ هزّت راسها، وعينيها اتملت بالرعب. الحريق ما كانش حادثة زي ما الناس فاكرة! سايروس وقف من مكانه ببطء. برّه الكوخ، الرياح كانت بتضرب الشبابيك، والخشب بيصدر صريرًا مع كل هبّة هوا. جوزفين بصت له وقالت قبل ما أمي تموت بأيام، سمعتها بتتشاجر مع أبويا. كانت بتقوله إنها مش هتسمح له ياخد فلوس من شخص معين، وإنها هتفضحه لو حاول يقرب مننا تاني. سايروس حس بقشعريرة باردة بتجري في ضهره. وأبوكي قال إيه؟ جوزفين غمضت عينيها، وكأنها بتحاول تسترجع ذكرى كانت بتجري منها طول عمرها. تاني يوم بعد الحريق، سمعت أبويا بيتكلم مع راجل غريب. كان فاكر إني نايمة، لكني كنت صاحيّة. قال له البنت شافت حاجة، ولو فضلت عايشة، ممكن كل اللي عملناه ينكشف. سايروس قرب من المدفأة، وحط حتة خشب جديدة في النار، لكنه ما كانش سامع غير صوت جوزفين. وإنتِ فاكرة إيه من اللي شوفتيه؟ جوزفين بدأت ترتعش من جديد. فاكرة باب المخزن... وفاكرة راجل واقف قدامه قبل ما النار تبدأ. كان لابس خاتم فضة كبير، عليه علامة غريبة شبه رأس ذئب. وفجأة، رفعت عينيها لسايروس، وقالت النهارده، قبل ما الراجل اللي اسمه كوبر يبيعني في السوق، شفت نفس العلامة على إيد واحد من الرجال اللي كانوا واقفين بيتفرجوا علينا! سايروس اتجمد مكانه. لأنه شاف العلامة دي قبل كده. مش في سانت لويس، ولا في أي سوق من أسواق المدن... شافها من سنين طويلة، محفورة على صندوق حديدي مدفون تحت أرض كوخه، صندوق كان صاحبه مات قبل ما يقدر يشرح له إيه اللي جواه! سايروس بص ناحية الركن البعيد من الكوخ، حيث الأرضية الخشبية اللي كان مخبي تحتها الصندوق. وبعدين رجع بص لجوزفين، وسألها بصوت منخفض الراجل اللي شوفتيه في السوق... كان طويل؟ عنده شعر أبيض، وبيعرج في رجله اليمين؟ جوزفين فتحت عينيها على آخرهما. أيوه! إنت تعرفه؟! سايروس ما ردش فورًا. راح ناحية الباب، قفله بالمزلاج، وبعدها نزل فانوس من على الحيطة ووقف قدامها. قال لها جوزفين، لازم تحكيلي كل حاجة تعرفيها عن الراجل ده. لأن لو إحساسي صح، فاللي حصل لأمك من سبعتاشر سنة، واللي حصل لك النهارده في السوق... مش حاجتين منفصلتين. وبعدين بص ناحية الأرضية اللي تحتها الصندوق الحديدي، وأضاف وفيه احتمال كبير إن الدليل الوحيد على الحقيقة موجود تحت رجليّ دلوقتي. لكن قبل ما سايروس يقدر يفتح الصندوق، سمعوا تلات خبطات قوية على باب الكوخ! خبطات متتالية، وراها صوت راجل جهوري من وسط العاصفة سايروس كريد! إحنا عارفين إن البنت عندك... افتح الباب، وسلّمها لينا، ومش هتتأذى! جوزفين شهقت، ووشها فقد لونه. همست وهي بترجع لورا ده هو... صاحب الخاتم! سايروس مد إيده ناحية بندقيته المعلقة فوق المدفأة، وبص للباب بعينين مليانين غضب. لكن جوزفين مسكت طرف معطفه بسرعة، وقالت له جملة خلت إيده تتوقف في مكانها استنى! إنت مش فاهم... الراجل ده مش جاي ياخدني عشان يقتلني! وبعدين قربت منه وهمست هو جاي ياخدني عشان يتأكد إن السر اللي في دماغي مات مع أمي... وإنّي مش فاكرة اسم الشخص اللي أمر بحرق بيتنا! يتبع... الجزء التالت السر اللي اتدفن سبعتاشر سنة... رجع يطارد جوزفين! سايروس وقف قدام الباب، والبندقية في إيده، بينما جوزفين كانت واقفة وراه بتترعش من الخوف. الخبطات اتكررت، المرة دي أعنف من الأول. سايروس! دي آخر مرة هطلب منك تفتح الباب بالذوق! سايروس رد لمحة نيوز بصوت عالي وإنت مين عشان تأمرني أفتح بيتي؟! جاله صوت ضحكة باردة من برّه. اسمي مش مهم. المهم إن البنت اللي عندك دي مش زي ما هي حكتلك. أبوها كان راجل حرامي وكداب، وأمها ماتت بسبب غلطة ارتكبوها هما الاتنين. إنت مالكش دعوة بالحكاية دي، سلّمها لينا وخد الفلوس اللي تعجبك. سايروس بص لجوزفين، لقاها بتهز راسها بسرعة، وبتهمس ما تصدقوش! دول نفس الناس اللي كانوا بييجوا بيتنا زمان! سايروس رجع بص للباب وقال أنا مش هسلّم حد لناس مستخبيين في العاصفة، ومش هبيع إنسانة زي ما اتباعت في السوق النهارده. لو عندكم كلام، قولوه من ورا الباب! سكت الراجل شوية، وبعدين صوته اتغير تمامًا. إنت مش فاهم يا كريد. إحنا مش جايين نشتري البنت. إحنا جايين نخلّصك من مصيبة إنت لسه مش عارف حجمها. مصيبة إيه؟ اسألها عن الصندوق الخشبي اللي أمها خبّته قبل الحريق! جوزفين شهقت، وحطت إيديها على بُقها. سايروس لف ناحيتها بسرعة. أي صندوق؟! جوزفين كانت بتبص للأرض، ودموعها بتنزل من غير ما تتكلم. وبعد لحظات قالت أمي كان عندها صندوق صغير، بتحتفظ فيه بخطابات وأوراق. قبل الحريق بيوم، نادتني وطلبت مني أخبيه في مكان محدش يعرفه. وإنتِ خبّيتيه فين؟ جوزفين رفعت عينيها ليه، وقالت بصوت متقطع تحت أرضية مخزن الأخشاب... بس لما رجعت أدور عليه بعد الحريق، لقيت المكان كله اتحرق، والصندوق اختفى. سايروس حس إن كل حاجة بدأت تتربط ببعضها. الخاتم الفضي اللي عليه رأس الذئب، والراجل اللي ظهر في السوق، والصندوق الحديدي المدفون تحت أرضية كوخه، والناس اللي مصممين ياخدوا جوزفين مهما كان الثمن. لكن فيه سؤال واحد كان لسه من غير إجابة إيه اللي يخلي ناس تستعد تواجه راجل عايش لوحده وسط الجبال، وفي عز عاصفة تلج، لمجرد إنها تاخد بنت مصابة وملهاش حد في الدنيا؟ سايروس رجع ناحية الباب، لكن قبل ما ينطق، سمع صوت تاني من برّه. صوت راجل أكبر في السن، بيتكلم بنبرة هادية بشكل مخيف يا سايروس، أنا مش عايز أأذيك. أنا عارف إنك راجل شريف، وعارف إنك مش هتقبل إن حد يهددك في بيتك. لكن البنت دي معاها معلومة ممكن تودّي ناس كتير للمشنقة، حتى لو هي نفسها مش فاهمة معناها. جوزفين همست ده صوته... سايروس سألها تعرفيه؟ هزّت راسها. أيوه. ده الراجل اللي كان بيزور أبويا بعد موت أمي. كان بييجي كل كام شهر، وأبويا كان أول ما يشوفه يقفل الشبابيك ويطلب مني أدخل أوضتي. وبعدين مسكت ذراع سايروس وقالت مرة، سمعت أبويا بيقوله البنت مش فاكرة حاجة، سيبها تعيش بعيد عننا. والراجل رد عليه إنت عارف كويس إن الذكريات ممكن ترجع في أي وقت. سايروس قبض إيده على البندقية. دلوقتي بقى متأكد إن الموضوع أكبر من مجرد خلاف قديم. وفجأة، الراجل اللي برّه قال جوزفين! أنا عارف إنك سامعاني. أبوكي مات من تلات شهور، وقبل ما يموت، بعت لنا رسالة قال فيها إنك أخيرًا هتتجوزي وتخرجي من حياته. إحنا سيبناكي في حالك طول السنين اللي فاتت، لكن ظهورك في إيد كوبر النهارده غيّر كل حاجة. جوزفين صرخت من ورا الباب كداب! أبويا عمره ما كان بيحبني، ولا عمره فكر في مستقبلي! الراجل رد ببرود يمكن ما كانش بيحبك، لكن كان خايف عليكي. وفيه فرق كبير بين الاتنين. وبعدين قال جملة خلت جوزفين تنهار على الكرسي أمك ما ماتتش وهي بتحاول تنقذك من الحريق وبس. أمك ماتت لأنها رفضت تسلّمنا الورق اللي كان معاها! سايروس بص لجوزفين، ولأول مرة شاف في عينيها حاجة غير الخوف. شاف غضب سنين طويلة، وغضب بنت اتسرق منها عمرها كله بسبب سر محدش رضي يقولها حقيقته. قامت من مكانها، وشالت الشوال من على الكرسي، وقالت بصوت مرتعش لكنه واضح لو إنتوا عايزين الورق، قولوا لي الحقيقة الأول. مين اللي قتل أمي؟ سكتوا برّه. ثواني طويلة عدّت، مفيش فيها غير صوت الرياح وهي بتخبط في جدران الكوخ. وبعدين الراجل الكبير رد لو فتحتي الباب، هتعرفي كل حاجة. سايروس وقف قدام جوزفين فورًا. محدش هيفتح الباب غير لما أعرف إنتوا مين. الراجل تنهد، وبعدها قال اسمي إلياس ثورنتون. كنت شريك أمك في تجارة الأخشاب، قبل ما تحصل المصيبة دي كلها. سايروس اتسمر مكانه. لأنه الاسم ده كان مكتوب على ورقة قديمة لقاها جوه الصندوق الحديدي المدفون تحت الكوخ! لكن المفاجأة الأكبر كانت لما إلياس كمل كلامه والصندوق اللي إنت مخبيه تحت أرضية بيتك يا سايروس، مش ملكك. ده كان ملك أبوك، وأنا جاي آخد حقي منه! سايروس حس إن الأرض بتتهز تحت رجليه. أبوه مات من أكتر من عشر سنين، وكان طول عمره فاكره مجرد عامل بسيط اشتغل في قطع الأخشاب قبل ما ينتقل للجبال. إزاي بقى ليه علاقة بتجارة أم جوزفين؟ وإيه اللي يخلي إلياس يعرف مكان الصندوق بالتحديد؟ سايروس قرر إنه مش هيستنى أكتر من كده. راح ناحية الركن البعيد، ورفع السجادة القديمة، وبعدها بدأ يشيل الألواح الخشبية واحدة واحدة. جوزفين وقفت جنبه، بتتابع كل حركة، لحد ما ظهر الصندوق الحديدي الصغير اللي كان مدفون تحت الأرض. الصندوق كان عليه قفل صدئ، وفوق غطاه علامة رأس الذئب محفورة بوضوح. سايروس جاب مطرقة صغيرة، وضرب القفل مرتين لحد ما اتكسر. فتح الغطا ببطء. كان جواه شوية خطابات قديمة، وصورة باهتة لثلاث رجالة واقفين قدام مخزن أخشاب، ودفتر حسابات ملفوف بقطعة قماش. لكن جوزفين أول ما شافت الصورة، صرخت يا نهار أبيض! سايروس بص لها. كانت بتشاور على الراجل اللي واقف في نص الصورة، ووشها كله رعب. ده هو! ده الراجل اللي شوفته قدام المخزن قبل الحريق! سايروس قرب الصورة من ضوء الفانوس. الراجل اللي في النص كان أصغر سنًا، لكن ملامحه واضحة جدًا. أما الراجل اللي واقف على يمينه... فكان والد سايروس نفسه! سايروس حس إن نفسه اتسحب من صدره. أبوه، اللي مات وهو بيقوله طول عمره إنه عمره ما دخل في مشاكل مع حد، كان واقف في صورة قديمة جنب الرجل اللي جوزفين بتتهمه بالتسبب في الحريق! وفي اللحظة دي، إلياس خبط على الباب للمرة الأخيرة وقال افتح يا سايروس! قبل ما تعرف الحقيقة بالطريقة الصعبة! سايروس ما ردش. فتح دفتر الحسابات، وبدأ يقلب صفحاته بسرعة، لحد ما لقى ورقة مكتوبة بخط إيد أبوه، وعليها تاريخ سابق للحريق بيوم واحد. قرأ أول سطر، ووشه اتغيّر تمامًا. لو حصل لي أي حاجة، لازم جوزفين تعرف إن أبوها ما كانش المسؤول الوحيد عن اللي حصل لأمها... وإن الراجل اللي خان ثقتنا لسه عايش، ولسه بيدوّر على الورقة الأصلية. جوزفين حطت إيدها على صدرها. الورقة الأصلية؟! أنهي ورقة؟! سايروس قلب الصفحة، لكنه لقى إن الجزء الأخير منها مقطوع. وقبل ما يقدر يفهم أكتر، سمعوا صوت زجاج بيتكسر من الناحية الخلفية للكوخ! سايروس خطف البندقية وجرى ناحية الصوت، وجوزفين استخبت ورا المدفأة. لكن لما وصل للنافذة، لقى رجلًا ملثمًا واقف برّه، ماسك ورقة صغيرة في إيده. الرجل رفع الورقة قدام الضوء، وبعدين صرخ لو عايز تعرف مين قتل أم البنت دي، اسأل سايروس عن اللي عمله أبوه في الليلة اللي مات فيها! وفي ثانية واحدة، اختفى الرجل وسط العاصفة. سايروس فضل واقف مكانه، مش قادر يتحرك. لأن الورقة اللي كان الراجل ماسكها، كانت نسخة من نفس الخط اللي شافه في رسالة أبوه. وجوزفين، اللي كانت بتبص له من بعيد، بدأت تتراجع خطوة ورا خطوة. همست بصوت مكسور سايروس... إنت كنت عارف حاجة عن الحريق من الأول؟ بص لها سايروس، وفتح بُقه عشان يرد، لكن الكلمات ما خرجتش. لأنه افتكر فجأة آخر ليلة قضاها مع أبوه قبل موته، والوصية اللي طلب منه ينفذها مهما حصل لو في يوم قابلت بنت اسمها جوزفين، أو شفت العلامة اللي على وشها... ما تصدقش أي حاجة هتسمعها عني، حتى لو الدليل كان بإيدك. ولأول مرة في حياته، سايروس بدأ يخاف إن أبوه اللي عاش عمره كله بيحترمه... يكون مخبي عنه سر أخطر من كل اللي حصل في حياته! يتبع... الجزء الرابع الوصية اللي سايروس خاف يصدقها! سايروس فضل واقف مكانه، والورقة القديمة بين صوابعه، بينما جوزفين كانت بتبص له بعينين مليانين شك وخوف. سايروس... رد عليّا! إنت كنت تعرف أمي؟ رفع عينيه ناحيتها وقال بسرعة لأ! عمري ما شوفت أمك، ولا سمعت اسمك قبل النهارده. لكن أبويا... أبويا كان مخبي عني حاجات كتير. جوزفين رجعت خطوة لورا. يعني ممكن يكون أبوك هو اللي تسبب في موت أمي؟ سايروس سكت. كان نفسه يقول لها إن ده مستحيل، وإن أبوه كان أطيب راجل عرفه في حياته، لكن الصورة اللي لقاها، والرسالة اللي قرأها، والراجل اللي ظهر في العاصفة، كلهم كانوا بيقولوا إن فيه حقيقة أبوه أخفاها عنه سنين طويلة. حط الورقة على الترابيزة، وقعد قدامها، وقال أنا مش هكدب عليكي. مش عارف إذا كان أبويا له علاقة باللي حصل ولا لأ. لكن أوعدك بحاجة واحدة... مش هسيب الحقيقة مدفونة مهما كانت. جوزفين بصت له طويلًا، وبعدين قالت أنا مش خايفة من الحقيقة يا سايروس. أنا عشت سبعتاشر سنة والناس بتبص لي كأني جريمة ماشية على رجلين. اللي بخاف منه إني أكتشف إن كل الناس اللي وثقت فيهم كانوا بيكدبوا عليّا. سايروس كان لسه هيرد، لكنه سمع صوت حصان بيصهل برّه الكوخ. قام بسرعة وبص من الشباك. كان فيه رجل واقف عند طرف الغابة، ماسك حصانه من اللجام، ورافع إيده بعلامة إنه مش جاي يحارب. لكن اللي لفت نظر سايروس إن الرجل كان لابس معطفًا قديمًا، وعلى كتفه حقيبة جلدية، وبيعرج في رجله اليمين. جوزفين أول ما شافته، وشها اصفر. هو ده! ده الراجل اللي كان واقف في السوق! سايروس مسك بندقيته، وخرج من الباب بحذر. مكانك هنا يا جوزفين. اقفلي الباب ورايا، ومهما سمعتي، ما تفتحيش لحد غيري. لكن جوزفين مسكت ذراعه قبل ما يخرج. استنى! أنا عايزة أسمع هو جاي يقول إيه. سايروس بص لها، وشاف في عينيها تصميم عمره ما شافه فيها قبل كده. فوافق، بشرط إنها تفضل وراه. خرجوا الاتنين وسط التلج، والرجل فضل واقف مكانه، مستنيهم. لما قربوا منه، رفع إيديه بعيد عن جسمه وقال اسمي صمويل برادوك. وأنا مش جاي أأذي حد. سايروس رد بحدة يبقى تقول لي إنت كنت بتعمل إيه في السوق، وليه كنت بتراقب جوزفين؟ صمويل بص لجوزفين، ووشه اتغير لما شاف الندبات اللي على خدها. نزل عينيه للأرض، وقال بصوت مليان ندم أنا آسف يا بنتي. جوزفين اتراجعت خطوة. بنتك إيه؟! إنت تعرفني منين؟! صمويل فتح حقيبته الجلدية، وطلع منها صورة قديمة ملفوفة في قطعة قماش. مد الصورة ناحيتها وقال الست اللي في الصورة دي اسمها مارجريت. كانت أقرب إنسانة ليا في الدنيا، وكانت صاحبة سر لو اتكشف وقتها، كان ممكن يغيّر حياة ناس كتير. جوزفين بصت للصورة. كانت صورة أمها، مارجريت، وهي واقفة قدام مخزن الأخشاب، وفي إيدها طفلة صغيرة. جوزفين عرفتها فورًا. دي كانت صورتها وهي عندها خمس سنين! لكن اللي خلى قلبها يدق بعنف، إن صمويل كان واقف جنب أمها في الصورة، وحاطط إيده على كتفها. همست إنت كنت تعرف أمي فعلًا؟ صمويل هز راسه. أيوه. وكنت آخر واحد شافها قبل الحريق. سايروس رفع بندقيته شوية. يبقى عندك دقيقتين تحكي فيهم كل اللي تعرفه. صمويل بص له، وقال أبوك كان شريكي في تجارة الأخشاب، وإلياس ثورنتون كان شريكنا التالت. في البداية، كنا بنشتغل مع بعض بشكل طبيعي، لكن بعد فترة اكتشفنا إن فيه أخشاب بتتباع بأسماء مزيفة، وإن فيه سجلات بتتغير عشان فلوس تختفي من حسابات الشركة. جوزفين سألت بسرعة وأمي اكتشفت الموضوع؟ أيوه. أمك كانت هي اللي بتراجع الحسابات، ولما اكتشفت التلاعب، رفضت تسكت. جمعت نسخًا من السجلات، وخبّتها في صندوق، وقالت إنها هتسلّمها للمسؤولين. صمويل وقف لحظة، وبعدين كمل اللي ما كناش نعرفه إن إلياس كان مستعد يعمل أي حاجة عشان يمنعها. سايروس سأله وأبويا كان طرف في الموضوع؟ صمويل ما ردش فورًا. بص له بنظرة طويلة، وبعدين قال أبوك اكتشف الحقيقة متأخر. ولما عرف إن إلياس بيهدد مارجريت، حاول يساعدها تهرب بالورق. لكن اللي حصل بعدها كان أسرع من قدرته على التصرف. جوزفين بدأت تبكي. يعني أمي ماتت عشان كانت بتحاول تقول الحقيقة؟ صمويل نزل رأسه. أيوه... وأنا فضلت سنين شايل ذنب إني ما قدرتش أنقذها. سايروس قرب منه خطوة. طيب، ليه ظهرت دلوقتي؟ وليه كنت واقف تتفرج على الناس وهي بتهين جوزفين في السوق؟ صمويل رفع عينيه، والدموع لمعت فيها. لأني كنت بدوّر عليها من سنين، لكن ما كنتش عارف مكانها. ولما عرفت إن كوبر هيبيعها، حاولت أتأكد إنها هي فعلًا قبل ما أتصرف. جوزفين صرخت فيه تتأكد من إيه؟ من وشي؟! كنت عايز تتأكد إني لسه مشوّهة؟! صمويل هز راسه بحزن. لأ يا بنتي. كنت بدوّر على العلامة اللي أمك قالت إنها هتكون الدليل الوحيد اللي يثبت هويتك لو اتفرّقنا. جوزفين سكتت فجأة. أنهي علامة؟ صمويل أشار ناحية الندبة الممتدة من خدها لرقبتها. أمك قالت إن الدكتور اللي عالجك بعد الحريق حط علامة صغيرة على الملف الطبي بتاعك، وإن العلامة دي موجودة كمان على الورقة الأصلية اللي كانت معاها. العلامة دي مش على وشك إنتِ... دي على شهادة العلاج اللي اتكتبت يوم ما خرجتي من المستشفى. سايروس سأله والورقة الأصلية فين؟ صمويل مد إيده داخل معطفه، وطلع مفتاحًا نحاسيًا صغيرًا. أمك سلّمتني المفتاح ده قبل الحريق بساعات، وقالت لي ما أفتحش المكان اللي بيخصه إلا لو حصل لها حاجة. جوزفين بصت للمفتاح، وبعدين رفعت عينيها له. وإنت استنيت سبعتاشر سنة؟! صمويل اتألم من كلامها، لكنه ما حاولش يدافع عن نفسه. كنت جبان. خفت على عيلتي، وخفت من إلياس. وكل سنة كانت بتعدّي، كنت بقول لنفسي إني هتصرف بكرة... لحد ما عرفت إن إلياس رجع يدوّر عليكي. سايروس أخد المفتاح من إيده، وفضل يتأمله. كان المفتاح عليه نفس علامة رأس الذئب اللي محفورة على الصندوق الحديدي. وفجأة افتكر سايروس إن أبوه كان محتفظ بصندوق خشبي صغير في مخزن قديم بعيد عن الكوخ، وكان دايمًا يمنعه يقرب منه. سأل صمويل المفتاح ده بيفتح إيه؟ صمويل رد مخزن قديم في بلدة أوريغون سيتي. أمك كانت مستأجراه باسم مستعار، وحسب آخر رسالة وصلتني منها، كانت مخبية فيه المستندات الأصلية اللي تثبت كل حاجة. سايروس بص ناحية الجبال المظلمة. المسافة كانت بعيدة، والشتا بدأ يقفل الطرق، لكن بقى عندهم أخيرًا خيط يوصلهم للحقيقة. جوزفين مسحت دموعها وقالت أنا رايحة معاكم. سايروس اعترض فورًا الطريق خطر، والناس اللي بتدور عليكي ممكن يكونوا مستنيينا. جوزفين رفعت دقنها، ولأول مرة من ساعة ما عرفها، صوتها ما كانش فيه خوف. أنا قضيت عمري مستخبية تحت شوال عشان الناس ما تشوفش وشي. مش هقضي باقي عمري مستخبية عشان ناس خايفة من الحقيقة. سايروس بص لها، وبعد لحظة هز راسه بالموافقة. لكن قبل ما يرجعوا للكوخ، صمويل قال جملة وقفتهم مكانهم فيه حاجة لازم تعرفوها قبل ما تروحوا للمخزن. سايروس سأله إيه هي؟ صمويل بص لجوزفين مباشرة، وقال أمك ما كانتش بتخبي الأوراق بس. كانت مخبية معاها شهادة ميلادك الأصلية، وفيها اسم والدك الحقيقي. جوزفين اتجمدت. إنت بتقول إيه؟! أبويا هو اللي رباني! صمويل هز رأسه ببطء. الراجل اللي رباكي كان اسمه جورج ميلر، لكن أمك عمرها ما كتبت اسمه في شهادة ميلادك الأصلية. جوزفين بدأت تتراجع، وهي مش قادرة تستوعب الكلام. سايروس سأل بحدة أمال مين أبوها الحقيقي؟ صمويل فتح بقه عشان يجاوب، لكن صوت طلقة نارية دوّى من ناحية الغابة! الحصان انتفض، وصمويل وقع على ركبته وهو بيصرخ من الألم، وحط إيده على كتفه. سايروس سحبه بسرعة وراه صخرة كبيرة، وجوزفين انحنت جنبهم. ومن وسط الأشجار، ظهر ثلاثة رجال مسلحين، بيتحركوا ببطء ناحية المكان اللي كانوا واقفين فيه. واحد منهم صرخ هاتوا المفتاح، وسلّموا البنت! وإلا مش هيرجع منكم حد حي! سايروس رفع بندقيته، لكن جوزفين مسكت إيده فجأة. كانت بتبص لأحد الرجال بتركيز شديد. وبعدين همست بكلمات خلت سايروس ينسى الخطر اللي حواليهم أنا أعرف الراجل ده... سايروس سألها مين ده؟ جوزفين بدأت ترتعش، وعينيها اتملت بالدموع. ده الدكتور اللي عالجني بعد الحريق... الدكتور اللي أبويا قال لي إنه مات من سنين! لكن الدكتور ما كانش جاي يقتلهم وبس. كان ماسك في إيده ورقة قديمة، ولما رفعها ناحية الضوء، جوزفين شافت صورة أمها في أعلاها. وتحت الصورة كان فيه اسم مكتوب بخط واضح. الاسم اللي أمها حاولت تخفيه سبعتاشر سنة... واللي ممكن يثبت إن جوزفين مش البنت اللي الكل فاكرها! يتبع... الجزء الخامس الحقيقة اللي قلبت حياة جوزفين في لحظة! سايروس كان مستخبي ورا الصخرة، ماسك بندقيته بإيد، وسند صمويل المصاب بالإيد التانية، بينما جوزفين كانت باصة للدكتور اللي واقف وسط التلج، مش قادرة تصدق إن الراجل اللي اتقال لها إنه مات من سنين لسه عايش. الدكتور رفع الورقة تاني، وقال بصوت عالي جوزفين! أنا عارف إنك سامعاني. إنتِ مش فاهمة إنتِ بتدوري على إيه، ولا إيه اللي هيحصل لو الورق ده وصل للمحكمة! جوزفين صرخت من ورا الصخرة إنت كنت فين طول السنين دي؟! ليه سبتني أعيش وأنا فاكرة إن أمي ماتت في حادثة؟! الدكتور سكت لحظة، وبعدين رد لأني كنت خايف! خايف من مين؟! من إلياس ثورنتون... ومن الناس اللي كانوا مستعدين يقتلوا أي حد يعرف الحقيقة! سايروس بص لصمويل، اللي كان ضاغط على جرح كتفه بقطعة قماش. صمويل همس بصعوبة ما تصدقش كل كلامه يا سايروس. الدكتور ده كان عنده فرصة يقول الحقيقة من زمان، لكنه اختار يسكت. الدكتور سمع كلامه، فرفع صوته بغضب وإنت يا برادوك آخر واحد يحق له يتكلم عن الشجاعة! إنت هربت، وسيبت مارجريت تواجه مصيرها لوحدها! جوزفين حسّت إن كل واحد فيهم بيحاول يرمي الذنب على التاني، وإن الحقيقة اللي فضلت تدور عليها طول عمرها لسه بعيدة عنها. فخرجت من ورا الصخرة خطوة، ووقفت قدامهم. سايروس صرخ جوزفين! ارجعي ورايا! لكنها ما رجعتش. رفعت وشها ناحية الدكتور وقالت إنتوا كلّكم عشتوا سنين طويلة، وكل واحد فيكم كان عنده فرصة يحكيلي الحقيقة. وأنا كنت عايشة لوحدي، بخبي وشي عن الناس، وبسمعهم وهما بيقولوا إني مسخ! صوتها اتكسر، لكنها كملت لو عندك ذرة رحمة، قول لي أمي ماتت إزاي، ومين أبويا الحقيقي! الدكتور نزل الورقة من إيده. وبعد صمت طويل، قال أبوكي الحقيقي اسمه إدوارد هيل. صمويل غمض عينيه، وكأنه كان مستني اللحظة دي من سنين. أما جوزفين، ففضلت واقفة مكانها، مش فاهمة الاسم ده معناه إيه. الدكتور كمل إدوارد كان محاميًا معروفًا في سانت لويس، وكان مسؤولًا عن مراجعة حسابات شركة الأخشاب. هو اللي اكتشف إن إلياس بيزوّر السجلات وبيسرق أموال الشركاء. ولما عرف إن مارجريت معاها الأدلة، حاول يساعدها تحمي نفسها وتحميكي. جوزفين همست يعني أبويا كان بيحب أمي؟ الدكتور هز راسه. أيوه. لكنه ما قدرش يحميها من كل اللي حصل. سايروس سأله طيب، إيه علاقة والد سايروس بالقصة دي؟ الدكتور بص له مباشرة، وقال أبوك كان الشاهد الوحيد اللي شاف مين أشعل النار في المخزن. وبعد الحريق، أخفى جزءًا من الأدلة عشان يمنع إلياس من الوصول ليها. سايروس حس إن قلبه اتقبض. وليه ما قالش لي؟ لأنه كان فاكر إن سكوتك هيحميك. لكن قبل ما يموت، كتب رسالة وطلب مني أوصلها لك لو إلياس رجع يدور على جوزفين. سايروس افتكر الرسالة القديمة اللي لقاها في الصندوق، والوصية اللي أبوه قاله فيها إنه ما يصدقش أي حاجة هيسمعها عنه. وفجأة، بدأ يفهم إن أبوه ما كانش بيحاول يهرب من الحقيقة... كان بيحاول يحميه من ناس مستعدة تعمل أي حاجة عشان تدفنها. لكن جوزفين ما كانتش لسه عرفت أهم جزء في الحكاية. بصت للدكتور وسألته لو إدوارد هو أبويا، ليه أمي ما قالتليش؟ وليه عشت مع جورج ميلر طول السنين دي؟ الدكتور تنهد وقال لأن جورج كان هو اللي سجّل اسمك في الأوراق بعد الحريق، بعدما اختفى إدوارد. مارجريت كانت خايفة إن الناس اللي بتلاحقها ياخدوكي منها، فخلّتك تعيشي تحت اسم مختلف، على أمل إنهم ما يلاقوكيش. جوزفين حطت إيديها على وشها. كل اللي كانت فاكرة إنه حقيقتها بدأ يتغير قدام عينيها. لكن قبل ما الدكتور يكمل، صمويل صرخ كفاية كلام! إحنا مش لوحدنا! في اللحظة دي، ظهر إلياس ثورنتون من بين الأشجار، ومعاه أربعة رجال مسلحين. كان لابس معطفًا أسود طويلًا، وفي إيده عصاية فضية، وعلى صباعه خاتم رأس الذئب. بص لجوزفين بابتسامة باردة وقال أخيرًا، بقيتي عارفة اسم أبوكي الحقيقي. بس لسه فيه حاجة واحدة ما تعرفيهاش. سايروس رفع بندقيته ناحيته. خطوة واحدة كمان، وهتندم! إلياس ضحك بسخرية. إنت فاكر إنك بطل يا كريد؟ أبوك كان أذكى منك، ومع ذلك ما قدرش يوقفني. وبعدين أشار لواحد من رجاله، فالراجل طلع ورقة قديمة من جيبه. إلياس رفعها قدام جوزفين وقال دي شهادة ملكية أرض في ولاية أيداهو، باسم إدوارد هيل. الأرض دي فيها منجم ذهب، ولو الأوراق الأصلية ظهرت، هيبقى من حقي أطالب بيها باعتباري الوريث القانوني الوحيد للشركة! جوزفين بصت له باستغراب. وإيه علاقة ده بأمي؟ إلياس قرب خطوة وقال أمك اكتشفت إن المنجم اتسجّل باسم الشركة بطريقة غير قانونية. وكانت معاها المستندات اللي تثبت إن الأرض مش ملكي، وإن جزءًا كبيرًا من الأرباح اتاخد من غير حق. وبعدين ابتسم وأضاف لكن المشكلة إن أمك خبّت الورق، وأبوكي الحقيقي اختفى، والشاهد الوحيد مات من سنين. سايروس رد بحدة إنت بتتكلم عن أبويا كأنه مات من غير ما يسيب دليل! إلياس لف ناحيته، وابتسامته اختفت للحظة. أبوك ساب دليل فعلًا... لكن الدليل ده كان في إيده قبل ما يموت، وأنا فضلت سنين بدوّر عليه. جوزفين فجأة افتكرت حاجة. قبل الحريق بيوم، أمها كانت قاعدة جنبها، وطلبت منها تحفظ جملة غريبة، وقالت لها إن الجملة دي هتكون مفتاحًا لحاجة مهمة لما تكبر. وقتها جوزفين كانت صغيرة، وما فهمتش معناها. لكن دلوقتي، وسط التلج والخطر، الكلمات رجعت لذاكرتها بوضوح. لما القمر يختفي ورا الجبل، دوري على البيت اللي ملوش باب... هناك هتلاقي الحقيقة اللي محدش يقدر يشتريها. جوزفين رفعت رأسها فجأة. البيت اللي ملوش باب! افتكرت كوخًا حجريًا قديمًا في الغابة، كان أبوها جورج بيمنعها تقرب منه، ويقول لها إنه مهجور وممكن يقع في أي لحظة. بصت لسايروس وهمست أنا عارفة مكان الورق! سايروس سألها بسرعة فين؟! لكن قبل ما تجاوب، إلياس سمع همسها، وفهم من نظرتها إنها افتكرت حاجة. فصرخ برجاله امسكوها! ما تخلوهاش توصل للمخزن! الرجال اندفعوا ناحيتهم. سايروس أطلق طلقة في الهواء عشان يوقفهم، وصمويل سحب الدكتور بعيدًا عن خط النار، وجوزفين جريت ناحية الغابة وسط التلج. سايروس لحقها، وهو بيصرخ جوزفين! استني! لكنها ما وقفتش. كانت بتجري ناحية الكوخ الحجري، المكان اللي فضلت طول طفولتها ممنوعة تقرب منه. وبعد دقائق من الجري، وصلوا أخيرًا. كان الكوخ صغيرًا، سقفه منهار جزئيًا، وبابه القديم متثبت بالخشب والمسامير. جوزفين وقفت قدامه، وهي بتاخد نفسها بصعوبة. أمي قالت لي إن الحقيقة هنا... بس عمرها ما قالت لي إزاي أوصل لها. سايروس فحص الباب، ولاحظ إن الخشب قديم جدًا، لكن القفل جديد نسبيًا. طلع المفتاح النحاسي اللي أخده من صمويل، وجرّب يدخله في القفل. المفتاح دخل بسهولة. وبمجرد ما لفّه، سمعوا صوت طقطقة جاية من جوه الحيطة. جزء من الأرضية الحجرية اتحرك، وظهر تحته تجويف صغير. سايروس نزل على ركبته، ومد إيده جوه التجويف، وطلع صندوقًا خشبيًا ملفوفًا بقماش مشمع. جوزفين قربت منه، وقلبها بيدق بعنف. فتحوا الصندوق، فلقوا جواه مجموعة مستندات قديمة، وخطابات مختومة، وصورة لوالدتها وهي واقفة جنب رجل شاب. على ظهر الصورة كانت فيه جملة مكتوبة بخط أمها إدوارد هيل، والد جوزفين الحقيقي... والرجل الوحيد اللي حاول ينقذنا. لكن تحت الصورة كان فيه خطاب مختوم باسم سايروس كريد الأب. سايروس فتح الخطاب بإيدين مرتعشتين، وبدأ يقرأ. كل ما كان بيقرأ سطر، وشه كان بيزداد شحوبًا. جوزفين سألته بقلق مكتوب إيه؟! سايروس رفع عينيه ناحيتها، وقال بصوت مخنوق أبويا كان عارف إن إدوارد هيل لسه عايش وقت ما كتب الخطاب ده... سكت لحظة، وبعدين كمل والأسوأ من كده... إنه كتب عنوان المكان اللي كان إدوارد مستخبي فيه، وطلب من حد يوصّله ليه قبل ما إلياس يوصله الأول. جوزفين خطفت الخطاب من إيده، وبدأت تقرأ العنوان. لكن أول ما وصلت لآخر سطر، إيديها بدأت ترتعش. العنوان ما كانش في سانت لويس، ولا في أوريغون سيتي. كان في بلدة صغيرة على بُعد يومين من كوخ سايروس. وتحت العنوان مباشرة، كانت فيه جملة أخيرة مكتوبة بخط والد سايروس لو وصلت الرسالة دي لابني، لازم يعرف إن إدوارد هيل ما اختفاش بإرادته... وإن الشخص اللي حبسه بعيد عن بنته كل السنين دي، موجود أقرب مما يتخيل. وفجأة، سمعوا صوت خطوات برّه الكوخ الحجري. خطوات بطيئة، بتقرب من الباب. وبعدين جه صوت راجل من وسط الظلام جوزفين... أنا عارف إنك جوه. جوزفين حبست نفسها. الصوت كان مألوفًا بشكل مرعب. كان صوت الراجل اللي رباها طول طفولتها... جورج ميلر، أبوها اللي اتقال لها إنه مات من تلات شهور! يتبع... الجزء السادس أبوها اللي مات من تلات شهور... واقف برّه الباب! جوزفين حست إن رجليها مش شايلينها. الصوت اللي سمعته برّه الكوخ كان مستحيل يكون حقيقي، أو على الأقل ده اللي كانت بتحاول تقنع نفسها بيه. جورج ميلر، الراجل اللي رباها، واللي قضت عمرها فاكرة إنه مات من تلات شهور، كان واقف برّه وبينده عليها باسمها! سايروس رفع البندقية، ووقف قدامها. ما تتحركيش من مكانك. لكن جوزفين كانت بتتهز من الصدمة، وبتهمس لنفسها أنا حضرت جنازته... أنا شفت النعش بعيني! الصوت رجع تاني من برّه جوزفين، عارف إن عندك أسئلة كتير، وعارف إنك مش هتصدقي كلامي بسهولة. بس لو ما خرجتيش دلوقتي، إلياس هيوصل لك قبل ما تعرفي الحقيقة كاملة. سايروس قرب من الباب، وقال بصوت حازم لو إنت جورج فعلًا، قول لنا حاجة محدش يعرفها غيرك! سكت الراجل شوية، وبعدين قال لما كانت جوزفين عندها عشر سنين، وقعت في النهر وهي بتحاول تجيب سلة الغسيل اللي جرفها التيار. أنا نزلت وراها، وطلعتها بنفسي، وبعدها فضلت أسبوعين أخاف أسيبها تبعد عن البيت. جوزفين حطت إيدها على بُقها. الذكرى دي كانت حقيقية، ومحدش يعرف تفاصيلها غيرها وغير جورج. همست بابا... لكن سايروس منعها من الاقتراب. استني. إنه يعرف ذكرياتك مش معناه إننا نقدر نثق فيه. جوزفين بصت له، ودموعها بتنزل. حتى لو كان كداب، أنا محتاجة أعرف ليه كل ده حصل! سايروس فضّل متردد لحظات، وبعدها فتح الباب بحذر، وهو مصوّب البندقية ناحية الرجل الواقف برّه. كان راجلًا عجوزًا، شعره أبيض، ووشه شاحب، وهدومه مبلولة من التلج. ولما شاف جوزفين، عينيه اتمَلَت بالدموع. يا بنتي... جوزفين ما قدرتش تتحرك. كانت عايزة تجري عليه، وفي نفس الوقت خايفة يكون كل اللي قدامها خدعة جديدة. سألته بصوت مرتعش إنت متّ إمتى؟! جورج نزل عينيه للأرض. ما متّش يا جوزفين. أمال مين اللي دفناه؟! جورج سكت، وملامحه اتشدت من الألم. الراجل اللي اتدفن في القبر ده كان أخويا، توماس. مات قبلّي بأيام، وإلياس استغل موته عشان يخلّي الناس تفتكر إني أنا اللي متّ. جوزفين رجعت خطوة لورا. وإنت سبتني أعيش كل ده لوحدي؟! سبتني أتعرض للإهانة، وأتبعث من بيت لبيت، لحد ما اتبعت في السوق زي الحيوانات؟! جورج حاول يقرب منها، لكنها رفعت إيدها تمنعه. ما تقربش! وقف مكانه، وكأنه تلقّى ضربة أقوى من أي سلاح. سايروس تدخّل وقال كفاية كلام دلوقتي. عايزين نفهم إنت كنت فين، وليه إلياس بيدوّر على جوزفين، وإيه علاقة أبويا بالموضوع ده كله. جورج بص له باهتمام. أبوك كان راجل شريف يا سايروس. وهو الوحيد اللي حاول يساعدني لما اكتشفت إن إلياس بيزوّر مستندات ملكية الأراضي وبيستولي على أرباح الشركة. طيب ليه أبويا خبّى الحقيقة عني؟ لأنه كان عارف إن إلياس ممكن يستخدمك ضدي. أبوك كان معاه نسخة من السجلات الأصلية، وكان مستعد يسلّمها للمحكمة، لكن قبل ما يعمل كده، اختفى جزء من المستندات. سايروس افتكر الصندوق الحديدي اللي لقاه تحت أرضية كوخه. إحنا لقينا مستندات بالفعل، لكن فيه ورقة ناقصة. جورج هز رأسه. الورقة الناقصة هي أهم ورقة في القضية. فيها أسماء الأشخاص اللي شاركوا إلياس في التزوير، وتوقيعاتهم الأصلية. جوزفين سألت بسرعة وأمي؟ إيه اللي حصل لها بالضبط؟ جورج غمض عينيه، وكأنه بيحاول يستجمع شجاعته. أمك اكتشفت إن إلياس بيخطط يحرق مخزن الأخشاب عشان يدمّر السجلات اللي بتدينه. حاولت تهرب بالمستندات، لكن الحريق بدأ قبل ما تخرج من المبنى. وإنت كنت فين؟! كنت بحاول أوصل لها، لكن إلياس ورجاله حاصروا المكان. لما قدرت أدخل، لقيتها مصابة، وكانت بتحاول تنقذك. جوزفين بدأت تبكي بحرقة. جورج كمل بصوت مكسور قبل ما تموت، طلبت مني أحافظ عليكي، وأخليكي تعيشي بعيد عن الناس اللي تسببوا في موتها. ولما عرفت إن إلياس بيدوّر عليكي، اضطرّيت أخفي هويتي، وأخلي الناس تفتكر إني متّ. جوزفين ردّت بغضب تحميني من إيه؟! من الحقيقة؟! ولا من إنك تواجه اللي حصل؟! جورج ما لاقاش إجابة. لأول مرة، الراجل اللي كانت بتعتبره أبوها وقف قدامها من غير أي حجة يدافع بيها عن نفسه. وبعد لحظة صمت، مد إيده داخل معطفه، وطلع خطابًا قديمًا. أمك سابت لك الرسالة دي. طلبت مني ما أديهاش لك إلا لما تبقي مستعدة تعرفي كل حاجة. جوزفين أخدت الخطاب بإيدين مرتعشتين. كان عليه اسمها بخط أمها. قعدت على صندوق خشبي، وفتحت الخطاب بحذر، وبدأت تقرأ بصوت منخفض بنتي الحبيبة جوزفين... لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى أنا ما قدرتش أكون جنبك وإنتِ بتكبري، وده أكتر شيء وجع قلبي. عايزاكي تعرفي إن وشك عمره ما كان عيب، وإن الندبات اللي على جلدك مش دليل على إنك أقل من أي إنسان. دي آثار يوم حاولت فيه أحميكي، ولو كان ليا عمر تاني، كنت هعمل نفس الشيء من غير تردد. فيه ناس هتحاول تقنعك إن شكلك هو اللي بيحدد قيمتك، لكن ما تصدقيهمش. الإنسان بيتعرف بأفعاله، مش بملامحه. وفيه سر تاني لازم تعرفيه... أبوكي الحقيقي، إدوارد هيل، ما سابكيش بإرادته. هو اتجبر يبعد عنك عشان يحميكي من الناس اللي كانوا عايزين يستغلوا اسمه وفلوسه. لو قدرتي توصلي له يومًا، قولي له إني سامحته، وإني كنت عارفة إنه بيحاول يرجع لك مهما حصل. لكن خلي بالك يا بنتي... الشخص اللي تسبب في كل المصايب دي مش بعيد عنك زي ما إنتِ فاكرة. هو شخص وثقت فيه، واعتبرته من أهلك، وكان دايمًا بيقول إنه بيحميكي. جوزفين وقفت عن القراءة. رفعت عينيها لجورج، ووشها مليان صدمة. أمي كانت تقصد مين؟ جورج ما ردش. سايروس لاحظ إن الراجل العجوز بيبص ناحية الباب، وكأنه سمع صوتًا بعيدًا. فجأة، قال بصوت منخفض لازم نمشي من هنا حالًا. سايروس سأله ليه؟ جورج قرب من الشباك الصغير، وبص من خلاله. لأن إلياس عرف إننا لقينا الصندوق، ومش هيستنى لحد الصبح. وفي اللحظة دي، ظهر ضوء مشاعل بين الأشجار، وبدأت أصوات الرجال تقرب من الكوخ. جوزفين لمّت الخطاب والصورة، وحطتهم جوه معطفها. سايروس جهّز بندقيته، لكن جورج مسكه من ذراعه وقال فيه طريق خلفي بيخرج على مجرى النهر. لو اتحركنا دلوقتي، نقدر نوصل لمكان آمن قبل ما يحاصرونا. خرجوا من الباب الخلفي، ومشوا وسط التلج، لحد ما وصلوا لممر ضيق بين الصخور. لكن قبل ما يدخلوا الممر، جورج وقف فجأة. بص لسايروس، وقال فيه حاجة لازم تعرفها عن أبوك. الحقيقة اللي كنت مخبيها عنك طول السنين دي، ممكن تغيّر كل اللي إنت فاكره عن عيلتك. سايروس حس بالقلق. إيه هي؟ جورج تنهد، وبعدين قال أبوك ما كانش مجرد شريك في تجارة الأخشاب. كان هو الشخص اللي وقّع أول مستند نقل ملكية الأرض لإلياس، وبعدها اكتشف إن التوقيع اتستخدم بطريقة غير قانونية. سايروس اتصدم. يعني أبويا هو اللي بدأ كل ده؟! لأ، هو وقّع المستند بحسن نية، لكنه لما اكتشف التزوير، حاول يصلح غلطته. وده السبب اللي خلّى إلياس يطارده لحد آخر يوم في حياته. سايروس نزل عينيه، وحس إن صورة أبوه اللي عاش بيها عمره كله بدأت تتغير. لكن جورج كمل والأهم من كده، إن فيه مستند واحد بس يقدر يثبت إن الأرض ما كانتش ملك إلياس أبدًا. جوزفين سألت فين المستند ده؟ جورج بص لها، وقال مع أبوكي الحقيقي. إدوارد؟! هز رأسه بالموافقة. أيوه. وإدوارد لسه عايش، ومستخبي في مكان محدش يعرفه غيري. جوزفين قربت منه بسرعة. خدني له! أرجوك، أنا لازم أشوفه! جورج وافق، لكنه قبل ما يتحرك، طلع من جيبه ورقة صغيرة، ومدها لسايروس. ده عنوان المكان اللي هتلاقوه فيه. سايروس فتح الورقة، وقرأ العنوان. لكن قبل ما يقدر يتكلم، دوّى صوت طلقة نارية من ناحية الممر. جورج وقع على ركبته، وحط إيده على صدره. جوزفين صرخت بابا! سايروس لف بسرعة ناحية الأشجار، وشاف ظل راجل بيختفي خلف الصخور. جورج مسك إيد جوزفين، وقال بصعوبة اسمعيني كويس... لو حصل لي أي حاجة، ما تثقيش في إلياس، ولا في الدكتور، ولا حتى في... صوته انقطع فجأة. جوزفين هزته وهي بتعيط في مين؟! كمّل كلامك! جورج حاول يرفع إيده، وأشار ناحية الورقة اللي في إيد سايروس. العنوان... لازم توصلي له قبلهم... وبعدين فقد وعيه. سايروس ركع جنبه، وحاول يوقف النزيف، بينما جوزفين كانت بتبكي وبتنادي عليه. لكن وسط الفوضى، لاحظ سايروس حاجة غريبة. الورقة اللي فيها عنوان إدوارد هيل كانت مبتلة، والحبر بدأ يسيح. وقبل ما العنوان يختفي بالكامل، قدر يقرأ آخر سطر مكتوب تحت الاسم لو وصلت متأخر، هتلاقي قبره مفتوح... لأن إلياس عارف مكانه من زمان. سايروس رفع عينيه ناحية الطريق المظلم. كان لازم يختار بسرعة يفضل جنب جورج ويحاول ينقذ حياته، ولا يتحرك فورًا قبل ما إلياس يوصل لإدوارد ويدفن آخر دليل على الحقيقة. لكن جوزفين، رغم دموعها، مسكت إيد سايروس وقالت بحزم هننقذ الاتنين. مش هسيب حد يموت تاني عشان سر الناس خايفة تكشفه. وفي اللحظة دي، سمعوا صوت جورج وهو بيهمس بكلمة واحدة قبل ما يفتح عينيه بصعوبة الدكتور... هو اللي خان أمك! جوزفين بصت ناحية الغابة، وبدأت تفهم إن الراجل اللي ظهر عشان يساعدهم، ممكن يكون هو نفسه اللي كان بيخدعهم من البداية! يتبع... النهاية الأخيرة الحقيقة اللي غيّرت مصير جوزفين وسايروس إلى الأبد! جوزفين فضلت باصة لجورج، مش قادرة تستوعب آخر كلمة قالها. الدكتور هو اللي خان أمها! إزاي؟ وليه؟ وإزاي قدرت تثق فيه بعد كل السنين دي؟ سايروس ضغط على جرح جورج بقطعة قماش، ولما اتأكد إن النزيف بدأ يهدأ، ساعده يقوم، وسنده لحد ما وصلوا لمكان محمي بين الصخور، بعيد عن الطريق اللي كان إلياس ورجالته جايين منه. بعدها سايروس بص لجوزفين وقال لازم نعرف الدكتور عمل إيه بالضبط، لكن الأول لازم نلاقي إدوارد. لو إلياس وصله قبلنا، ممكن نخسر الدليل الوحيد اللي فاضل. جوزفين هزت راسها، ومسكت خطاب أمها جوا معطفها. هنروح له، وهنعرف الحقيقة كلها. المرة دي مش ههرب من حد. وبعد رحلة طويلة وسط التلج، وصلوا لبلدة صغيرة عند أطراف الغابة، وهناك لقوا بيتًا خشبيًا قديمًا، بعيدًا عن البيوت التانية. سايروس خبط على الباب. مافيش رد. خبط تاني، فسمعوا صوت خطوات بطيئة من الداخل. الباب اتفتح شوية، وظهر راجل كبير في السن، شعره أبيض ووشه مليان تجاعيد، لكنه كان واقف على رجليه رغم ضعفه. جوزفين أول ما شافته، حست إن الزمن وقف. كانت ملامحه مختلفة عن ملامحها، لكن عينيه كان فيهم نفس النظرة اللي شافتها في صورتها القديمة مع أمها. الراجل بص لها طويلًا، وبعدين سأل بصوت مرتعش إنتِ اسمك جوزفين؟ دموعها نزلت فورًا. أيوه... وإنت إدوارد هيل؟ الراجل حط إيده على فمه، وعينيه اتمَلَت بالدموع. يا بنتي... كنت فاكر إني مش هشوفك أبدًا! جوزفين فضلت واقفة مكانها، مش عارفة تقرب ولا تبعد. عمرها كله كانت محتاجة تعرف أبوها الحقيقي، لكنها لما لقيته أخيرًا، ما عرفتش تبدأ منين. إدوارد فتح الباب على آخره وقال ادخلوا. فيه حاجات لازم تعرفيها قبل ما الوقت يفوت. الحقيقة اللي اتخبّت سبعتاشر سنة قعدوا حوالين ترابيزة صغيرة، وإدوارد بدأ يحكي. بعد الحريق، إلياس استغل الفوضى، وغيّر سجلات ملكية الأراضي، واستولى على أرباح الشركة، وحاول يخلّي كل الأدلة تختفي. أما الدكتور، فكان مسؤولًا عن علاج جوزفين بعد الحريق. وإلياس وعده بفلوس كتير مقابل إنه يغيّر بعض بيانات الملف الطبي، ويخفي شهادة مهمة تثبت هوية الطفلة. الدكتور وافق في البداية، لكنه لما اكتشف إن إلياس مش ناوي يكتفي بالتزوير، وإنه مستعد يتخلص من أي شاهد، حاول يرجع عن اتفاقه. لكن الوقت كان فات. إدوارد كمل بصوت مليان حزن أمك اكتشفت إن الدكتور سلّم إلياس نسخة من الأوراق اللي كانت مخبياها. ولما واجهته، وعدها إنه هيساعدها تهرب بيكي. لكنه ما قدرش ينفّذ وعده، والحريق حصل قبل ما يقدر ينقذها. جوزفين سألت والدموع في عينيها يعني الدكتور هو اللي ولّع النار؟ إدوارد هز رأسه. لأ. الدليل اللي عندي بيقول إن إلياس هو اللي دبّر الحريق عشان يدمّر السجلات. الدكتور خانه لما سلّم له المعلومات، لكنه ما كانش هو اللي أشعل النار بنفسه. سايروس حط على الترابيزة المستندات اللي لقوها في الصندوق الحديدي. إدوارد قلب الصفحات واحدة واحدة، ولما وصل لآخر ورقة، وشه اتغير. دي هي! دي النسخة اللي كنت بدوّر عليها من سنين! كانت الورقة الأصلية فيها توقيعات الشركاء، وسجلات تحويل الأموال، وإثبات إن إلياس استخدم مستندات مزورة للاستيلاء على الأرض والمنجم. لكن إدوارد أخرج من درج مكتبه مستندًا آخر، عليه ختم رسمي قديم. الورقة دي تثبت التزوير، لكن المستند ده هو اللي يثبت ملكية الأرض الحقيقية. أمك قدرت تحتفظ بيه قبل الحريق، وأنا فضلت أحاول أوصل له طول السنين اللي فاتت. جوزفين بصت للمستند، ثم سألت يعني كل الناس اللي أهانتني، وكل السنين اللي عشتها مستخبية، كانت بسبب الفلوس دي؟ إدوارد مسك إيدها بحنان أبوي، وقال مش بسبب الفلوس وحدها يا بنتي. بسبب الطمع والخوف، وبسبب ناس افتكرت إن قوتها تديها الحق إنها تتحكم في حياة غيرها. ثم نظر إلى سايروس وأضاف وأبوك دفع ثمن محاولته إنه يصلح غلطته. كان ممكن يسكت ويعيش مرتاح، لكنه اختار يقول الحقيقة، حتى لو ده عرّضه للخطر. سايروس نزل عينيه، وحس لأول مرة إنه فهم وصية أبوه. أبوه ما كانش كاملًا، لكنه لما اكتشف إنه اتسبب بحسن نية في مشكلة كبيرة، حاول يصلحها بدل ما يهرب منها. إلياس يظهر للمرة الأخيرة قبل ما يقدروا يتحركوا، سمعوا صوت عربات بتقف قدام البيت. إدوارد بص من الشباك، ووشه اصفر. إلياس وصل! سايروس مسك بندقيته، لكن إدوارد رفع إيده وقال مش هنحل المشكلة دي بالرصاص. إحنا معانا الدليل، ولازم نوصل للمحكمة. وفجأة، جه صوت إلياس من برّه إدوارد هيل! انتهى وقت الاختباء. سلّم الأوراق، وأنا هسيب البنت والراجل الجبلي يعيشوا! إدوارد فتح الباب، وخرج ومعاه المستندات، بينما سايروس وجوزفين وقفوا وراه. إلياس كان واقف وسط رجاله، وعلى وشه ابتسامة واثقة. لكن أول ما شاف الأوراق في إيد إدوارد، ابتسامته اختفت. إنت لسه محتفظ بيها؟! إدوارد رد بهدوء احتفظت بيها عشان اليوم اللي تتحاسب فيه على كل اللي عملته. إلياس ضحك بعصبية. ومين هيصدقك؟ إنت راجل اختفى سبعتاشر سنة، ومعاك أوراق ممكن أي حد يزوّرها! في اللحظة دي، ظهر من آخر الطريق رجال من مكتب الشريف، ومعاهم الدكتور صمويل برادوك. الدكتور كان سلّم نفسه واعترف بكل اللي عمله، ووافق يشهد ضد إلياس مقابل إنه يتحمل مسؤوليته القانونية عن دوره في التزوير وإخفاء الأدلة. أما جورج، فكان وصل قبلهم، بعد ما ساعده رجال محليون على تلقي العلاج. الدكتور وقف قدام إلياس وقال أنا هشهد بكل حاجة. هقول إزاي سلّمتك معلومات مارجريت، وإزاي حاولت أخفي الملف الطبي، وإزاي هددتني لما حاولت أتراجع. إلياس حاول يهرب، لكن رجال الشريف قبضوا عليه وعلى اثنين من رجاله، بعد ما لقوا معاهم مستندات وأختام مزورة. وللمرة الأولى من سنين طويلة، ما قدرش يشتري سكوت حد، ولا يخوّف شاهد، ولا يدفن الحقيقة. وبعد شهور من التحقيق، المحكمة أدانت إلياس بتزوير المستندات، والاحتيال، والتسبب عمدًا في الحريق اللي أدى لموت مارجريت، بناءً على الأدلة وشهادات الشهود. أما الدكتور، فتحاسب على دوره في إخفاء الأدلة والتلاعب بالسجلات. الحقيقة أخيرًا ظهرت، والناس اللي استغلوا خوف الآخرين عشان يحققوا مصالحهم، اضطروا يواجهوا عواقب أفعالهم. جوزفين تخلع الشوال إلى الأبد بعد انتهاء القضية، رجعت جوزفين مع سايروس إلى كوخه في الجبال. لكن المرة دي، ما رجعتش وهي خايفة من نظرات الناس، ولا مستنية حد يقرر إذا كانت تستحق تعيش بينهم أو لأ. في أول صباح بعد رجوعهم، وقفت قدام المرآة الصغيرة المعلقة جنب المدفأة. كانت الندبات لسه موجودة، وملامح وشها ما اتغيرتش، لكنها لأول مرة بصت لنفسها من غير ما تحاول تداري وشها. سايروس كان واقف عند الباب، ولما لاحظ إنها ماسكة الشوال القديم، سألها هتعملي إيه بيه؟ جوزفين بصت له، وابتسمت ابتسامة صغيرة. هحتفظ بيه، مش عشان ألبسه تاني... لكن عشان أفتكر إني نجيت من كل اللي حصل. وبعدها حطته في صندوق قديم، وقفلت عليه. سايروس ما حاولش يقول لها إنها لازم تبقى قوية، ولا طلب منها تنسى اللي حصل. كل اللي عمله إنه حط قدامها كوبًا من القهوة الساخنة، وساب لها المساحة اللي تحتاجها عشان تبدأ من جديد. ومع مرور الأيام، جوزفين بدأت تساعده في أعمال البيت، وتتعلم قراءة الحسابات والرسائل، وتكتب لوالدها إدوارد بانتظام. أما إدوارد، فكان بيزورها كلما سمحت الطرق، وبيحاول يعوضها عن السنين اللي اتحرمت فيها من معرفته. وجورج كمان بدأ يصلح علاقته بيها، لكنه ما طلبش منها تسامحه بسرعة. كان عارف إن الثقة اللي اتكسرت سنين طويلة محتاجة وقت عشان ترجع. بعد سنة كاملة... في نوفمبر من السنة التالية، نزل سايروس وجوزفين إلى بلدة أوروفينو. نفس البلدة اللي اتجمعت فيها الناس من سنة، وضحكوا عليها، واعتبروها إنسانة أقل منهم لمجرد إن وشها مختلف. لكن المرة دي، كانت جوزفين ماشية من غير شوال، رافعة رأسها، ولابسة فستانًا أزرق بسيطًا. بعض الناس عرفوها، وبدأوا يتهامسوا. واحد من الرجال اللي كانوا موجودين يوم بيعها قرب منها، وقال بإحراج جوزفين... أنا آسف على اللي حصل زمان. جوزفين بصت له، وقالت بهدوء أتمنى تكون اتعلمت إن الإنسان مش سلعة، وإن محدش من حقه يهين حد عشان شكله. وبعدين كملت طريقها. ما كانتش محتاجة تنتقم من كل شخص ضحك عليها، ولا تثبت لهم إنها تستحق الاحترام. كانت عارفة قيمتها، وده كان كفاية. أما سايروس، ففضل ماشي جنبها، بنفس الهدوء اللي استقبلها بيه أول ليلة في كوخه. وبعد فترة، اختاروا يتجوزوا بإرادتهم، بعد ما جوزفين بقت حرة تمامًا في قرارها، وبعيدًا عن أي ضغط أو خوف. ما كانش سايروس بيعتبر نفسه صاحب فضل عليها، ولا كانت جوزفين شايفة نفسها مدينة له بحياتها. كانوا اتنين اتقابلوا في وقت صعب، وكل واحد فيهم عرف في التاني إنسانًا يستحق الاحترام. وعاشوا في كوخ الجبال، وسط الشتاء الطويل والليالي الهادية، وبنوا حياة أساسها الأمان والصدق، مش الشفقة ولا المظاهر. وفي يوم، جوزفين علّقت الشوال القديم فوق رف خشبي، جنب صورة أمها. كل ما كانت تبص له، تفتكر اليوم اللي افتكرت فيه إن حياتها انتهت، بينما الحقيقة إن حياتها الجديدة كانت لسه بتبدأ. أما سايروس، فكان كل ما حد يسأله ليه دفع خمسين دولار عشان يتجوز ست أهل البلد وصفوها بالمسخ، يرد بنفس الإجابة أنا ما دفعتش عشان أشتري ست، ولا كنت بدوّر على واحدة تنقذني من الوحدة. أنا شفت إنسانة كل الناس قررت إنها ما تستاهلش الرحمة، ورفضت أبقى واحد منهم. لأن جوزفين ما كانتش محتاجة حد يغيّر وشها عشان تبقى جميلة... كانت محتاجة حد يشوفها إنسانة قبل ما يحكم عليها.