دفع
لكنه لما اكتشف التزوير، حاول يصلح غلطته. وده السبب اللي خلّى إلياس يطارده لحد آخر يوم في حياته.
سايروس نزل عينيه، وحس إن صورة أبوه اللي عاش بيها عمره كله بدأت تتغير.
لكن جورج كمل
والأهم من كده، إن فيه مستند واحد بس يقدر يثبت إن الأرض ما كانتش ملك إلياس أبدًا.
جوزفين سألت
فين المستند ده؟
جورج بص لها، وقال
مع أبوكي الحقيقي.
إدوارد؟!
هز رأسه بالموافقة.
أيوه. وإدوارد لسه عايش، ومستخبي في مكان محدش يعرفه غيري.
جوزفين قربت منه بسرعة.
خدني له! أرجوك، أنا لازم أشوفه!
جورج وافق، لكنه قبل ما يتحرك، طلع من جيبه ورقة صغيرة، ومدها لسايروس.
ده عنوان المكان اللي هتلاقوه فيه.
سايروس فتح الورقة، وقرأ العنوان.
لكن قبل ما يقدر يتكلم، دوّى صوت طلقة نارية من ناحية الممر.
جورج وقع على ركبته، وحط إيده على صدره.
جوزفين صرخت
بابا!
سايروس لف بسرعة ناحية الأشجار، وشاف ظل راجل بيختفي خلف الصخور.
جورج مسك إيد جوزفين، وقال بصعوبة
اسمعيني كويس… لو حصل لي أي حاجة، ما تثقيش في إلياس، ولا في الدكتور، ولا حتى في…
صوته انقطع فجأة.
جوزفين هزته وهي بتعيط
في مين؟! كمّل كلامك!
جورج حاول يرفع إيده، وأشار ناحية الورقة اللي في إيد سايروس.
العنوان… لازم توصلي له قبلهم…
وبعدين فقد وعيه.
سايروس ركع جنبه، وحاول يوقف النزيف، بينما جوزفين كانت
بتبكي وبتنادي عليه.
لكن وسط الفوضى، لاحظ سايروس حاجة غريبة.
الورقة اللي فيها عنوان إدوارد هيل كانت مبتلة، والحبر بدأ يسيح.
وقبل ما العنوان يختفي بالكامل، قدر يقرأ آخر سطر مكتوب تحت الاسم
لو وصلت متأخر، هتلاقي قبره مفتوح… لأن إلياس عارف مكانه من زمان.
سايروس رفع عينيه ناحية الطريق المظلم.
كان لازم يختار بسرعة يفضل جنب جورج ويحاول ينقذ حياته، ولا يتحرك فورًا قبل ما إلياس يوصل لإدوارد ويدفن آخر دليل على الحقيقة.
لكن جوزفين، رغم دموعها، مسكت إيد سايروس وقالت بحزم
هننقذ الاتنين. مش هسيب حد يموت تاني عشان سر الناس خايفة تكشفه.
وفي اللحظة دي، سمعوا صوت جورج وهو بيهمس بكلمة واحدة قبل ما يفتح عينيه بصعوبة
الدكتور… هو اللي خان أمك!
جوزفين بصت ناحية الغابة، وبدأت تفهم إن الراجل اللي ظهر عشان يساعدهم، ممكن يكون هو نفسه اللي كان بيخدعهم من البداية!
يتبع…
النهاية الأخيرة
الحقيقة اللي غيّرت مصير جوزفين وسايروس إلى الأبد!
جوزفين فضلت باصة لجورج، مش قادرة تستوعب آخر كلمة قالها.
الدكتور هو اللي خان أمها!
إزاي؟ وليه؟ وإزاي قدرت تثق فيه بعد كل السنين دي؟
سايروس ضغط على جرح جورج بقطعة قماش، ولما اتأكد إن النزيف بدأ يهدأ، ساعده يقوم، وسنده لحد ما وصلوا لمكان محمي بين الصخور، بعيد عن الطريق اللي كان إلياس ورجالته جايين منه.
بعدها سايروس بص لجوزفين وقال
لازم نعرف الدكتور عمل إيه بالضبط، لكن الأول لازم نلاقي إدوارد. لو إلياس وصله قبلنا، ممكن نخسر الدليل الوحيد اللي فاضل.
جوزفين هزت راسها، ومسكت خطاب أمها
جوا معطفها.
هنروح له، وهنعرف الحقيقة كلها. المرة دي مش ههرب من حد.
وبعد رحلة طويلة وسط التلج، وصلوا لبلدة صغيرة عند أطراف الغابة، وهناك لقوا بيتًا خشبيًا قديمًا، بعيدًا عن البيوت التانية.
سايروس خبط على الباب.
مافيش رد.
خبط تاني، فسمعوا صوت خطوات بطيئة من الداخل.
الباب اتفتح شوية، وظهر راجل كبير في السن، شعره أبيض ووشه مليان تجاعيد، لكنه كان واقف على رجليه رغم ضعفه.
جوزفين أول ما شافته، حست إن الزمن وقف.
كانت ملامحه مختلفة عن ملامحها، لكن عينيه كان فيهم نفس النظرة اللي شافتها في صورتها القديمة مع أمها.
الراجل بص لها طويلًا، وبعدين سأل بصوت مرتعش
إنتِ اسمك جوزفين؟
دموعها نزلت فورًا.
أيوه… وإنت إدوارد هيل؟
الراجل حط إيده على فمه، وعينيه اتمَلَت بالدموع.
يا بنتي… كنت فاكر إني مش هشوفك أبدًا!
جوزفين فضلت واقفة مكانها، مش عارفة تقرب ولا تبعد.
عمرها كله كانت محتاجة تعرف أبوها الحقيقي، لكنها لما لقيته أخيرًا، ما عرفتش تبدأ منين.
إدوارد فتح الباب على آخره وقال
ادخلوا. فيه حاجات لازم تعرفيها قبل ما الوقت يفوت.
الحقيقة اللي اتخبّت سبعتاشر سنة
قعدوا حوالين ترابيزة صغيرة، وإدوارد بدأ يحكي.
بعد الحريق، إلياس استغل الفوضى، وغيّر سجلات ملكية الأراضي، واستولى على أرباح الشركة، وحاول يخلّي كل الأدلة تختفي.
أما الدكتور، فكان مسؤولًا عن علاج جوزفين بعد الحريق. وإلياس وعده بفلوس كتير مقابل إنه يغيّر بعض بيانات الملف الطبي، ويخفي شهادة مهمة تثبت هوية الطفلة.
الدكتور وافق في البداية، لكنه لما اكتشف إن إلياس مش ناوي يكتفي بالتزوير، وإنه مستعد
يتخلص من أي شاهد، حاول يرجع عن اتفاقه.
لكن الوقت كان فات.
إدوارد كمل بصوت مليان حزن
أمك اكتشفت إن الدكتور سلّم إلياس نسخة من الأوراق اللي كانت مخبياها. ولما واجهته، وعدها إنه هيساعدها تهرب بيكي. لكنه ما قدرش ينفّذ وعده، والحريق حصل قبل ما يقدر ينقذها.
جوزفين سألت والدموع في عينيها
يعني الدكتور هو اللي ولّع النار؟
إدوارد هز رأسه.
لأ. الدليل اللي عندي بيقول إن إلياس هو اللي دبّر الحريق عشان يدمّر السجلات. الدكتور خانه لما سلّم له المعلومات، لكنه ما كانش هو اللي أشعل النار بنفسه.
سايروس حط على الترابيزة المستندات اللي لقوها في الصندوق الحديدي.
إدوارد قلب الصفحات واحدة واحدة، ولما وصل لآخر ورقة، وشه اتغير.
دي هي! دي النسخة اللي كنت بدوّر عليها من سنين!
كانت الورقة الأصلية فيها توقيعات الشركاء، وسجلات تحويل الأموال، وإثبات إن إلياس استخدم مستندات مزورة للاستيلاء على الأرض والمنجم.
لكن إدوارد أخرج من درج مكتبه مستندًا آخر، عليه ختم رسمي قديم.
الورقة دي تثبت التزوير، لكن المستند ده هو اللي يثبت ملكية الأرض الحقيقية. أمك قدرت تحتفظ بيه قبل الحريق، وأنا فضلت أحاول أوصل له طول السنين اللي فاتت.
جوزفين بصت للمستند، ثم سألت
يعني كل الناس اللي أهانتني، وكل السنين اللي عشتها مستخبية، كانت بسبب الفلوس دي؟
إدوارد مسك إيدها بحنان أبوي، وقال
مش بسبب الفلوس وحدها يا بنتي. بسبب الطمع والخوف، وبسبب ناس افتكرت إن قوتها تديها الحق إنها تتحكم في حياة غيرها.
ثم نظر إلى سايروس وأضاف
وأبوك
دفع ثمن محاولته إنه يصلح غلطته. كان ممكن يسكت ويعيش مرتاح، لكنه اختار يقول الحقيقة، حتى لو ده عرّضه للخطر.
سايروس نزل عينيه، وحس لأول مرة إنه فهم وصية أبوه.
أبوه ما كانش كاملًا، لكنه لما اكتشف إنه اتسبب بحسن نية في مشكلة كبيرة، حاول يصلحها بدل ما يهرب منها.
إلياس يظهر للمرة الأخيرة
قبل ما يقدروا يتحركوا، سمعوا صوت عربات بتقف قدام البيت.
إدوارد بص من الشباك، ووشه اصفر.
إلياس وصل!
سايروس مسك بندقيته، لكن إدوارد رفع إيده وقال
مش هنحل المشكلة دي بالرصاص. إحنا معانا الدليل، ولازم نوصل للمحكمة.
وفجأة، جه صوت إلياس من برّه
إدوارد هيل! انتهى وقت الاختباء. سلّم الأوراق، وأنا هسيب البنت والراجل الجبلي يعيشوا!
إدوارد فتح الباب، وخرج ومعاه المستندات، بينما سايروس وجوزفين وقفوا وراه.
إلياس كان واقف وسط رجاله، وعلى وشه ابتسامة واثقة.
لكن أول ما شاف الأوراق في إيد إدوارد، ابتسامته اختفت.
إنت لسه محتفظ بيها؟!
إدوارد رد بهدوء
احتفظت بيها عشان اليوم اللي تتحاسب فيه على كل اللي عملته.
إلياس ضحك بعصبية.
ومين هيصدقك؟ إنت راجل اختفى سبعتاشر سنة، ومعاك أوراق ممكن أي حد يزوّرها!
في اللحظة دي، ظهر من آخر الطريق رجال من مكتب الشريف، ومعاهم الدكتور صمويل برادوك.
الدكتور كان سلّم نفسه واعترف بكل اللي عمله، ووافق يشهد ضد إلياس مقابل إنه يتحمل مسؤوليته القانونية عن دوره في التزوير وإخفاء الأدلة.
أما جورج، فكان وصل قبلهم، بعد ما ساعده رجال محليون على تلقي العلاج.
الدكتور وقف قدام إلياس وقال
أنا هشهد بكل حاجة. هقول
إزاي سلّمتك معلومات مارجريت، وإزاي حاولت أخفي الملف الطبي، وإزاي هددتني لما حاولت أتراجع.
إلياس حاول يهرب، لكن رجال الشريف قبضوا عليه وعلى اثنين من رجاله، بعد ما لقوا معاهم مستندات وأختام مزورة.
وللمرة الأولى من سنين طويلة، ما قدرش يشتري سكوت حد، ولا يخوّف شاهد، ولا يدفن الحقيقة.
وبعد شهور من التحقيق، المحكمة أدانت إلياس بتزوير المستندات، والاحتيال، والتسبب عمدًا في الحريق اللي أدى لموت مارجريت، بناءً على الأدلة وشهادات الشهود.
أما الدكتور، فتحاسب على دوره في إخفاء الأدلة والتلاعب بالسجلات.
الحقيقة أخيرًا ظهرت، والناس اللي استغلوا خوف الآخرين عشان يحققوا مصالحهم، اضطروا يواجهوا عواقب أفعالهم.
جوزفين تخلع الشوال إلى الأبد
بعد انتهاء القضية، رجعت جوزفين مع سايروس إلى كوخه في الجبال.
لكن المرة دي، ما رجعتش وهي خايفة من نظرات الناس، ولا مستنية حد يقرر إذا كانت تستحق تعيش بينهم أو لأ.
في أول صباح بعد رجوعهم، وقفت قدام المرآة الصغيرة المعلقة جنب المدفأة.
كانت الندبات لسه موجودة، وملامح وشها ما اتغيرتش، لكنها لأول مرة بصت لنفسها من غير ما تحاول تداري وشها.
سايروس كان واقف عند الباب، ولما لاحظ إنها ماسكة الشوال القديم، سألها
هتعملي إيه بيه؟
جوزفين بصت له، وابتسمت ابتسامة صغيرة.
هحتفظ بيه، مش عشان ألبسه تاني… لكن عشان أفتكر إني نجيت من كل اللي حصل.
وبعدها حطته في صندوق قديم، وقفلت عليه.
سايروس ما حاولش يقول لها إنها لازم تبقى قوية، ولا طلب منها تنسى اللي حصل.
كل اللي عمله إنه حط قدامها كوبًا من القهوة الساخنة، وساب
لها المساحة اللي تحتاجها عشان تبدأ من جديد.
ومع مرور الأيام، جوزفين بدأت تساعده في أعمال البيت، وتتعلم قراءة الحسابات والرسائل، وتكتب لوالدها إدوارد بانتظام.
أما إدوارد، فكان بيزورها كلما سمحت الطرق، وبيحاول يعوضها عن السنين اللي اتحرمت فيها من معرفته.
وجورج كمان بدأ يصلح علاقته بيها، لكنه ما طلبش منها تسامحه بسرعة. كان عارف إن الثقة اللي اتكسرت سنين طويلة محتاجة وقت عشان ترجع.
بعد سنة كاملة…
في نوفمبر من السنة التالية، نزل سايروس وجوزفين إلى بلدة أوروفينو.
نفس البلدة اللي اتجمعت فيها الناس من سنة، وضحكوا عليها، واعتبروها إنسانة أقل منهم لمجرد إن وشها مختلف.
لكن المرة دي، كانت جوزفين ماشية من غير شوال، رافعة رأسها، ولابسة فستانًا أزرق بسيطًا.
بعض الناس عرفوها، وبدأوا يتهامسوا.
واحد من الرجال اللي كانوا موجودين يوم بيعها قرب منها، وقال بإحراج
جوزفين… أنا آسف على اللي حصل زمان.
جوزفين بصت له، وقالت بهدوء
أتمنى تكون اتعلمت إن الإنسان مش سلعة، وإن محدش من حقه يهين حد عشان شكله.
وبعدين كملت طريقها.
ما كانتش محتاجة تنتقم من كل شخص ضحك عليها، ولا تثبت لهم إنها تستحق الاحترام. كانت عارفة قيمتها، وده كان كفاية.
أما سايروس، ففضل ماشي جنبها، بنفس الهدوء اللي استقبلها بيه أول ليلة في كوخه.
وبعد فترة، اختاروا يتجوزوا بإرادتهم، بعد ما جوزفين بقت حرة تمامًا في قرارها، وبعيدًا عن أي ضغط أو خوف.
ما كانش سايروس بيعتبر نفسه صاحب فضل عليها، ولا كانت جوزفين شايفة نفسها مدينة له بحياتها.
كانوا اتنين اتقابلوا في وقت صعب،
وكل واحد فيهم عرف في التاني إنسانًا يستحق الاحترام.
وعاشوا في كوخ الجبال، وسط الشتاء الطويل والليالي الهادية، وبنوا حياة أساسها الأمان والصدق، مش الشفقة ولا المظاهر.
وفي يوم، جوزفين علّقت الشوال القديم فوق رف خشبي، جنب صورة أمها.
كل ما كانت تبص له، تفتكر اليوم اللي افتكرت فيه إن حياتها انتهت، بينما الحقيقة إن حياتها الجديدة كانت لسه بتبدأ.
أما سايروس، فكان كل ما حد يسأله ليه دفع خمسين دولار عشان يتجوز ست أهل البلد وصفوها بالمسخ، يرد بنفس الإجابة
أنا ما دفعتش عشان أشتري ست، ولا كنت بدوّر على واحدة تنقذني من الوحدة. أنا شفت إنسانة كل الناس قررت إنها ما تستاهلش الرحمة، ورفضت أبقى واحد منهم.
لأن جوزفين ما كانتش محتاجة حد يغيّر وشها عشان تبقى جميلة… كانت محتاجة حد يشوفها إنسانة قبل ما يحكم عليها.