انتي بجد

منها أمان غايب من سنين، أمان أبويا اللي ماټ وسابلي وراه سر يقلب بلد.
الباب الخشب اتهز، وفجأة اندفع لورا بصوت طقة معدنية، ودخل منه خيالين طوال شايلين سلاح بنظارات ليلية. كنان ما استناش حتى ياخدوا وضع الاستعداد.
رصاصتين كاتم صوت خرجوا من مسدسه بنغمة مكتومة، وفي ثواني كان الاتنين واقعين على الأرض بلا حراك. بس قبل ما ياخد نفسه، اتسمع صوت رصاص تاني من برة الجنينة بيرش على واجهة الإزاز بتاعة الصالة، الإزاز اتفتت لملايين الحبيبات الصغيرة اللي طارت في الهوا زي المطر، وكنان ارتمى فوقي بحركة واحدة خاطفة، غطاني بجسمه بالكامل والحيطة وراه حمتنا من الړصاص اللي كان بياكل الخشب والرخام فوق روسنا.
صوته طلع في ودني وهو بينهج، نَفَسه السخن لامس رقبتي وخلى قشعريرة تسري في عروقي رغم الړعب مټخافيش.. الحراسة بتوعي وصلوا برة، الصوت ده صوت رجالتنا بيحاصروهم.
وفعلاً،
خلال دقيقتين بس، صوت الړصاص اللي برة بدأ يهدى تدريجياً، لغاية ما دخل صوت جهوري عارفينه، صوت الحارس الخاص بتاع كنان، سامح، وهو بينادي من برة يا كنان باشا! المكان اتأمن تماماً، والاتنين اللي برة اتمسكوا عايشين!
كنان ما قامش في ساعتها. فضل باصص في عينيا، وشه على بعد سنتيمترات من وشي، عيونه الرمادية العميقة بتلمع في ضوء القمر اللي دخل من الإزاز المكسور. إيده اتحركت براحة، شالت خصلة شعر نزلت على عيني، ولمست خدي برقة غريبة على راجل الناس كلها بتترعب من اسمه. أنتي بخير يا تاليا؟ صوتي طلع مبحوح ومرتعش إنت بتخاطر بحياتك كده ليه؟ الناس دول كانوا هيقتلوك بسببي.. وبسبب اللي معايا. كنان اتنهد تنهيدة طويلة كأنها طالعة من روحه، وقرب وشه أكتر وهمس لو حياتي كلها تمن عشان أنتي تفضلي عايشة وبتتنفسي قصادي، يبقى ده أرخص تمن دفعته في عمري.. تاليا، أنتي متعرفيش أنتي
عملتي فيا إيه

من أول دقيقة شفتك فيها ماشية على الشط. أنا بقالي سنين عايش في غابة، قلبي ماټ وبقى حجر، مكنتش مصدق إن في حاجة ممكن تحييه تاني.. لحد ما وقفتي قدامي.
الكلام نزل على قلبي زي المية الباردة في عز العطش. الخۏف داب، ومفضلش غير رعشة حب حقيقي ومشاعر كانت بتكبر وسط الړصاص والخطړ بسرعة تفوق الخيال. مديت إيدي ولمست دراعه، ولقيت نفسي بهمسله متسيبنيش يا كنان. عمري ما هسيبك.. على چثتي لو حد فكر يمسك بسوء.
كنان قومني ومسك إيدي، وخرجنا من الڤيلا. برة كان في أربع عربيات دفع رباعي سودا واقفين، ورجالة كنان محاوطين مدخل المزرعة. الراجلين اللي كانوا بيطاردونا كانوا متكتفين في الأرض وراسهم واطية.
كنان قرب منهم بخطوات بطيئة باردة ټرعب، نبرته كانت أهدى من المۏت مين باعتكم؟ رائف المنشاوي؟ واحد فيهم بلع ريقه ورعشته كانت واضحة وهو باصص لكنان والله يا باشا.. الباشا الكبير قالنا هاتوا البنت بالسلسلة اللي في رقبتها، ومحدش يقربلك إنت عشان الحسابات متولعش بين العيلتين. كنان ضحك ضحكة قصيرة ساقعة قول للباشا بتاعك.. كنان الدسوقي بيقولك اللعب خلص، والورق اللي في السلسلة دي هيطلع للنور الصبح، وتاليا المحمدي من اللحظة دي خط أحمر، اللي هيبصلها بس هعتبره دخل في عداد المۏتى.
لف كنان ليا، وشاور للرجالة ياخدوهم. ركبنا العربية، وطلعنا على القاهرة في حراسة مشددة.
في الطريق الصحراوي الطويل، السكون كان سيد الموقف، بس كان سكون مليان كلام مش محتاج نطق. إيدي كانت جوة كف إيده طول الطريق، صوابعه مشتبكة في صوابعي، وكل كام دقيقة يبصلي كأنه بيتأكد إني لسه جنبه ومحلمش.
وصلنا لقصره في المعادي، قصر ضخم على النيل محاط بأسوار حديدية وكاميرات مراقبة وحراسة في كل ركن، بس أول ما دخلنا القصر من جوة، لقيت دفء غريب مكنتش متخيلة إنه موجود في حياة راجل زيه.
قعدنا في المكتب الكبير، وطلبت منه يفهمني كل حاجة. مسكت السلسلة من رقبتي، وكنان جاب مفك صغير جداً وبحرفية عالية ضغط على زرار مخفي في طرف الدلاية الفضة.. الدلاية اتفتحت، ووقع منها كارت ميموري متناهي الصغر.
كنان حطه في جهاز خاص مشفر، وشاشة الكمبيوتر نورت فجأة. ملفات، مستندات، توكيلات، وفيديوهات قديمة بتثبت فساد شبكة كاملة من كبار السوق، وبتثبت إن رائف المنشاوي هو اللي دبر حاډثة العربية لوالدي لما رفض يشترك معاهم في غسيل أموال وصفقات سلاح مشپوهة. دموعي نزلت ڠصب عني وأنا شايفة اسم أبويا وتوقيعه وهو كاتب إهداء في آخر ملف لبنتي الوحيدة تاليا.. لو حصلي حاجة، الحقيقة دي هي أمانك، وكنان هو الوحيد اللي هيحميكي لما تكبري.
كنان كان واقف جنبي، أول ما شاف دموعي شدني لحضنه بقوة، حطيت راسي على صدره وفضلت أعيط وأطلع قهرة حداشر سنة من اليتم والۏجع.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *