ابن اخويا
“ياسين اعترف إزاي رجله اتكسرت.. كان بيحاول يمنع شيماء إنها تنزل فريدة تحت لوحدها في الضلمة، فزقته على السلم.”
الظابط سكت شوية وكمل: “وعلى الرغم من إنه كان عارف إن رجله مكسورة ومابيقدرش يمشى، وهي قفلت الباب تاني بعدها بأيام.. الولد استنى أول فرصة وشباك يتفتح عشان ينقذ أخته.”
ياسين ما هربش عشان كان شجاع بس.. ياسين هرب عشان فريدة كانت بتموت من الجوع.
ورغم إنهم فهموه إن عمو نسيه.. عقله الصغير وقلبه افتكروا عنوان بيتي في شبرا، وجالي زحفاً على بطنه عشان ينقذ أخته!
الظابط سابني مشيت أجر رجلي بالعافية ونفسي مقطوع. دخلت الأوضة، ياسين كان قاعد وساند ضهره على المخاد، ماسك إيد فريدة اللي كانت نامت أخيرًا وعينها مبللة بالدموع.
أول ما شافني، وشه انكمش وشد الملاية عليه، وكإنه خايف أكون زعلان منه عشان “كشف السر”.
قربت منه بالراحة، وقعدت على طرف السرير. مسكت إيده الصغيرة اللي كانت كلها خدوش وجروح من زحف السلم والإسفلت.
“ياسين..” صوتي كان بيترعش، “أنا آسف يا حبيبي.. آسف إن عمو مصطفى تأخر عليك كل ده.”
بصلي بعيون واسعة وقال بصوت واطي قوي: “هو إنت بجد كنت بتجيلي يا عمو؟ هي شيماء مكنتش بتكدب لما كانت بتقول إنك نسيتنا ومش عايز تشوفنا؟”
الكلمة نزلت على قلبي زي المية المغلية. مسكت وشه بين إيديا وقلتله: “والله العظيم ما نسيتكم يوم واحد! كنت بجي لحد الباب، وأجيب اللعب، وأفضل واقف بالساعات عشان بس أسمع صوتكم من ورا الباب.. هي اللي كانت بتدبي عليا وتقولي إنكم نايمين أو مش عايزين تشوفوني. أنا عمري ما أسيبكم يا ياسين.. عمر دم أحمد أخويا ما يضيع ولا ولاده يتراموا.”
دمعة نزلت من عينه، ولأول مرة من ساعة ما جه بيتزحف، يبدأ يعيط بكا حقيقي.. مش بكا خوف، ده بكا طفل أخيرًا حس بالأمان. اترصص في حضني وجسمه كله كان بيتفاض وهو بيهمهم: “رجلي كانت بتوجعني قوي يا عمو.. بس فريدة كانت بتعيط وتقولي هيغمى عليا من الجوع.. كان لازم أفتح الشباك.. كان لازم أجي لك.”
فضلت ضاممه لصدري وأنا بحلف له إن الكابوس ده انتهى للأبد.
بعد يومين، بدأت الإجراءات القانونية والمحاكمة العاجلة.
النيابة العامة في شمال القاهرة تحركت بسرعة مرعبة. التحقيقات كشفت إن شيماء مكنتش بس بتعاملهم بقسوة، دي كانت بتاخد المعاش بتاع أخويا الله يرحمه والتأمين، وتصرفه على نفسها وعلى أهلها، وكانت حابسة الولاد في القبو عشان تضمن إن محدش من الجيران أو العيلة يشوف آثار الضرب والجوع اللي عليهم.