الليله
وبعدين وقفت قدامها مباشرة.
رفعت الشومة.
نهى صرخت:
“مريم… لأ!”
اللي حصل بعدها ماخدش غير كام دقيقة…
لكن الدقايق دي غيرت حياتنا إحنا التلاتة للأبد.
لما نزلت إيدي أخيرًا، كان كريم بيصرخ باسمي، ونهى واقعة على الأرض، وأنا واقفة مش قادرة أصدق اللي حصل.
في اللحظة دي فهمت حاجة واحدة…
إن حياتي القديمة انتهت.
وإن مفيش أي طريق أقدر أرجع منه وأعيش كأن حاجة ماحصلتش.
بصيت للتليفون اللي كان واقع على الترابيزة.
مديت إيدي وخدته بنفسي.
واتصلت بالشرطة.
قلت لهم عنواني بالتفصيل.
ولما الموظف سألني:
“إيه اللي حصل؟”
بصيت لكريم ونهى.
للشخصين اللي دمروا جوايا كل حاجة كنت مصدقاها عن الحب والصداقة والأمان.
وقلت بصوت هادي لدرجة إني أنا نفسي خفت منه:
“أنا مستنياكم… ابعتوا الشرطة.”
لكن اللي ماكنتش أعرفه وقتها…
إن اللي حصل في الشقة دي ماكانش نهاية الحكاية.
ده كان أول خيط في سر أكبر بكتير…
سر هعرف حقيقته بعد سنين، وهيخليني أسأل نفسي سؤال واحد:
هو أنا فعلًا خسرت تلات سنين من عمري بسبب اللي حصل في الليلة دي؟
ولا كان في حد تاني هو اللي رتب لكل حاجة من البداية؟
الموظف على الناحية التانية من الخط فضّل ساكت ثواني مش مستوعب الهدوء اللي بتكلم بيه، وقبل ما يلحق يسألني عن تفاصيل أكتر، نزلت التليفون على الترابيزة وحطيته جنب علبة الساعة الذهب المتربة.
كريم كان قاعد على جنب ماسك دراعه، وعينيه طايرة في الأوضة كأنه بيدور على خروج من الكابوس ده، ونهى كانت حاطة إيدها على وشها ودموعها نازلة بمغص مكتوم، صوت شهقاتها كان الشيء الوحيد اللي بيقطع السكون اللي ساد الشقة.
أنا ما تحركتش من مكاني. فضلت واقفة بصلهم كأني بصل لتماثيل شمع دايبة. مفيش في قلبي غل، ولا حتى كره… كان فيه فراغ تام، زي أرض محروقة مفيش فيها أمل إن زرع ينبت تاني.
صوت سرينة اليدو وهي بتقرب من الشارع كان أشبه بنغمة مألوفة، نغمة ختام الفصل الأول. الباب اتخبط بقوة، وكريم جرى بلهفة يرغي مع العساكر والأمين اللي دخلوا، يبكي ويدعي إنه كان بيدافع عن نفسه وإن أنا اللي هجمت عليهم بفجائية.
الأمين بصلي، شاف الشومة مرمية على الأرض، وبص للهدوء الغريب اللي كان على وشي. قرب مني وقال بثقل:
“تعالي معانا يا مدام من غير شوشرة.”
ما قاومتوش. مدّيت إيدي للكلابشات بمنتهى الاستسلام. وأنا طالعة من باب الشقة، لفيت وشي بصة أخيرة، لقيت كريم بيبصلي بنظرة مافيهاش أي ندم، كان فيها حاجة تانية خالص… كان فيها راحة، كأنه كان مستني اللحظة دي بفارغ الصبر.