الليله

أول ما دخلت، قام وقف ومد إيده بثبات:

“حمد الله على السلامة يا مريم.. حقك رجع بالكامل.”

حط قدامي على الترابيزة ملف أزرق ضخم فيه أوراق النيابة، وإفادات البنوك، والتحفظ على أموال طارق وكريم، وإعادة ملكية الشركة والمقر والمصنع باسمي أنا لوحدي.

“والقضايا التانية؟” سألته بصوت هادي.

الاستاذ جلال ابتسم ابتسامة هادية وقال:

“كريم وطارق قدامهم تهم تزوير واستيلاء وغسيل أموال، غير البلاغات القديمة اللي فتحناها.. مش هيشوفوا الشارع قبل عشر سنين على الأقل. أما بالنسبة لنهى…”

أول ما نطق اسمها، قلبي ما انقبضش زي زمان.

كمل كلامه:

“نهى لما عرفت إن طارق أخد الفلوس وهرب بيها بره قبل ما نلحقه، وإن كريم مابقاش حيلته حاجة، حاولت تضغط عليه بعقد شقة قديم، ودلوقتي هي مدانة في قضايا إيصالات أمانة مزورة كان طارق بيبتزها بيها.”

بصيت للأوراق اللي قدامي، مسكت القلم المذهب اللي كان محطوط على المكتب، ووقعت على استلام كل أصولي وشركاتي.

خرجت من مكتب المحامي وأنا حاسة إن جسمي خفيف كأني بتنفس لأول مرة من سنين. أخدت عربية وروحت على العمارة الجديدة اللي كنت شريتها من أرباح أقدم مشروع ليا قبل ما أتسجن، شقة محدش يعرف عنها حاجة غيري.

فتحت الباب، وشغلت النور. المكان كان هادي، ريحة الدهان الجديد والمفروشات النظيفة كانت بتملى المكان.

مشيت ناحية البلكونة وفتحتها على وسعها، دخل الهواء البارد بتاع الليل يطير طرطشة الستائر البيضا.

مسكت التليفون الجديد اللي اشتريته وأنا في الطريق، وفتحت كشف الحساب البنكي اللي وصلني رسالة بيه.. الأرقام كانت موجودة، الشركة شغالة، واسمي راجع يلمع في السوق من تاني.

بس أهم من الفلوس والشركة، إني وقفت قدام مراية الصالة المذهبة، وبصيت لوشي.

الخطوط التعبانة اللي كانت تحت عيني اختفت، وملامحي المكسورة بتاعة ليلة 17 ديسمبر ما بقاش ليها أثر. اللي واقفة قدامي دلوقتي مش مريم الضحية، ولا مريم المخدوعة.. دي مريم اللي دفعت التمن كاش، ورجعت تاخد حسابها بالمليم.

ابتسمت للمراية، وقفلت البلكونة، وقعدت على الكنبة وأنا بحط رجل على رجل وبشرب كباية شاي سخنة في هدوء تام.. هدوء مافيهوش خيانة، ومافيهوش خوف، ومافيهوش حد يقدر يكسرني تاني.

النور بدأ يرجع للشقة بالتدريج مع أول خيوط الفجر، وشمس الشتا الباردة قطعت الضباب الدافي اللي كان على زجاج البلكونة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *