الليله

عدت السنين، وجت لحظة الخروج اللي أنا واقفة فيها دلوقتي قدام السجن، والراجل اللي ماسك ورد عباد الشمس واقف قدامي عيونه مليانة دموع متجمعة.

“مريم… تعالي معايا… نروح بيتنا.”

قربت منه خطوتين، الريح الباردة خبطت في وشي، وبصيت للورد اللي في إيده، وبعدين رفعت عيني لوشه مباشرة.

“بيت مين يا طارق؟”

طارق… محامي الشركة بتاعتي، والصديق المقرب لكريم من أيام الكلية، الراجل اللي كان ماسك كل قضاياي ومتابعة حساباتي طول التلات سنين اللي فاتوا وأنا ورا القضبان.

طارق بلع ريقه وصوته اتهز وهو بيقول:

“بيتك يا مريم… أنا جهزت كل حاجة، كل الورق اللي يضمن حقك، وكل الحسابات اللي اتجمدت.. أنا استنيتك عشان أصلح اللي غيري دمره.”

مسكت العود بتاع ورده واحدة من البوكيه، وبصيتله بتركيز:

“أنا في السجن كان عندي وقت طويل أوي أفكر يا طارق.. أفكر في كل التفاصيل الصغيرة. افتكرت الاجتماع اللي اتلغى فجأة يوم 17 ديسمبر.. الاجتماع اللي إنت بنفسك اتصلت بيا الصبح وقبل ما أطلع الشركة قلتلي إن العميل حوّل الفلوس ومش محتاج نقعد معاه.”

وش طارق بدأ يتغير، والابتسامة المترددة اللي كانت على شفايفه اختفت كأنها ما كانتش.

كملت وأنا حاطة عيني في عينيه:

“ساعتها افتكرتك بتخدمني وتوفر عليا وقت.. بس لما قعدت في زنزانتي وجالي المحامي الثاني اللي عينته من وراك وشوفت كشوفات الحسابات اللي اتسحبت كلها ليلة ما أنا اتقبض عليا.. فهمت. إنت ماكنتش بتوفر عليا وقت.. إنت كنت بتتأكد إن مريم هترجع البيت بدري وتشوف الخيانة بعينيها.. إنت اللي أخرت كريم في البيت، وإنت اللي زقيت نهى، عشان عارف إني مش هسكت، وعارف إني لما أدخل السجن، الشغل والشركات والأصول كلها هتتحول لإدارتك إنت وكريم مناصفة.”

طارق نزل إيده بالورد شوية، وعينيه وسعت برعب مش مصدق إن كل حاجة انكشفت.

قربت منه أكتر لحد ما بقيت على بعد سنتيمترات من وشي، وقلتله بصوت واطي ومستقر كأن ألم التلات سنين كله تحول لحديد:

“أنا ما خسرتش تلات سنين يا طارق.. أنا اشتريت بالثلاث سنين دول حريتي منكم كلكم.. والنهارده، اللعبة اللي إنت وكريم بدأتوها، أنا اللي هقفلها.”

طارق سكت خالص، إيده اللي ماسكة الورد بدأت تترعش، والوردة اللي كنت ماسكاها اتفركت بين صوابعي ووقع ورقها الأصفر على الأرض الترابية.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *