الليله

قمت من على الكنبة ببطء، حطيت كباية الشاي الفاضية في الحوض، وتلفوني رن. بصيت على الشاشة… كان رقم غريب مش مسجل عندي.

رديت بصوت متزن:

“أيوة؟”

جه الصوت من الناحية التانية، متقطع ومصحوب بنشيج مكتوم، صوت ضعيف وطالع بالعافية، بس مألوف لدرجة خلّت جسمي يقشعر ثانية واحدة قبل ما أرجع لثباتي:

“مريم… أنا نهى.”

سكت وما ردتش. سبتها تسمع صوت أنفاسي الهادية.

كملت وهي بتتكلم بسرعة ولهفة كأنها خايفة أقفل السكة في وشها:

“مريم أنا عارفة إني مالياش عين أكلمك… وعارفة إنك مش هسامحيني… بس والله العظيم طارق وكريم ضحكوا عليا، طارق استغل إن عليا شيكات ومصنع أبويا المديون وهددني بيهم… كريم هو اللي أصر ناكل حقك… أنا محبوسة في قسم قصر النيل بتهمة شيكات مزورة طارق لبسهالي… المحامي قاللي إنك الوحيدة اللي تقدري تتنازلي عن البلاغ المباشر وتنقذيني… أنا بموت يا مريم… أرجوكي!”

وقفت قدام الشباك وبصيت على الشارع من فوق. حركة العربيات كانت بدأت تزيد، والناس رايحة شغلها طبيعي.

قلت ببرود أبرد من هواء الصبح:

“نهى… فاكرة لما دخلت عليكي الأوضة ليلة 17 ديسمبر وقربتي مني وقلتيلي ‘إحنا أخوات’؟”

صوت عياطها زاد:

“فاكرة… والله فاكرة…”

“أنا يومها ما سمعتكيش عشان الشومة كانت في إيدي… بس التلات سنين اللي قضيتهم في السجن علموني أسمع كويس.”

سكت لحظة، وبعدين كملت بنبرة هادية ومستقرة:

“الأخت ما بتسرقش جوز أختها، والصاحبة ما بتنهبش شقا عمر صاحبتها لما تقع. إنتي مش مظلومة يا نهى… إنتي بس طمعتي، ولما الكيكة صغرت، أصحابك أدوكي بالقلم على وشك. أنا مش هجي أتنازل… ومش هسحب ولا قضية… كل قرش وكل ليلة قضيتها في الضلمة، هتدفعوا تمنها بالقانون.”

وقبل ما تنطق بأي كلمة تانية، قفلت السكة في وشها، وعملت للرقم بلوك.

مسكت شنطتي، ولبست جاكيت الأسود الطويل، وخرجت من الشقة.

نزلتي الشارع المرة دي كانت مختلفة. المشية بقت أسرع، والنظرة بقت أثبت. ركبت عربيتي الجديدة اللي المحامي جابهالي الشقة الصبح مع الأوراق، ومشيت بيها في اتجاه مقر الشركة في التجمع الخامس.

أول ما دخلت المبنى الفخم، موظفين الأستقبال وقفوا بذهول، والنظرات كانت بين مصدوم ومش مصدق.

مدير الأمن جرى عليا وهو بيبلع ريقه:

“مدام مريم… حمد الله على السلامة يا فندم!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *