راجل

بدأت تراجع كل بلاغات الاختفاء القديمة اللي ممكن تكون مرتبطة بالمنطقة.
وبالفعل، ظهر سجل قديم لطاقم إسعاف خرج في مهمة عاجلة أثناء عاصفة ثلجية، ولم يعد إلى مركزه.
وقتها، فرق الإنقاذ بحثت عنهم في الطرق الرئيسية والمناطق القريبة من القرية اللي كانوا متجهين إليها.
تم فحص بعض المسارات القديمة، لكن الثلج الكثيف والطقس السيئ صعّبوا عمليات البحث.
ما كانش فيه دليل واضح يحدد مكان العربية.
ومع مرور الوقت، انتهت عمليات البحث من غير نتيجة مؤكدة.
أهل المسعفين عاشوا سنوات طويلة من غير إجابة.
كان فيه احتمال إن العربية اتعرضت لحاډث في مكان بعيد، أو إنها خرجت عن الطريق، أو إن الطاقم اضطر يتركها ويكمل سيره وسط العاصفة.
لكن محدش كان عنده دليل يثبت أي احتمال.
عائلاتهم فضلت مستنية.
كل ما تليفون يرن في وقت متأخر، كانوا بيتمنوا يسمعوا خبرًا يطمنهم.
وكل ما يظهر خبر عن العثور على مركبة قديمة في منطقة نائية، كانوا يتابعوه على أمل إن يكون فيه أي معلومة عن مصير أحبائهم.
لكن السنين مرت، والأمل بدأ يتحول إلى ۏجع صامت.
لحد ما ظهر مارتن.
الكراسة اللي لقاها داخل العربية ساعدت المحققين يربطوا المكان ببلاغ الاختفاء القديم.
وبعد فحص الهياكل العظمية، ومراجعة السجلات المتاحة، خلص الخبراء إلى أن الجثمانين يعودان على الأرجح إلى المسعفين المفقودين.
كانت الأدلة متوافقة مع ظروف اختفائهما، ومع الملابس والمعدات الموجودة في العربية.
ورغم إن مرور السنين جعل بعض التفاصيل مستحيلة التحديد، فإن الصورة العامة كانت واضحة.
الطاقم دخل طريقًا قديمًا أثناء عاصفة شديدة، والعربية علقت وسط الثلج، والاتصال انقطع، ثم حاصرتهما الظروف القاسېة.
ما كانش فيه دليل على إن شخصًا آخر تسبب في موتهما.
ولا على وجود چريمة وراء اختفائهما.
الحقيقة كانت أبسط، لكنها أشد قسۏة.
اتنين خرجوا عشان ينقذوا حياة إنسان، وانتهى بيهم الأمر محاصرين في مكان ما حدش عرف يوصل لهم فيه.
بعد التأكد من هويتهما، بدأت السلطات تتواصل مع العائلات.
بالنسبة للأسر، الخبر كان صادمًا ومؤلمًا، لكنه أنهى انتظارًا استمر لسنوات طويلة.
على الأقل، بقوا عارفين إن أحبائهم ما اختفوش بإرادتهم، وإنهم حاولوا الصمود حتى آخر لحظة.
وبقت الكراسة، اللي كتبها دانيال وسط الخۏف والبرد، واحدة من أهم الأدلة اللي ساعدت على كشف الحقيقة.
أما مارتن، فكان لسه مش قادر ينسى المشهد اللي شافه في أول لحظة فتح فيها باب العربية.
كان بيرجع بذاكرته لليوم ده كل ليلة تقريبًا.
يفتكر المطر، والضباب، والعربية البيضاء اللي ظهرت وسط الشجر كأنها شبح.
ويفتكر الهيكل العظمي اللي كان قريبًا من الباب الخلفي، وكأنه كان بيحاول يخرج من مكانه الأخير.
لكنه كان بيرجع يفكر في حاجة تانية أكتر من أي شيء.
لو ما كانش دخل الغابة في اليوم ده
لو ما كانش المطر اشتد
لو ما كانش ضل طريقه
هل كان ممكن يفضل سر العربية مدفونًا لسنوات أطول؟
ما كانش عنده إجابة.
كل اللي كان يعرفه إنه ما كانش بيدور على سر، ولا بيحاول يكتشف لغزًا قديمًا.
كان مجرد راجل خرج يجمع المشروم، وانتهى به الأمر ليكون الشخص اللي كشف مصير اتنين من الناس اللي اختفوا من زمن بعيد.
الفصل الأخير الرسالة اللي استنت سنين عشان حد يقراها
بعد انتهاء التحقيقات، اتنقلت الكراسة لفحصها وحفظها ضمن الأدلة المتعلقة بالقضية.
الصفحات الأخيرة كانت الأكثر تأثيرًا، لأنها كشفت خوف المسعفين ومحاولاتهم اليائسة للحصول على المساعدة.
لكن وسط كل الكلمات المكتوبة عن الثلج والبرد والعزلة، كانت فيه جملة واحدة فضلت عالقة في أذهان كل اللي قرأوا الكراسة
لو أي حد لقى عربية الإسعاف دي، أرجوكم بلغوا أهلنا إحنا كنا فين.
الجملة دي كانت آخر رسالة منهم للعالم الخارجي.
رسالة اتكتبت في لحظة

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *