في ليله دخلتنا
كان واقف جنب الشباك، والشمس ضاربة في كتفه، وفي إيده علبة صغيرة. قلبي اتقبض شوية: “عاصم.. بتعمل إيه؟”
فتح العلبة.. كان فيها توكة الوردة الكاميليا، أول هدية جابهالي وأنا عندي ثمان طاشر سنة. تسمرت مكاني وبصيت للعلبة. قال بصوت خافت: “لقيتها في الخزنة القديمة.. وشلتها معايا من يوم ما مشيتي.”
ما نطقتش، فقرب وحط العلبة على الطاولة: “أنا مش بجيبهالك عشان أطلب منك ترجعيلي.. أنا بس حسيت إن دي حقك أنتِ من الأول.”
بصيت للتوكة وسألته: “أنا سبتها زمان..” “عارف..” “طب جايبها ليه دلوقتي؟”
بص لي عاصم وقال بصدق: “عشان أرجعلك حق الاختيار يا فريدة.. زمان أنا اللي قررت كل حاجة، قررت الجواز، العقد، والمسافة، وحتى لما طلبنا الطلاق حاولت أماطل.. أنا عمر ما سألتك أنتِ عايزة إيه.”
دموعه التمعت في عينيه: “التوكة دي.. لو عايزة ترميها ارميها، ولو عايزة تحتفظي بيها تحتفظي.. حقك أنتِ وبس ومش هسألك تاني.”
سكتت فترة طويلة، وفي الآخر أخدت العلبة وقفلتها: “هتفضل معايا.”
عينيه أشرقت بفرحة، بس الجملة اللي بعدها جمّدته مكانه! قلت له بهدوء: “بس مش عشانك يا عاصم.. التوكة دي تذكار من فريدة اللي كان عندها ثمان طاشر سنة.. البنت اللي حبّت من قلبها بجد زمان، ومش هظلم ذكراها.”
عاصم وطي رأسه وقال بفهم: “فاهم يا فريدة.”
حطيت العلبة في الدرج ولفت له: “عاصم.. عارف أنا بندم على إيه أكتر حاجة؟” سألني بصوت واطي: “إيه؟” “بندم إني ما حبّيتش حد تاني زمان.. وبندم إني افتكرت إن حياتي من غيرك مالهاش معنى.”
عاصم يفضل ساكت، فكملت كلامي: “بس لما مشيت وسيبتك.. اكتشفت إن العالم واسع أوي، وإن فيه أماكن كتير ما شفتهاش، وحاجات كتير ما جربتهاش، وناس بيحبوني بجد.. وأنا مش مستعدة أخسر الحاجات دي تاني عشان أي حد.”
فضل عاصم باصص لي بكسرة واحترام، وبعدين هز رأسه وقال: “أنا فرحان إنك لقيتي نفسك يا فريدة.. بجد.”
والمرة دي.. أنا صدقته.
بعد سنتين من طلاقنا.. ياسمين جت زيورخ فجأة. اتتفاجأت لما بعتت لي رسالة: فريدة.. عايزة أقابلك مرة واحدة بس.
فكرت شوية، وفي الآخر وافقت، وتقابلنا في كافيه على البحيرة.
كانت لابسة بالطو بيج وما حطتش مكياج كتير زي زمان، وشها كان باين عليه النضج والتعب. أول ما شافتني قامت وقالت: “فريدة..” قلت لها: “اتفضلي يا ياسمين.”