في ليله دخلتنا

قعدت وقعدت أيديها بترتعش وهي ماسكة كباية القهوة، وبعد لحظة صمت قالت: “أنا جيت أعتذر لك.” بصيت لها وما ردتش، فكملت هي بكسرة: “بعتذر عن المقال، وعن الرسائل، وعن كل حاجة عملتها زمان.. أنا كنت فاكرة إن عاصم هيستناني للبد وأن لو رجعت كل حاجة هترجع زي زمان، بس أنا كنت غلطانة.”

سألتها: “أنتِ هتعملي إيه دلوقتي؟” بصت للبحيرة وقالت: “راجعة فرنسا أبدأ شغلي تاني من الصفر.. بس المرة دي بمجهودي أنا.”

هزيت راسي: “ربنا يوفقك.” بصت لي باستغراب: “أنتِ مش بتكرهيني؟”

فكرت ثانية وقلت لها: “كنت زعلانة ومقهورة زمان.. بس دلوقتي حياتي مليانة: بنتي، شغلي، صحابي.. ما عنديش وقت ولا مجهود أضيعه في الكره.”

ابتسمت ياسمين بمرارة وقالت: “دلوقتي بس فهمت ليه عاصم حبّك يا فريدة.” هزيت راسي وقلت لها: “حبني أو لا.. ده ما بقاش مركز حياتي خلاص.”

قمت وقالت لي كلمة أخيرة: “أتمنى لك الخير يا ياسمين.” وسيبتها ومضيت.. والنهار كان طالع والشمس دافية، وطلعت تليفوني اتصلت بأمجد عشان يجيب لي كيكة الفراولة اللي بحبها.

بعد ثلاث سنين من طلاقنا.. نزلت مصر أحضر عيد ميلاد الجدة. المرة دي ما كنتش “حرم عاصم بيه”.. كنت فريدة عادل، أم جنى. جنى كان عندها سنتين ونص، لابس فستان أصفر وبتجري أول ما دخلت البيت القديم وتصرخ: “تيتة!” الجدة حضنتها بدموع وفرحة: “يا قلب تيتة يا جنى!”

عاصم جه من جوه بالقميص الأبيض، شكله بقى أصغر وأهدى من زمان، وبص لي وقال: “حمد الله على السلامة يا فريدة.” هزيت راسي وقلت له: “الله يسلمك.”

أخد مني الشنطة بالراحة، وبقينا نتعامل مع بعض بنضج وهدوء من غير توتر ولا رسميات زيادة، بس من غير ما حد يتعدى حده.

بالليل بعد ما الضيوف مشيوا، وقفت في الجنينة اللي شفت فيها عاصم وبياسمين بيبوسوا بعض زمان. جيه عاصم ووقف جنبي: “بتفكري في إيه؟” قلت له وابتسامة خفيفة على وشي: “بفتكر زمان.. اليوم اللي شفتك فيه هنا، والكوفية اللي قعدت أغزل فيها شهرين وفكيتها في ليلة واحدة.”

عاصم وطي رأسه بكسرة وقال: “أنا آسف يا فريدة..” قلت له: “ما فيش داعي خلاص.. ده كان زمان.”

سألني وهو بيبص لي بلهفة: “لو كنت أديتك اهتمام زمان يا فريدة.. لو ما حطيتش العقد قدامك وقبلت نبدأ جواز حقيقي.. كان الموضوع يفرق؟”

فكرت شوية وقلت له: “يمكن.. بس محدش بيلف الزمن يا عاصم، وفريدة بتاعة زمان خلاص مش موجودة.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *