في ليله دخلتنا
قلت له باستغراب: مش ده اللي أنت عايزه من الأول؟
طلعت العقد اللي بيننا وحطيته قدامه: البند اثنا عشر: بعد ثلاث سنين، لو أي طرف طلب الطلاق، التاني ينفذ من غير شروط.. ده خط إيدك يا عاصم بيه.
فضل يبص لإمضائه وقت طويل، وبعدين سأل فجأة: ولاو قلت لك إني مش عايز أطلق؟
اتصدمت: إيه؟ العقد ده.. يلغى.
بصيت له كام ثانية وبعدين انفجرت في الضحك: عاصم! ياسمين رجعت خلاص.. بتثمل عليا ليه تاني؟
حدقة عينيه ضاقت، فمسكت القلم وحطيته في إيده: امضي.. مش هقف في طريقكم ولا هاخد أكتر من حقي، ومن بكرة هختفي من حياتك خالص.
كل كلمة كنت بقولها كانت بتخليه يتعصب أكتر، بس في الآخر مسك القلم وامضى بعنف كاد يقطع الورقة. بصيت للتوقيع ونفست ببراحة.. أخيراً الكابوس خلص.
أول ما خرجت، المطرة بدأت تنزل. وقفت تحت المظلة أطلب تاكسي، فجه عاصم من ورايا: أنا هوصلك. مش محتاجة. فريدة!
لفيت نفسي وبصيت له، لقيت نظرة في عينيه فكرتني بليلة ما شفته أول مرة وأنا عندي سبعة عشر سنة.
كان يوم مطر تاني. نفس المطر اللي خلاه زمان يرمي لي الفوطة.. بس إحنا الاتنين ما بقيناش نفس العيال بتوع زمان. ابتسمت له بهدوء: عاصم.. أتمنى لك ولها السعادة.
فضل باصص للورقة وقت طويل، وبعدين قعد على طرف السرير بالراحة. ولأول مرة في حياته، الراجل اللي طول عمره مغر وبارد حس بكسرة ورعب حقيقي. لأنه دلوقتي بس فهم.. في الليلة دي، وقبل ما يقول لها “هي رجعت”.. كانت مراته ناوية تفاجئه إنها حامل في ابنهم. وفِي اللحظة دي بس، أدرك حاجة أرعب بكثير: هو.. ما كانش عايز يطلقها أصلاً.
الراجل اتساب ورا. عاصم عمره ما تخيل إن فيلته اللي مساحتها أكتر من ألف متر هتخليه يحس إنه بيتخنق جوه قفص. كان دايماً شايف إن فريدة ست هادية ومش بتاعة مشاكل. ما بتفتش في تليفونه، ما بتسألوش رايح فين ولا جاي منين ولا هيرجع إمتى، وحتى لما كان بيسافر شغل نص شهر، كان كل اللي بتبعته رسالة واحدة: افتكر تاكل في ميعادك.
كان بيشوف الهدوء ده مريح، لأنه مش محتاج يبرر ولا يشرح، ولا حتى يرد على مشاعر مش عايزها. بس النهاردة، لما حاجتها اختفت من الأوضة، اكتشف عاصم حاجة غريبة.. الست اللي افتكر إنها ما سابتش أي أثر في حياته، كانت موجودة في كل حتة!
الساعة اللي على الحيطة متقدمة خمس دقائق عشان هو دايماً بيصحى متأخر. درج المكتب فيه أدوية المعدة مقسمة في أكياس صغيرة ومعاها ورقة: ما تشربش سجاير ولا قهوة على معدة فاضية. على الرف، الملفات متستفة بالسنة. حتى كرافتته الرمادي المفضلة مغسولة ومكوية ومتعلقة في الدولاب.