رجع بعد خمس سنين عشان يتجوزني… ولما شاف جوزي اتصدم! بعد خمس سنين كاملة من يوم ما سابني واختفى مع ست تانية، رجعلي بكل بجاحة وقال: «سلمى، أنا رجعت عشان أتجوزك.» بس هو مكنش يعرف إن الخمس سنين اللي قضاهم بعيد عني، أنا مكنتش مستنياه فيها… أنا كنت اتجوزت. والأغرب من كده؟ إن الراجل اللي اتجوزته كان واقف مستنيه في نفس المكان. عرفته أول ما دخل صالة المطار العسكري. مستحيل أنسى شكله، حتى بعد خمس سنين كاملة. كان لابس نضارة شمس، وبدلته العسكرية باين عليها آثار السنين اللي قضاها بعيد، ووشه بقى أغمق من كتر الشمس. أول ما شافني، وقف لحظة كأنه اتأكد إني فعلًا قدامه. وبعدين ابتسم. الابتسامة اللي كنت زمان بحبها. وقالي بكل ثقة: — سلمى، أنا رجعت عشان أتجوزك. وقفت مكاني. بصيت له كام ثانية من غير ما أقول كلمة. وبعدين قلت بهدوء: — معلش… إحنا نعرف بعض؟ ابتسامته اتوسعت، كأنه فاكر إني بهزر معاه. — يا بنتي بقى يا سلمى! كفاية زعل. خمس سنين عدّوا، ولسه هتفضلي زعلانة مني؟ كان واقف جنبه نورهان عبدالعزيز. نفس الست اللي اختفى معاها من خمس سنين. بصيت لها، وبعدين بصيت له. الاتنين كانوا متغيرين. آدم كان باين عليه إنه عاش سنين صعبة فعلًا. وشه اسمر من الشمس، والبدلة العسكرية بتاعته فقدت جزء كبير من لونها من كتر السنين اللي قضاها بعيد. أما نورهان، فكانت لابسة فستان قطن بسيط، وباين عليها إنها خسّت كتير. بصراحة، كانوا شكلهم زي اتنين عاشوا خمس سنين كاملة من التعب والمغامرات جنب بعض. آدم بدأ يتكلم، وكأنه داخل يحكيلي حكاية لازم أقتنع بيها: — أنا عارف إن اللي عملته وقتها وجعك. بس نورهان كانت رايحة لوحدها عشان تدرّس في قرية جبلية، وصحتها طول عمرها ضعيفة، ومكنتش أقدر أسيبها تسافر لوحدها من غير حماية. وبص لنورهان بحنان. نفس النظرة اللي من خمس سنين كانت كفيلة إنها تخليني أشك في نفسي. وقال: — نورهان مهمة جدًا بالنسبة لي. وبعدين رجع بص لي. — بنينا مدرسة هناك، وساعدنا في فتح طريق للقرية، وكمان قدرنا نوصلها بالعالم الخارجي. ودلوقتي أخيرًا أقدر أنفذ وعدي ليكي. نورهان ضحكت ضحكة صغيرة وقالت: — بصراحة أنا مش فاهمة إنت لسه عايز تتجوزها ليه. وبصت لي من فوق لتحت. — أكيد جت المطار مخصوص عشان تستناك. لو كنا فضلنا على تواصل طول الخمس سنين، كانت زمانها راحت ورانا لحد الجبل! آدم حط إيده على كتفها وقال: — نورهان، لما أنا وسلمى نتجوز، هتبقي من عيلتنا. فخليكي محترمة معاها. وبعدين لف ناحيتي وقال بكل برود: — نورهان ضحت كتير عشاني. ولما نبقى جوز ومرات، أنا متوقع منك إنتِ كمان تهتمي بيها. بالعافية قدرت أمسك نفسي من الضحك. خمس سنين كاملة. وخلال الخمس سنين دول، آدم لسه زي ما هو بالظبط. لسه شايف نفسه محور الدنيا. ولسه بيتكلم عن حياتي كأنه هو اللي بيقررها. رفعت إيدي الشمال ببطء. الدبلة اللي في صباعي لمعت تحت أنوار صالة المطار. وقلت له بهدوء: — يا رائد آدم، في حاجة واحدة لازم أشكرك عليها. ملامحه اتغيرت. — إيه؟ بصيت للدبلة في إيدي، وبعدين رفعت عيني عليه. — إنك مخلتنيش أتجوزك. سكت لحظة. وبعدين قلت: — الراجل اللي اتجوزته في الآخر أحسن منك بكتير. آدم فضل باصص لي كام ثانية. وبعدين فجأة انفجر في الضحك. — سلمى… إنتِ بتحاولي تضحكي على مين؟ نورهان كمان ابتسمت. آدم هز راسه وهو مستمتع بالموقف. — كل المعسكر العسكري كان عارف إنك كنتِ مخطوبة لي. آه، أنا اختفيت فجأة، وأنا معترف إن دي كانت غلطتي. وقرب مني خطوة. — بس عيلتك، ومكانتك، والفضيحة اللي كانت هتحصل لو فسختي الخطوبة… مين كان هيجرؤ يتجوزك بعد كده؟ آه… يعني خلال الخمس سنين اللي فاتوا، كان عايش وهو فاكر إني لسه واقفة مكاني. فاكر إني لسه البنت اللي سابها وراه، ومستنية حضرته يرجع عشان يكمل حياته من حيث ما وقف. لكن آدم مكنش يعرف الحقيقة. مكنش يعرف إن يوم ما ساب خدمته وراح من غير إذن، جده اضطر يستخدم كل علاقاته ونفوذه اللي بناهم طول حياته عشان يلمّ الموضوع ويحتوي العواقب. ولما اللواء الشافعي سألني عايزة إيه كتعويض… أنا مطلبتش فلوس. ولا طلبت أملاك. ولا حتى طلبت منه ينتقم من حفيده. بصيت له وشاورت على ابنه الأصغر… ناصر الشافعي. وقتها كان واحد من أصغر القادة العسكريين في المنطقة. وقلت في الليلة دي: — الفرح جاهز… ناقص العريس بس. الصالة كلها سكتت. ولا نفس تقريبًا كان بيتسمع. ناصر رفع عينه وبص لي كام ثانية. وبعدين حط الكوباية اللي في إيده على الترابيزة. وقال بهدوء: — لو سلمى متأكدة… أنا كمان متأكد وموافق. بعد تلات شهور… بقيت مرات عم آدم. لكن آدم؟ آدم لسه مكنش يعرف أي حاجة. كان قضى خمس سنين بعيد عن الناس، ومنقطع عن العالم تقريبًا في منطقة نائية. ولسبب ما، محدش شاف إن من الضروري يقول له اللي حصل. ولا حد حس إنه لازم يفهمه إن البنت اللي سابها وراها كملت حياتها من غيره. بصيت في ساعتي. الطائرة الخاصة بجوزي المفروض تهبط خلال دقايق. وفي اللحظة دي، موبايلي اهتز. رسالة من ناصر ظهرت على الشاشة: «وصلنا حالًا. متتحركيش من مكانك، أنا جاي أخدك.» ابتسمت غصب عني. آدم شاف ابتسامتي. سألني: — جوزك المزعوم؟ قلت له: — بالظبط. ابتسم بثقة وقال: — تمام. وعقد دراعاته قدام صدره. — يبقى أنا عايز أقابل الراجل اللي كان عنده الجرأة وياخد مكاني. نورهان انفجرت في الضحك. — وأنا كمان عايزة أشوفه. أنا ماردتش. مبقاش عندي أي كلام أقوله. ومن بعيد، بدأت أصوات خطوات تتسمع. كام ضابط خرجوا من الممر الخاص داخل صالة المطار. والجنود اللي كانوا قريبين من المكان وقفوا باستقامة في نفس اللحظة تقريبًا. ابتسامة آدم اختفت. لأنه عرف الراجل اللي كان ماشي قدامهم. بدلة عسكرية مظبوطة. رتب ونياشين على كتفه. ملامح جامدة. وهيبة خلت نص الصالة تقريبًا يسكت. كان عمه… ناصر الشافعي. الراجل اللي آدم كان لازم يقف له باحترام عسكري، حتى قبل ما يبقى فرد من عيلته. ناصر عدى قدام الكل من غير ما يقف. لحد ما وصل عندي. وساعتها ملامحه اتغيرت تمامًا. مسك شنطتي بإيد، وبالإيد التانية حاوط خصري برفق. وقال: — مش قلت لك متشيليش حاجات تقيلة؟ آدم وشه شحب. ناصر رفع عينه أخيرًا. — آدم؟ ساد صمت تقيل. آدم بلع ريقه. — عمي ناصر… ناصر هز راسه بهدوء. وبعدين قربني منه أكتر. وقال: — واضح إنك رجعت. وبص لآدم مباشرة. — يبقى خلينا نعمل التعارف صح. ثبت عينه في عينه وقال: — آدم… سلّم على مرات عمك. ولأول مرة من ساعة ما شوفته راجع… آدم الشافعي بطل يبتسم. الجزء التاني فضلت الصالة كلها ساكتة كام ثانية. آدم كان بيبص لناصر. وبعدين يبص لي. وبعدين يرجع يبص لإيد عمه اللي كانت حوالين خصري بكل عفوية، كأن مخه رافض يستوعب الحقيقة اللي قدامه لأنها ببساطة كانت أغرب من إنه يصدقها. نورهان كانت أول واحدة قدرت تتكلم. — مرات… عمه؟ صوتها طلع حاد بشكل غريب. ناصر بص لها لحظة واحدة بس. واضح إنه مكانش يعرفها. أما آدم، فتقدم نص خطوة ناحيتنا. — عمي ناصر… يعني إيه الكلام ده؟ ناصر رفع حاجبه بهدوء. — هو أنا محتاج أشرح لك يعني إيه كلمة «مرات»؟ آدم أشار لي بإيده. — بس هي… وسكت لحظة قبل ما يكمل: — هي كانت مخطوبة لي! درجة الحرارة في المكان كأنها نزلت فجأة. ناصر شال إيده من على خصري ببطء. مش لأنه كان عايز يبعد عني. هو بس لف بجسمه كله ناحية ابن أخوه. — من خمس سنين. آدم ضغط على فكه. — أنا مفسختش الخطوبة. ناصر رد بمنتهى الهدوء: — إنت سبتها. الجملة كانت قصيرة. من غير صوت عالي. ولا لوم. ولا حتى عصبية. وعشان كده كانت أثقل من أي خناقة. اتنين من الضباط اللي كانوا معديين قريب مننا قللوا سرعتهم بشكل تلقائي. رجوع آدم الشافعي للقاعدة كان معروف. وكمان قصة اختفائه القديمة كانت معروفة. لكن قليل جدًا اللي كانوا يعرفوا كل التفاصيل. ناصر كمل: — كان عندك مهمة عسكرية محددة. سبت موقعك قبل التحرك بساعات، واختفيت عشان ترافق مدنية. نورهان اتشدت مكانها. — أنا مقلتش له يسيب أي مهمة. ناصر حتى مبصلهاش. آدم رد بسرعة: — كانت حالة استثنائية. ناصر قال: — الاستثنائي فعلًا إنك لسه بتحاول تبرر اللي عملته بعد خمس سنين. حطيت إيدي على دراع ناصر بخفة. مكنتش عايزة الموضوع يتحول لتحقيق عسكري وسط المطار. — ناصر. مجرد ما نطقت اسمه، بص لي. وفجأة اختفت البرودة من عينيه. — تعبانة؟ — شوية. — يبقى نمشي. بالسهولة دي. مسك شنطتي. آدم كأنه فاق من الصدمة. — استنى! ناصر وقف. — نعم؟ آدم بص للدبلة في إيدي. — إمتى حصل ده؟ — من حوالي خمس سنين. — مستحيل. — لأ، حصل. — إحنا كنا متفقين نتجوز. بصيت له كام ثانية. الجملة دي رجعتني لذكرى كنت فاكرة إني دفنتها من زمان. من خمس سنين، كنت قاعدة قدام المراية، ولسه لابسة فستان بروفة الفرح، لما وصلتني رسالته. «نورهان لازم تروح الجبل.» وبعدها رسالة تانية: «مش هقدر أسيبها لوحدها.» وبعدين آخر رسالة: «استنيني لحد ما أرجع… وساعتها هنتجوز.» مكنش سألني. مكنش اعتذر بجد. آدم مكنش سألني إذا كنت موافقة أستناه أصلًا. هو ببساطة قرر إني هستناه. كأن حياتي ينفع تتجمد مكانها لحد ما هو يقرر يرجع. الليلة دي عيطت. ومش هكدب وأقول غير كده. أنا كنت بحبه. ولشهور كنت مقتنعة إن آدم هو بالظبط الراجل اللي بيقول إنه عليه: منضبط، مسؤول، وجدع. لما بدأ يلاحقني بعد إحدى حفلات الفرقة الثقافية التابعة للأكاديمية العسكرية، حتى إصراره في البداية عجبني. كان بيستنانى بعد البروفات. يجيب لي قهوة. ويسألني عن الحاجات اللي بحبها قبل ما يرتب أي خروجة بينا. ولما وافقت أتجوزه، وافقت لأني كنت فعلًا مصدقة إن ورا البدلة العسكرية راجل أقدر أثق فيه. وعشان كده، اختفاؤه وجعني أكتر بكتير من مجرد خيانة عاطفية. هو مكنش اختار ست تانية وبس. هو اختار مشاعره الشخصية على حساب مسؤولية كان أقسم إنه يلتزم بيها. وبعد كل ده كان مستني مني أفهمه. ناصر هو اللي لقاني بعيط الليلة دي. مكنش قال أي حاجة. بس حط كباية شاي جنبي. وقتها كنت لسه بناديه: «عمي ناصر». زي كل شباب عيلة الشافعي. كان أكبر من آدم بحوالي اتناشر سنة. طول عمره هادي، شديد الالتزام، ومش سهل حد يعرف هو بيفكر في إيه. مكنتش أتخيل أبدًا إن بعد كام شهر بس هيبقى جوزي. لما وصلنا جراج المطار، آدم كان لسه ماشي ورانا. — لازم نتكلم. ناصر فتح لي باب العربية. — اتكلم مع جدك. — الموضوع يخصني. — وعشان كده كان المفروض تكلمه قبل ما تختفي خمس سنين. آدم وقف مكانه. — كنا مقطوعين عن العالم. ناصر قفل باب العربية بهدوء. — خمس سنين كاملة؟ ولا مرة لقيت طريقة تبعت جواب رسمي؟ تستخدم محطة إدارية؟ تتواصل مع أهلك؟ آدم ماردش على طول. نورهان تدخلت: — المنطقة كانت معزولة جدًا. ناصر لف ناحيتها. — أنا مقلتش إنها كانت سهلة. وبعدين رجع بص لآدم. — أنا بس بسأل: هل كانت مستحيلة؟ سكت. والسكوت لوحده كان كفاية. أنا كنت عارفة الإجابة. في أول سنة، ممكن فعلًا آدم يكون واجه صعوبات حقيقية في التواصل. لكن بعد كده بدأت الطرق تتفتح. وصلت معدات. وصلت فرق حكومية. وصلت مواد بناء. ووصل أطباء ومهندسين. والقصة اللي كان بيحكيها بفخر في المطار كانت نفسها أكبر دليل إن القرية بطلت معزولة تمامًا قبل رجوعه بوقت طويل. هو ببساطة مكنش شايف إن من الضروري يعرف حصل لي إيه. لأنه كان واثق إني هفضل هناك. مستنية. ناصر ركب العربية. وقبل ما يقفل الباب، آدم سأله: — جدي وافق على الجوازة دي؟ ناصر بص له. — هو اللي ترأس مراسم الجواز العائلية. لأول مرة شفت خوف حقيقي في عيني آدم. --- رجعنا بيت عيلة الشافعي في المجمع السكني. الخبر كان سبقنا. أول ما دخلنا البوابة الرئيسية، لقينا أنوار كتير منورة في البيت القديم. كان اللواء المتقاعد فؤاد الشافعي قاعد في الصالون. كان عنده تمانين سنة، ومع ذلك ضهره لسه مفرود. شعره كله أبيض، لكن نظرته لسه بنفس القوة اللي طول عمرنا عرفناها بيها. آدم وقف عند الباب. — جدي. العجوز ماردش. نورهان سلمت بأدب: — مساء الخير يا سيادة اللواء. ولا رد. فؤاد أشار لكرسيين. — اقعدوا. أنا كنت عارفة النبرة دي. وناصر كمان. إحنا الاتنين فضلنا بعيد. الموضوع ده مش موضوعنا. على الأقل في البداية. آدم قعد. — جدي، أنا عارف إنك غالبًا زعلان من اللي حصل… فؤاد رفع إيده. — زعلان؟ وضحك ضحكة قصيرة باردة. — خمس سنين وأنا بتخيل هقول لك إيه لما ترجع. آدم وطى راسه. — أنا ساعدت ناس كتير هناك. — عارف. الرد فاجأ الكل. فؤاد كمل: — قريت التقارير. بنيت مدرسة. نسقت أعمال فتح الطرق. رتبت وصول المستلزمات الطبية. وقدرت تقنع مدرسين إنهم يفضلوا هناك. آدم بدأ يستعيد جزء من ثقته. — يبقى إنت فاهم ليه فضلت. — لأ. الكلمة وقعت في الصالة زي الحجر. — أنا فاهم إنك عملت حاجات مفيدة بعد ما وصلت هناك. العجوز مال لقدام شوية. — لكن ده مش معناه إن الطريقة اللي وصلت بيها كانت صح. آدم عقد حواجبه. — نورهان كانت لوحدها. — كان فيه إجراءات. — مكنتش أقدر أستنى. — ومئتين شخص كانوا مضطرين يستنوا بسببك. وش آدم شحب. نورهان بصت له. — مئتين؟ فؤاد خبط بإصبعه بخفة على ملف كان قدامه. — غيابك أجبرنا نعيد ترتيب العملية كلها. فريق كامل فقد ضابط الاتصال. قافلة اتأخرت ست ساعات. وقائدك اضطر بنفسه يقوم بمهمة كانت مسؤوليتك. آدم بلع ريقه. — محدش مات. ناصر اتكلم لأول مرة: — دي كانت صدفة، مش إنجاز. فؤاد قفل عينه لحظة. كان باين عليه التعب. — استخدمت كل العلاقات اللي بنيتها على مدار أربعين سنة عشان تمنع غلطة منك من إنها تدمر مستقبلك العسكري قبل ما يبدأ. آدم رفع راسه. — عملت إيه؟ — عملت حاجة المفروض أي جد ميتحطش في موقف إنه يعملها. بص له مباشرة. — طلبت خدمات. — ورديت خدمات. — وتنازلت عن توصيات كان ممكن تفيد أفراد تانيين من العيلة. سكت لحظة. — وجزء من الموارد والأملاك اللي كانت مخصصة لك مستقبلًا، اتنقل بشكل قانوني لسلمى كتعويض. آدم اتجمد. — مواردي؟ — الحاجات اللي كنت فاكر إنها هتبقى بتاعتك يوم من الأيام. أنا مكنتش عايزة الفلوس دي. في الحقيقة، رفضتها في البداية. لكن فؤاد أصر. وقتها قال لي: «ده مش عشان نشتري مسامحتك. ده عشان تفضلي فاكرة إن قرارات عيلتنا ليها تمن.» آدم بص لي. — إنتِ وافقتي؟ — وافقت على اللي جدك قرر ينقله لي. — وبعدها اتجوزتي عمي؟ المرة دي الاتهام كان واضح في صوته. ناصر شد ملامحه. لكني وقفته بإشارة بسيطة. المفروض أنا اللي أجاوب. — أيوه. — بعد قد إيه؟ — تلات شهور. آدم ضحك بعدم تصديق. — تلات شهور؟ قام من مكانه. — يعني كل اللي كنتِ حاساه ناحيتي كان كدب؟ ناصر شد نظرته. لكن فؤاد اتكلم قبله: — اقعد. — جدي… — اقعد. آدم أطاعه. العجوز بص له فترة طويلة. — إنت اختفيت يوم مهمة عسكرية، وبعت رسالة بتقول إنك هترجع بعد ما تخلص مرافقة ست تانية. صوته بقى أبرد. — عمرك ما قلت إمتى. — وعمرك ما سألت سلمى إذا كانت موافقة تستناك. — ولا بعت أي أوراق رسمية تحافظ بيها على الخطوبة. — وطوال خمس سنين، ما عملتش محاولة جدية واحدة تعرف بيها حياتها وصلت لفين. فؤاد حط إيده على عصايته. — بالظبط قد إيه كنت متوقع إن الست توقف حياتها عشان تثبت لك إنها حبتك زمان؟ آدم ماردش. نورهان وطت عينيها. في الليلة دي كنت فاكرة إن الموضوع انتهى. لكن كنت غلطانة. --- تاني يوم الصبح، حد خبط على باب بيتنا. ناصر كان بيستعد ينزل. وأنا كنت لسه ماسكة فنجان قهوة. لما فتحت الباب، لقيت نورهان. لوحدها. — محتاجة أتكلم معاكي. دخلتها. ناصر ظهر من الممر. نورهان اتشدت. — أفضل أتكلم مع سلمى لوحدنا. ناصر بص لي. هزيت راسي. — أنا كويسة. ناصر أخد جاكته. وقبل ما يخرج، قرب مني وقال: — لو احتجتي أي حاجة، كلميني. نورهان فضلت تراقب الحركة دي في صمت. ولما الباب اتقفل، قالت: — هو بيحبك أوي. — أيوه. — وآدم كان بيحبك هو كمان. — ده خلاص مبقاش يهم. نورهان قعدت. إيديها كانت متشابكة بقوة. — إنتِ مش عارفة كل الحقيقة. تنهدت. — نورهان، خمس سنين عدوا. — بالظبط. رفعت عينيها لي. — وعايزاكي تعرفي إن المكالمة اللي حصلت وقتها مكانتش زي ما آدم بيحكيها. ده شد انتباهي. — قصدك إيه؟ — أنا فعلًا كنت ناوية أروح الجبل. — عارفة. — بس عمري ما طلبت منه يسيب مهمته. قطبت حواجبي. — يعني إزاي؟ نورهان أخدت نفس عميق. — أنا قلت له إني خايفة. — وإنه كان واعدني من شهور إنه هيرافقني. — لكن لما قال لي إن عنده عملية، قلت له إني أقدر أروح لوحدي. — طيب إزاي ظهر في محطة السفر؟ ابتسمت بسخرية حزينة. — لأن آدم طول عمره محتاج يحس إنه شخص لا غنى عنه. سكت. وكملت: — أنا كنت صاحبته من قبل ما يعرفك. أبويا كان شغال مع عيلة الشافعي. ولما مات، آدم حس إنه لازم يفضل مسؤول عني. — وإنتِ سمحتي له بده؟ — في البداية. قالتها من غير ما تحاول تبرر نفسها. — كنت بحب الإحساس ده. — كنت بحب إنه يظهر لما أطلبه. — كنت بحب إني أعرف إن مهما كان مع مين، لو احتجت مساعدته هييجي. عينيها اتمليت بالندم. — حتى بعد ما اتخطب لك. يمكن دي كانت أول مرة نورهان تكلمني من غير عداء. — لكن في المحطة، لما شوفته جاي ولسه لابس جزء من الزي العسكري، فهمت إنه أخد الموضوع أبعد من اللازم. — ومع ذلك سافرتي معاه. قفلت عينيها. — أيوه. — خمس سنين. — أيوه. — ليه؟ اتأخرت قبل ما تجاوب. — لأن لما وصلنا القرية، لقينا الوضع أسوأ بكتير مما كنا متخيلين. حكت لي إن عاصفة دمرت جزء من الطريق. وإن المدرسة كانت بتشتغل في مبنى بيتغرق كل موسم. وإن أطفال كانوا بيمشوا بالساعات عشان يوصلوا الفصل. آدم بدأ يساعد كام أسبوع. بعدها طلب تصاريح. وبعدين مدد إقامته. نورهان كانت بتدرس. وهو كان بيوفر الخامات. المشروع كبر. وبالتدريج، الرجوع بقى حاجة الاتنين بيأجلوها. — أعتقد إن آدم في البداية كان حاسس بالذنب. قالتها وهي بتبص للأرض. — وبعد كده حوّل الذنب ده لمهمة. بصيت لها. — وإنتِ؟ — أنا حبيته. مكنتش مستغربة. — قلتي له؟ — أيوه. — رد قال إيه؟ ابتسمت بحزن. — قال إنك خطيبته. الجملة دي فاجأتني. — وقال إنه غلط، لكن لما نخلص المشروع هيرجع ويتجوزك. — وهو عايش معاكي في الجبل خمس سنين. — عمرنا ما كنا مرتبطين. بصيت في عينيها. — ممكن تصدقي أو لا. — مصدقاكي. رمشت باستغراب. — كده بسهولة؟ — لأني عارفة آدم. هو مكنش محتاج ينام معاكي عشان يخونني. الخيانة حصلت قبل كده. في الأولويات. في الاختيار. وفي اقتناعه إنه يقدر يسيبني ويمشي، ويرجع بعد سنين يلاقيني واقفة في نفس المكان اللي سابني فيه. نورهان قامت. — يعني خلاص مش بتحبيه؟ — لأ. — ولا حتى شوية؟ فكرت في السؤال. وبعدين هزيت راسي. — اللي كنت بحبه انتهى. ولما وصلت للباب، وقفت. — في حاجة تانية. — إيه؟ — آدم مش عارف إني جيت هنا. الكلام ده قلّقني. — جيتي ليه؟ — لأنه قال حاجة امبارح بعد ما اتكلم مع جده. لفت ناحيتي. — قال إنه مش مصدق إن جوازك من ناصر حقيقي. حسيت بضيق. — يعني إيه؟ — فاكر إنك اتجوزتي ناصر عشان تنتقمي منه. بصيت لها، ومش عارفة أضحك ولا أتعصب. نورهان مابتسمتش. — وعايز يثبت ده. --- آدم بدأ بحاجة شكلها بسيط. بعد أسبوع، قدم طلب لمراجعة بعض المستندات الخاصة بالأملاك اللي اتنقلت من خمس سنين. قانونيًا كان من حقه يطلع على جزء من ملف العيلة. لكن ناصر فهم فورًا هو بيدور على إيه. كنا بنتعشى لما قال لي: — عايز يعرف إذا جوازنا له علاقة بنقل الأملاك. — له علاقة. ناصر رفع حاجبه. — الطريقة دي في الكلام بتخلي الموضوع يبان أسوأ من حقيقته. ابتسمت. والحقيقة إن قصة حبنا مبدأتش بطريقة رومانسية خالص. تلات أيام بعد اختفاء آدم، فؤاد جمع العيلة. سألني أنا عايزة إيه. كنت غاضبة. مكسورة. ولسه مجروحة. وساعتها بصيت لناصر. كان واقف جنب الشباك، ساكت وبيسمع. عمره ما غازلني. عمره ما عاملني بشكل مختلف عن الاحترام. وعشان كده قلت الجملة المجنونة دي: — أنا عايزة أتجوزه. الكل افتكر إني بتكلم من الصدمة والانتقام. وغالبًا كانوا عندهم حق. فؤاد تقريبًا وقع عصايته. ووالدة آدم بدأت تعيط. أما ناصر فسألني بس: — إنتِ متأكدة؟ قلت: — أيوه. فقال: — محتاج أتكلم مع سلمى لوحدنا. خرجنا الحديقة. كنت متوقعة يحاول يقنعني أتراجع. لكنه سألني: — عايزة تنتقمي من آدم؟ — يمكن. — ده مش سبب كفاية للجواز. — عارفة. — عايزة تهربي من الإهانة قدام الناس؟ — برضه. — برضه مش كفاية. اتضايقت. — يبقى ارفضني. ناصر سكت. وبعدين قال جملة فاكرها كلمة كلمة: — أقدر أرفضك النهارده. — لكن اللي مش هعمله إني أوافق وأستغل إنك مجروحة، وأحوّل قرار اتاخد في لحظة انفعال لندم يفضل معاكي تلاتين سنة. طلب مني تلات شهور. تلات شهور من غير إعلانات. ولا وعود. ولا ضغط. وقال لي لو بعد التلات شهور لسه عايزة أتجوزه، ساعتها نتكلم. خلال الاتناشر أسبوع دول، ناصر عمره ما حاول يتقرب مني بهدف إنه يكسبني. وعشان كده هو كسبني فعلًا. كان معايا وأنا بواجه كلام الناس. وقف جنبي لما ناس أعرفهم لمحوا إن آدم هرب لأنه شايفني متكبرة. عمره ما شتم ابن أخوه قدامي. وعمره ما استغل ضعفي عشان يقرب مني. وفي ليلة، وإحنا راجعين من مناسبة، سألته: — لو آدم رجع بكرة، هتعمل إيه؟ ناصر رد: — ولا حاجة. — ولا حاجة؟ — القرار قرارك. — ولو قررت أرجع له؟ لأول مرة شفت وجع في عينيه. ثانية واحدة بس. وبعدين قال: — هوصلك بنفسي لحد عنده. في اللحظة دي فهمت إني خلاص مش عايزة أرجع لآدم. بعد تلات أيام، قلت لناصر إن إجابتي لسه أيوه. فسألني آخر سؤال: — متأكدة؟ — متأكدة. قال: — يبقى المرة دي هنعمل فرح والعريس يحضر فعلًا. كانت أول مرة أسمعه بيهزر. وأغلب الظن إنها كانت اللحظة اللي بدأت فيها أحبه. --- آدم ملقاش أي مخالفة في المستندات. لكن لقى حاجة مكانش متوقعها. عقد جوازنا كان سليم تمامًا. ونقل الأملاك تم قبل الجواز، وكان موثق باعتباره تعويضًا مستقلًا. مكنش فيه أي أساس قانوني يقدر يبني عليه اتهام بتزوير أو تلاعب. فغيّر طريقته. بدأ يظهر. في الغدا العائلي. في المناسبات. في احتفالات القاعدة. دايمًا يلاقي حجة. ودايمًا يحاول يتكلم معايا. وفي يوم اعترض طريقي قدام المركز الثقافي. — محتاج عشر دقايق بس. — إنت أخدت خمس سنين. — سلمى. وقفت. كان باين على وشه التعب. ولأول مرة كان شكله أقل ثقة في نفسه. — عايز أفهم. — تفهم إيه؟ — إزاي قدرتي تتجوزيه؟ — شرحت لك. — لأ. هز راسه. — إنتِ شرحتي لي اللي حصل. مش إزاي حصل. بصيت له. — عايز تعرف فعلًا؟ — أيوه. — لأنه كان موجود وقت ما إنت مكنتش موجود. آدم ضغط شفايفه. — وجوده مش معناه إنك حبيتيه. — في البداية لأ. الإجابة دي ادته شوية أمل. فعشان كده كملت: — في البداية كنت مجروحة. فضل ساكت بيسمع. — لكن ناصر عمره ما حاول يستغل ده. اداني وقت. اداني مساحة. وخلاني أقدر أغير رأيي لحد آخر يوم. بصيت له في عينه. — إنت عمرك ما اديتني الاختيار ده. ملامحه اتغيرت. — كنت ناوي أرجع. — ده كان اللي إنت عايزه. — كنت بحبك. — وده كمان كان اللي إنت حاسه. — يعني إيه؟ — يعني كل حاجة كانت متقررة من وجهة نظرك إنت. قربت خطوة. — إنت قررت تمشي. — قررت إني هفهم. — قررت إني هستنى. — وقررت إن لما ترجع هنتجوز. صوتي فضل هادي. — إمتى سألتني أنا عايزة إيه؟ آدم فتح بقه. مطلعش منه ولا كلمة. — ده اللي اتغير مع ناصر. سكت لحظة. — هو سألني. ومشيت. لكن آدم قال: — لو كنت رجعت بعد تلات شهور… وقفت. — إنت مرجعتش. — افترضي إني رجعت. — أنا مش محتاجة أفترض حاجة. — سلمى. لفيت له. — دي مشكلتك يا آدم. لسه بتحاول تخلق نسخة من الماضي تكون قراراتك فيها من غير عواقب. --- كان ممكن الموضوع ينتهي عند النقطة دي. لكن بعد أسبوعين، وصل تقرير رسمي عن مستقبل آدم العسكري. خدمته في القرية كانت مفيدة فعلًا. وتقارير العمل اللي عمله هناك كانت ممتازة. لكن واقعة خروجه القديمة متمسحتش من ملفه. كانت متوقفة ومؤرشفة، واتعملت لها تسويات جزئية بسبب ظروف عائلية، وبعدها بسبب خدمته المجتمعية. ودلوقتي، مع عودته للخدمة الفعلية، لجنة عسكرية كان لازم تحدد إيه المسؤوليات اللي يقدر يتولاها. آدم افتكر إن ناصر هيتدخل ضده. واتهمه بشكل مباشر في عزومة عائلية. — متحاولش تمثل. ناصر حط الشوكة. — أمثل في إيه؟ — عايز تمنعني من أي منصب مهم. فؤاد قطب حواجبه. وأنا فضلت ساكتة. ناصر سأله: — وليه أعمل كده؟ آدم بص لي. — بسببها. دي كانت أول مرة ناصر يبان عليه الغضب بجد. — متستخدمش سلمى تاني كحجة لمشاكلك المهنية. — يعني هتقول إنك ملكش علاقة؟ — أنا مش هكون ضمن اللجنة. آدم سكت. ناصر كمل: — أنا قدمت طلب رسمي إني أبعد عن أي تقييم يخصك، تحديدًا لأنك ابن أخويا. — طيب حد من فريقك… — ولا حد. ناصر حط ملف على الترابيزة. — ده طلب التنحي الرسمي بتاعي. آدم مفتحش الملف. أمه بصت له بحزن. — آدم، كفاية. لكنه كان لسه متعصب. — كلكم بتتعاملوا معايا كأني عملت ج/ريمة. فؤاد حط عصايته على الأرض. — لأ. الصالة كلها سكتت. — بنتعامل معاك كأنك غلطت. بص له جده بتعب. — إنت اللي بقالك خمس سنين بتحاول تثبت إن بما إنك عملت حاجات كويسة بعد كده، يبقى الغلطة نفسها اختفت. الكلام ضرب فيه. فؤاد كمل: — النضج مش إنك تحول أخطاءك لإنجازات. — النضج إنك تقدر تبص للناحيتين في قصتك من غير ما تمسح واحدة منهم. آدم وطى راسه. ولأول مرة من ساعة رجوعه، مجادلش. اللجنة أبقت آدم في الخدمة، لكنها مارجعتلوش فورًا منصب قيادي ميداني كبير. كان لازم يكمل تدريب إضافي ويمر بفترة تقييم. من خمس سنين، ده كان هيعتبره إهانة. المرة دي، قبله. --- نورهان قررت ترجع للقرية. لما جت تودعني، فاجأتني. — كنت فاكرة إنك هتفضلي مع آدم. ابتسمت. — وأنا كمان كنت فاكرة كده. — إيه اللي حصل؟ — فهمت حاجة أخيرًا. بصت ناحية الأشجار. — طول السنين دي كنت فاكرة إنه فضل هناك عشاني. سكتت لحظة. — لكن آدم مفضلش هناك عشاني. — أمال ليه؟ — لأنه كان محتاج يحول القرار اللي أخده لحاجة شكلها نبيلة. ماردتش. نورهان كملت: — وأنا ساعدته يصدق ده. — إنتوا عملتوا حاجات كويسة هناك. — أيوه. ابتسمت بحزن لكن بهدوء. — وعشان كده هرجع. — المدرسة لسه محتاجاني، حتى لو آدم مبقاش هناك. قبل ما تمشي، سألتني: — عمرك كرهتيني؟ فكرت. — فترة. — وكان من حقك. — يمكن. ضحكت ضحكة صغيرة. — لسه زي ما إنتِ… صريحة أوي. — وإنتِ لسه بتتكلمي كتير. بصينا لبعض. ولأول مرة الاتنين ابتسمنا. إحنا مش أصحاب. وممكن عمرنا ما نبقى. لكن على الأقل مبقيناش الستين اللي بيتنافسوا على اهتمام راجل. وده كان كفاية. --- بعد كام شهر، آدم جه بيتنا. ناصر كان لسه بره. وأنا كنت قاعدة في الحديقة. آدم كان لابس الزي العسكري. المرة دي كان جديد ومظبوط. وكان شكله شبه الضابط الشاب اللي عرفته من سنين. لكن عينيه كانت مختلفة. — ممكن أقعد؟ أشرت للكرسي اللي قدامي. — طبعًا. قعدنا ساكتين شوية. — هتنقل للشمال. — عرفت. — الشهر الجاي. — بالتوفيق. هز راسه. وبعدين طلع حاجة من جيبه. علبة صغيرة. جسمي اتشد. هو لاحظ. — مش اللي إنتِ فاكرة. فتح العلبة. جواها دبوس صغير. عرفته فورًا. كنت أنا اللي اديتهوله قبل خطوبتنا. — لقيته وسط حاجتي. زق العلبة ناحيتي. — حسيت إني لازم أرجعهولك. ممدتش إيدي. — خليه معاك. — سلمى… — دي كانت هدية. — بس دي حاجة من زمن تاني. — بالظبط. فضلنا نبص للحاجة اللي بينا. وفي الآخر قفل العلبة. — فكرت كتير في كلامك. — أنهي جزء؟ — إن عمري ما سألتك إنتِ عايزة إيه. سكت. — أعتقد إنك عندك حق. ماردتش. مش عشان أعاقبه. لكن لأن الجملة دي مش محتاجة مكافأة. كان المفروض يفهمها وبس. آدم ابتسم ابتسامة خفيفة. — عارفة إيه أسوأ حاجة؟ — إيه؟ — إني فعلًا كنت مقتنع إنك هتستني. — عارفة. — مش عشان كنت شايفك ضعيفة. — ده مش بيخلي الموضوع أحسن أوي. ضحك. المرة دي من غير غرور. — لأ. هز راسه. — يمكن كنت واثق زيادة عن اللزوم إني مهم أوي. بص ناحية البيت. — ناصر طول عمره كان أحسن مني في النقطة دي. — في إيه؟ — في إنه فاهم إن الاهتمام بحد مش معناه إنك تقرر مكانه. الجملة فاجأتني. وقبل ما أقدر أرد، سمعنا عربية بتدخل. ناصر رجع. نزل من العربية وشاف آدم فورًا. مكنش متوتر. مشي ناحيتنا عادي. — قاطعت حاجة؟ آدم قام. — لأ. بص لعمه. وفي اللحظة دي، رجعوا تاني للحقيقة اللي هما عليها. عيلة. عيلة اتأذت بسبب قرارات، وكبرياء، وسنين من السكوت. آدم مد إيده. — هتنقل للشمال الشهر الجاي. ناصر صافحه. — عارف. — هحاول مديكش سبب تقرأ لي ملف تأديبي جديد. ناصر رد بجدية تامة: — هكون شاكر. ضحكت. وآدم ضحك. وحتى ناصر ابتسم في الآخر. وبعدين آدم بص لي للمرة الأخيرة. مكانش في عينيه رغبة. ولا محاولة امتلاك. ولا مطالبة بأي حق. بس نوع من التقبل جه متأخر. — خلي بالكم من بعض. — وإنت كمان. شوفته وهو بيمشي بعيد في الطريق. ناصر قعد على الكرسي اللي كان آدم سايبه. — كان عايز إيه؟ — يودعني. — بس؟ بصيت له بطرف عيني. — إنت غيران يا سيادة القائد؟ — لأ. رد بسرعة زيادة عن اللزوم. ضحكت. — طبعًا. ناصر مسك إيدي. وبدأ يلعب بدبلتي كام ثانية. — سلمى. — نعم؟ — في حاجة عمري ما سألتك عنها. — غريبة. إنت بتسأل عن كل حاجة. — اليوم اللي أشرتي لي فيه وقلتي إنك عايزة أتجوزك بدل آدم… غطيت وشي بإيدي. — ناصر! — طول عمري نفسي أعرف. — لأ. — إحنا بقالنا تقريبًا خمس سنين متجوزين. أعتقد من حقي أعرف. تنهدت. والحقيقة كانت بسيطة بشكل يضحك. — لأني كنت متعصبة. — كان فيه عشرين راجل في الصالة. — إنت مستفز. — ولسه بقالنا سنين متجوزين. جاوبيني. بصيت له. — لأن حتى قبل ما أحبك، كنت واثقة فيك. ناصر بطل يهزر. — بس؟ — اليوم ده، ثقتي في آدم كانت اتهدت تمامًا. ضغطت على إيده. — ولما بصيت حواليّ، إنت كنت الشخص الوحيد في العيلة اللي كنت متأكدة مليون في المية إنه مستحيل يسيبني لوحدي من غير ما يشرح لي. ناصر سكت. وأصابعه قفلت على إيدي. — دي كانت مخاطرة كبيرة. — وطلعت كويسة. — كنتِ محظوظة. — لأ. بصيت له. — أنا اخترت صح. ناصر قرب مني وباس جبيني. من خمس سنين، كنت فاكرة إن هروب آدم دمر مستقبلي. قعدت أسابيع حاسة بالعار كل ما حد يهمس ورا ضهري. كنت فاكرة إن إن الراجل يسيبك قبل الفرح معناه إنك خسرتي. خدت وقت طويل عشان أفهم إن بعض الخسارات بتيجي في شكل كارثة، لأننا لسه مش عارفين هي بتفسح مكان لإيه. آدم رجع وهو مقتنع إنه يقدر يكمل قصتنا من نفس النقطة اللي سابني عندها. لكن البشر مش أوضة مقفولة مستنية حد يرجع ومعاه المفتاح. إحنا بنتغير. بنختار. وبنكمل. هو قضى خمس سنين بيبني طرق عشان قرية كاملة تقدر تتقدم. والمفارقة إن في نفس الوقت، أنا كمان كنت لقيت طريقي. بس طريقي مكنش بيرجعني له. ناصر حاوطني بدراعه. — بتفكري في إيه؟ بصيت ناحية البوابة اللي آدم اختفى من وراها. وبعدين حطيت راسي على كتف جوزي. — في إن في ناس بتيجي متأخر. — وناس تانية؟ ابتسمت. — بتيجي بالظبط في الوقت اللي بنحتاجها فيه. ناصر شبك صوابعه في صوابعي. والمرة دي، لما افتكرت رسالة آدم القديمة… «استنيني. لما أرجع، هنتجوز.» محستش بغضب. ولا وجع. ولا حتى حنين. بس حسيت إن غريب إني في يوم من الأيام كنت فاكرة إن لازم أستنى حد عشان أبدأ أعيش. لأن حياتي مبدأتش يوم ما آدم رجع. حياتي بدأت بالظبط يوم ما هو مشي. النهاية خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد