في الطيارة
— شكلك لسه زي ما إنتِ، بسيطة وعلى قدك.
أغلقت كتابي قليلًا.
— والحمد لله مرتاحة.
ضحك باستخفاف.
— الراحة مش كل حاجة، النجاح محتاج طموح وشطارة.
لم أرد.
فاستكمل حديثه:
— ولسه شغالة في التصميم؟ ولا قفلتي المشروع الصغير اللي كنتِ بتحلمي بيه؟
نظرت إليه بهدوء.
— لأ، لسه شغالة في نفس المجال.
هز رأسه وكأنه يشفق عليّ.
— كويس إنك لسه بتحاولي. أصل المجال ده صعب، ومش أي حد يقدر ينجح فيه.
كدت أضحك.
لم يكن يعلم أن المشروع الصغير الذي كان يسخر منه أصبح اليوم مؤسسة كبيرة، وأن التصميمات التي كان يمزقها أمامي غاضبًا صارت تُعرض في معارض دولية.
لكني لم أخبره.
ليس خوفًا منه.
بل لأنني تعلمت أن النجاح الحقيقي لا يحتاج إلى استعراض أمام من لا يعرف قيمته.
قبل سبع سنوات، كنت فتاة بسيطة تخرجت في كلية الفنون، وتحلم بإنشاء مكتب تصميم خاص بها.
كنت أحب الرسم منذ طفولتي.
وكان والدي، رحمه الله، أول من شجعني على ذلك.
كان يجلس بجواري بالساعات، يتأمل رسوماتي ويقول:
— إوعي تسيبي حلمك يا بنتي، ربنا ما بيديش حد موهبة علشان يدفنها.
لكنني عندما تزوجت، اكتشفت أن زوجي يرى الأمور بطريقة مختلفة.
كان يعمل في إحدى الشركات الكبرى، ويعتقد أن وظيفته تجعله أهم مني.
في بداية زواجنا، كنت أظن أنه سيشجعني.
اشتريت مكتبًا صغيرًا، وجهاز كمبيوتر مستعملًا، وبدأت أعمل من المنزل.
كنت أسهر حتى الفجر لإنهاء التصميمات، وأستيقظ مبكرًا لأهتم ببيتي.
ومع ذلك، لم يكن راضيًا.
أتذكر يومًا عاد فيه من العمل، فوجدني أمام الكمبيوتر.
ألقى مفاتيحه على الطاولة وقال بضيق:
— إنتِ لسه قاعدة قدام الجهاز ده؟!
قلت بحماس:
— عندي عميل جديد، وطلب مني تصميم كامل لمحل كبير.
اقترب ونظر إلى الشاشة.
— وهيدفعلك كام يعني؟
أخبرته بالمبلغ.
فضحك بصوت مرتفع.
— يا سلام! يعني كل السهر ده علشان المبلغ التعبان ده؟!
شعرت بالإحراج.
— دي البداية بس، ومع الوقت الشغل هيكبر.
أغلق الكمبيوتر أمامي فجأة.
— اسمعي، أنا مش متجوز واحدة تقعد تحلم طول اليوم. أنا عايز مراتي تهتم ببيتها وبجوزها.
حاولت أن أشرح له أنني أستطيع التوفيق بين الأمرين.
لكنه لم يكن يريد الاستماع.
ومرت الأيام.
كلما حصلت على عميل جديد، سخر مني.
وكلما تحدثت عن طموحي، اتهمني بالغرور.
حتى جاء اليوم الذي أخبرني فيه أنه حصل على ترقية كبيرة.