في الطيارة

تذكرت ذلك اليوم جيدًا.

كنت قد أعددت له الغداء، وجلست بجواره أوقع الأوراق دون أن أتخيل أنه يخدعني.

قلت بصوت مرتجف:

— أنا كنت بثق فيك.

رفع عينيه.

وكانت الدموع تلمع فيهما.

— عارف.

قلت:

— كنت بثق فيك لدرجة إني مكنتش بقرأ الورق اللي بتديهولي!

أطرق برأسه.

— وأنا استغليت الثقة دي.

لم أستطع الكلام للحظات.

ثم سألته:

— وطلقتني ليه؟

تنفس بعمق.

— لأنك بدأتي تسألي عن داليا، وعن شغلي، وعن فلوس بتدخل وتخرج من حسابات الشركة. وفؤاد قالي إن وجودك جنبي ممكن يكشف كل حاجة.

شعرت كأن أحدهم أغلق بابًا قديمًا في داخلي.

كل تلك السنوات كنت أظن أنه طلقني لأنني لم أكن مناسبة لمستواه.

لكن الحقيقة أنه كان يخشى اكتشاف خداعه.

قلت بمرارة:

— يعني بدل ما تقول الحقيقة، قررت تكسرني؟

أومأ ببطء.

— أيوه.

ثم قال بصوت مخنوق:

— كنت جبان.


أخرج من جيبه وحدة تخزين صغيرة.

وضعها أمام المحامي.

— دي عليها نسخ من مراسلات قديمة، وتسجيلات لاجتماعات كنت طرف فيها، وكشوف تحويلات احتفظت بيها.

نظر المحامي إلى الوحدة دون أن يلمسها فورًا.

— لازم نفحصها ونتأكد من سلامتها ومصدرها قبل استخدامها.

قال طليقي:

— أنا مستعد أسلم الأجهزة الأصلية وأشهد بكل اللي أعرفه.

ثم نظر إليّ.

— مش بطلب منك ترجعيلي، ولا حتى تسامحيني. أنا بس عايزك تعرفي إني ندمان بجد.

لم أشعر بالفرح.

ولا بالشماتة.

بل شعرت بحزن عميق.

كم كان يمكن أن تكون حياتنا مختلفة لو أنه اختار الصدق منذ البداية؟

لكن بعض القرارات لا يمكن التراجع عنها.

قلت:

— أنا مش هقدر أنسى اللي عملته، ومش هقدر أرجع أثق فيك.

أومأ.

— فاهم.

ثم أضفت:

— بس لو إنت فعلًا ندمان، كمل في طريق الاعتراف بالحقيقة، وتحمل مسؤولية أفعالك.

قال:

— هعمل كده.

وقف ببطء.

وقبل أن يخرج، التفت نحوي.

— أنا يوم ما شوفتك على الطيارة، افتكرت إنك لسه نفس الست اللي سبتها.

نظرت إليه.

قال بصوت حزين:

— مكنتش أعرف إنك بقيتي أقوى مني بكتير.

أجبته بهدوء:

— القوة مش إنك تبقى أحسن من حد… القوة إنك تقوم بعد ما تقع، من غير ما تظلم غيرك.

خفض رأسه.

ثم خرج.

ولأول مرة منذ خمس سنوات، لم أشعر بأن بيننا كلامًا ناقصًا.

انتهى كل شيء فعلًا.


بدأت الإجراءات القانونية تأخذ مسارها.

قدم المحامي المستندات الجديدة إلى الجهات المختصة.

وخضعت التوقيعات للمراجعة الفنية.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *