في الطيارة
فالعمل له قواعده، ولا يجوز أن أخلط مشاعري القديمة بمصالح الموظفين.
وبينما كنت أفكر في ذلك، ظهرت مضيفة الطيران عند بداية الممر.
كانت تنظر بين المقاعد وكأنها تبحث عن شخص معين.
ثم توقفت فجأة عندما رأتني.
اتسعت ابتسامتها، واقتربت بسرعة.
— حضرتك هنا؟! إحنا كنا بندور على حضرتك من ساعة ما الطيارة طلعت!
رفعت رأسي باستغراب.
— خير؟
قالت باحترام شديد:
— معلش يا فندم، حصل تغيير في ترتيب المقاعد، وإحنا ماخدناش بالنا إن حضرتك قاعدة هنا.
نظر طليقي إليها باستغراب.
ثم نظر إليّ.
سألتها:
— في مشكلة؟
ابتسمت.
— أبدًا يا فندم، بالعكس. إدارة الشركة طلبت مننا نهتم بحضرتك بشكل خاص.
تجمدت ابتسامة طليقي.
— إدارة الشركة؟!
التفتت إليه المضيفة بأدب.
— أيوه يا فندم.
ثم عادت تنظر إليّ.
— رئيس طاقم الضيافة مستني حضرتك في مقدمة الطيارة، وفي اتصال مهم وصل بخصوص الاجتماع اللي بكرة.
شعرت بأن الوقت قد حان لإنهاء ذلك الموقف.
لكن طليقي لم يستطع السيطرة على فضوله.
قال بسرعة:
— هو حضرتها شخصية مهمة ولا إيه؟
ابتسمت المضيفة، وكادت تجيب.
لكنني تدخلت بهدوء.
— مفيش داعي، أنا هقوم معاكي.
وقفت وأمسكت حقيبتي.
وفي تلك اللحظة، سقط من بين أوراقي ظرف أبيض يحمل شعار المجموعة الاستثمارية.
انحنى طليقي ليلتقطه.
لكن عينيه توقفتا عند الاسم المكتوب أسفل الشعار.
قرأه مرة.
ثم أعاد قراءته.
وشحب وجهه فجأة.
رفع رأسه نحوي ببطء.
— استني… إيه ده؟!
أخذت الظرف من يده.
— أوراق شغل.
لكنه لم يتركني أكمل.
أشار إلى الشعار وقال بصوت مرتبك:
— دي نفس المجموعة اللي أنا شغال فيها!
ابتسمت.
— عارفة.
اتسعت عيناه.
— عارفة إزاي؟!
وقبل أن أجيبه، قالت المضيفة باحترام:
— حضرتك، رئيس مجلس الإدارة بعت رسالة تأكيد إن كل الترتيبات الخاصة بوصولك تمت، وإن الاجتماع الاستثنائي هيبدأ بكرة في معاده.
شعرت أن الهواء اختفى من حول طليقي.
وقف نصف وقفة، ثم عاد إلى مقعده.
— رئيس مجلس الإدارة؟! هو إنتِ… إنتِ بتشتغلي معاهم؟!
نظرت إليه بهدوء.
— ممكن تقول كده.
ابتلع ريقه.
— في أنهي إدارة؟
لم أجب.
لكن المضيفة نظرت إليّ وقالت:
— اتفضلي يا فندم، كل شيء جاهز لحضرتك.
تحركت معها نحو مقدمة الطائرة.
وبينما كنت أسير، سمعت طليقي يناديني بصوت لم أسمع فيه تلك الثقة القديمة.
— استني لحظة! أنا محتاج أفهم!