في الطيارة

— اتفضل.

وقف بجواري، تاركًا بيننا مسافة محترمة.

ساد صمت مريح.

ثم قال:

— فاكرة أول يوم قابلتك فيه؟

ضحكت بخفة.

— يوم ما كنت مرعوبة من الاجتماع؟

ابتسم.

— أيوه.

قلت:

— كنت فاكرة إنهم هيرفضوا التصميم.

قال:

— وأنا كنت متأكد إنك هتنجحي.

نظرت إليه.

— إنت كنت واثق فيا أكتر مني.

أجاب:

— لأنك كنتِ شايفة خوفك، وأنا كنت شايف شطارتك.

سكتنا قليلًا.

ثم قلت:

— سليم، أنا عايزة أسألك سؤال.

التفت نحوي.

— اسألي.

— ليه مرجعتش بعد ما خلصت المشكلة اللي كنت فيها؟ ليه استنيت كل ده؟

تنهد.

— لأن كل ما كنت بقرب أرجع، كنت بفتكر إني خبيت عنك الحقيقة من البداية. وكنت خايف تشوفيني زي طليقك.

قلت بهدوء:

— بس إنت مش زيه.

نظر إليّ بدهشة.

أكملت:

— إنت غلطت لما خبيت عني، ووجعتني لما اختفيت، بس لما رجعت اعترفت بغلطك، وساعدتني أعرف الحقيقة من غير ما تطلب مقابل.

لمعت عيناه.

— يعني سامحتيني؟

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

— سامحتك على قد ما قلبي قدر… بس الثقة محتاجة وقت.

أومأ.

— وأنا مستعد أستنى.

ثم سكت لحظة، وقال:

— في حاجة كنت عايز أقولها من زمان.

نظرت إليه.

ابتسم بتوتر لم أعهده فيه.

— أنا مش عايز أفضل مجرد صديق أو مستشار في حياتك.

شعرت بأن قلبي يخفق.

قال بصوت هادئ:

— أنا عايز أتقدملك رسمي، وأطلب منك فرصة نبدأ بيها حياة جديدة، لو إنتِ موافقة.

لم أجب فورًا.

كنت أنظر إلى الرجل الذي وقف بجواري في أصعب لحظات حياتي.

الرجل الذي أخطأ، لكنه لم يحاول تبرير خطئه أو إلقاء اللوم عليّ.

الرجل الذي لم يطلب مني أن أتخلى عن أحلامي.

بل ساعدني على تحقيقها.

قلت بابتسامة:

— وإنت فاكر إني هوافق بسهولة كده؟

ضحك.

— لأ طبعًا، أنا عارف إنك صعبة في التفاوض.

ضحكت لأول مرة من قلبي منذ أيام طويلة.

ثم قلت:

— عندي شرط.

اعتدل في وقفته.

— اتفضلي.

قلت:

— مفيش أسرار بينا تاني، ومفيش قرارات تخص حياتنا تتاخد من غير ما نتكلم فيها سوا.

أومأ بجدية.

— موافق.

ثم أضاف:

— وأنا كمان عندي شرط.

رفعت حاجبي.

— إيه؟

ابتسم.

— إنك متبطليش تحلمي أبدًا.

شعرت بدموعي تقترب.

لأن تلك الجملة أعادت إليّ صوت أبي.

“إوعي تسيبي حلمك يا بنتي.”

ابتسمت وأنا أمسح دمعة صغيرة.

— موافقة.


بعد ثلاثة أشهر، اجتمعنا في منزل العائلة.

كان حفلًا بسيطًا، حضره الأقارب والأصدقاء المقربون.

لم أكن أريد مظاهر مبالغًا فيها.

كنت أريد بداية هادئة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *