في الطيارة
كنت سعيدة من أجله.
أعددت عشاءً مميزًا، وانتظرته حتى عاد.
لكن بدلًا من أن يشاركني فرحته، جلس أمامي وقال:
— أنا بقيت في مستوى تاني دلوقتي، ولازم مراتي تكون مناسبة للمستوى ده.
نظرت إليه باستغراب.
— يعني إيه؟
— يعني تبطلي شغل التصميم ده، وتهتمي بشكلك ولبسك، وتتعلمي إزاي تتعاملي مع الناس المهمة.
قلت بحزن:
— وإيه علاقة ده بشغلي؟
نظر إليّ ببرود.
— لأن بصراحة، أنا بدأت أحس إنك بتعطليني.
كانت تلك أول مرة ينطق فيها بهذه الكلمة.
تعطليني!
وكأنني كنت حجرًا مربوطًا بقدمه.
وبعد أشهر من الخلافات، طلب الطلاق.
لم أنسَ كلماته يومها.
— أنا محتاج واحدة تساعدني أطلع لفوق، مش واحدة أفضل أشدها ورايا.
بكيت كثيرًا.
حاولت إنقاذ زواجنا، لكنه كان قد اتخذ قراره.
وفي يوم الطلاق، خرج من المحكمة وهو يبتسم.
أما أنا فعدت إلى منزل أمي، أحمل حقيبة ملابسي وبعض الأوراق وجهاز الكمبيوتر القديم.
لم يكن معي الكثير.
لكن كان معي شيء واحد لم يستطع أخذه.
حلمي.
أعادني صوته إلى الواقع.
— سرحتي في إيه؟
التفت إليه.
— ولا حاجة.
ابتسم بغرور.
— أكيد افتكرتي أيام زمان.
قلت بهدوء:
— أيام وعدت.
اعتدل في مقعده وقال:
— على فكرة، أنا اتغيرت جدًا بعد الطلاق.
لم أعلق.
فأكمل:
— بقيت مدير تنفيذي في شركة كبيرة، ومرتبي اتضاعف كذا مرة، وعندي عربية جديدة وشقة في مكان راقي.
ابتسمت.
— ربنا يباركلك.
بدا منزعجًا من رد فعلي.
ربما كان ينتظر أن أندهش.
أو أسأله عن راتبه.
أو أظهر الندم لأنني فقدت رجلًا ناجحًا مثله.
لكني لم أفعل.
اقترب قليلًا وقال:
— عارفة؟ ساعات الواحد لازم يتخلص من الحاجات اللي بتعطله علشان يعرف ينجح.
توقفت أصابعي فوق صفحات الكتاب.
كنت أعرف أنه يقصدني.
نظرت إليه وقلت:
— وساعات الواحد بيكتشف إنه كان بيعتبر أكبر نعمة في حياته عبء عليه.
تغيرت ملامحه للحظة.
ثم ضحك.
— واضح إنك لسه بتحبي الكلام الكبير.
عدت إلى القراءة.
لكنه لم يصمت.
— إنتِ اتجوزتي بعدي؟
رفعت عيني.
— لأ.
ابتسم ابتسامة غريبة.
— كنت متوقع.
أغلقت الكتاب.
— متوقع إيه؟
— يعني… مش كل الناس بتعرف تبدأ من جديد.
نظرت إليه طويلًا.
كان لا يزال مقتنعًا أن عدم زواجي يعني أنني لم أتجاوزه.
لم يعرف أنني رفضت الزواج لأنني كنت أحتاج إلى الوقت لأتعافى، ثم انشغلت ببناء حياتي.
وأنني لم أعد أبحث عن رجل ينقذني، بل عن شريك يحترمني إن جاء النصيب.