في الطيارة
كل ما أردته أن يبتعد عن حياتي.
لكن يبدو أن الماضي كان يرفض أن يتركني.
وصلت إلى صالة الاستقبال، فوجدت مساعدتي تقف بجوار سيارة سوداء.
اقتربت مني بابتسامة.
— حمد لله على السلامة يا فندم.
— الله يسلمك يا هدى.
أخذت مني الحقيبة الصغيرة، ثم قالت بتردد:
— في حد مستني حضرتك من بدري.
سألتها رغم أنني كنت أعرف الإجابة:
— مين؟
أشارت بعينيها إلى الجهة المقابلة.
التفت.
ورأيته.
كان يقف بجوار أحد الأعمدة الزجاجية، يرتدي بدلة كحلية بسيطة، ويحمل ملفًا أسود تحت ذراعه.
كان أطول قليلًا مما أتذكر.
ظهرت خصلات فضية عند جانبي شعره، لكن ملامحه الهادئة لم تتغير.
سليم.
الرجل الذي عرفته عندما كان عمري اثنين وثلاثين عامًا، وكنت أبدأ أول مشروع كبير في حياتي.
الرجل الذي لم يضحك يومًا على أحلامي.
بل كان أول من قال لي:
“إنتِ مش محتاجة حد يصدق فيكي… إنتِ محتاجة تصدقي في نفسك.”
تقدم نحوي ببطء.
توقف على مسافة مناسبة، وقال بصوت هادئ:
— حمد لله على السلامة.
لم أعرف كيف أرد.
مرت ثوانٍ طويلة قبل أن أقول:
— سليم؟!
ابتسم ابتسامة حزينة.
— أيوه… أنا.
نظرت إليه بعتاب لم أستطع إخفاءه.
— بعد سنتين؟!
خفض عينيه.
— عارف إن رجوعي بالشكل ده غريب.
قلت بحدة:
— غريب؟! إنت اختفيت من غير كلمة واحدة، وبعد سنتين تظهرلي في المطار وكأن مفيش حاجة حصلت!
أومأ برأسه.
— معاكي حق تزعلي.
ضحكت بمرارة.
— أنا مش زعلانة… أنا بس مستغربة.
نظر إلى الملف الذي يحمله.
— أنا جيت علشان موضوع مهم، ومكنش ينفع أستنى لبكرة.
شعرت بأن الأمر يتعلق بالتقرير.
فسألته:
— له علاقة بطليقي؟
رفع عينيه نحوي.
— أيوه.
تجمدت.
ثم قال الجملة التي غيرت كل شيء:
— طليقك ما طلقكيش علشان شغلك كان بيعطله… هو طلقك علشان كان خايف تكتشفي اللي عمله باسمك.
جلسنا في قاعة هادئة ملحقة بالمطار.
طلبت من هدى الانتظار خارجًا، ثم جلست أمام سليم.
وضعت حقيبتي بجواري، وقلت:
— اتكلم.
فتح الملف الأسود وأخرج مجموعة من الأوراق.
— قبل ما أقولك أي حاجة، لازم تعرفي إني ماكنتش متأكد من الحقيقة كلها غير من أسبوعين.
نظرت إليه بتركيز.
— حقيقة إيه؟
دفع نحوي صورة مستند قديم.
كان عقدًا لتأسيس شركة صغيرة.
قرأت الاسم المكتوب في أعلى الصفحة.
وتوقفت.
كان اسم شركة لم أسمع عنها من قبل.
لكن المفاجأة كانت في الصفحة الأخيرة.