في الطيارة
كما جرت مراجعة السجلات المصرفية والتعاقدات القديمة.
لم تكن العملية سريعة.
مرت أسابيع طويلة من الاجتماعات والتحقيقات.
وفي كل مرة كنت أشعر بالتعب، كنت أتذكر أمي وأبي.
لم أكن أبحث عن الانتقام.
كنت أبحث عن الحقيقة.
وبعد مراجعات متتابعة، ظهرت أدلة تدعم أن فؤاد أخفى معلومات جوهرية عن حقوق الورثة، وأن بعض التوكيلات استُخدمت خارج نطاقها، وأن هناك معاملات مالية أُجريت دون موافقة صحيحة من أصحاب الحقوق.
أما داليا، فقد قدمت إفادتها، وسلمت نسخًا من مراسلات قديمة.
وكانت شهادتها جزءًا مهمًا من كشف تسلسل الأحداث.
وفي إحدى الجلسات، ظهر فؤاد.
الرجل الذي كنت أناديه يومًا “يا عمو”.
جلس أمامي، وقد اختفت من وجهه الثقة القديمة.
نظر إليّ وقال:
— أنا كنت بحاول أحافظ على الشركة.
لم أستطع منع نفسي من الرد.
— وتحافظ عليها بأنك تخدع أمي وتخبي ميراث أبويا؟
خفض عينيه.
قال:
— الأمور كانت معقدة.
أجبته:
— التعقيد مش مبرر للخيانة.
ثم أضفت:
— إنت كنت صاحب أبويا، وكان مأمنك على حقنا.
لم يجب.
كانت تلك آخر مرة تحدثت إليه فيها بشكل مباشر.
تركت الأمر للقانون.
مرت عدة أشهر.
وخلال تلك الفترة، صدرت قرارات قضائية لصالحنا في بعض المنازعات، وأُبطلت آثار مستندات ثبت عدم صحة استخدامها، وأُعيد تسجيل حصص ملكية بعد التحقق من السجلات الأصلية.
كما استمرت إجراءات أخرى تتعلق بالتحويلات المالية والمسؤوليات الفردية.
لم أسترد كل شيء دفعة واحدة.
لكنني استعدت الأهم.
حقي في معرفة الحقيقة.
وحق والدي ووالدتي في ألا تضيع أمانتهما.
أما شركتي، فقد تجاوزت الأزمة بعد إعادة تنظيم إدارتها وفصل الملفات المتنازع عليها عن أعمالها اليومية.
وفي يوم إعلان نتائج المراجعة النهائية للمساهمين، وقفت أمام الموظفين وقلت:
— النهارده مش يوم انتصار على أشخاص. النهارده يوم بنثبت فيه إن أي مؤسسة لازم تقوم على الأمانة والشفافية، وإن النجاح اللي بيتبني على ظلم الناس عمره ما يكون نجاح حقيقي.
صفق الحاضرون.
لكن عيني كانت تبحث عن شخص واحد.
سليم.
كان واقفًا في آخر القاعة.
يبتسم بهدوء.
بعد انتهاء الاحتفال، خرجت إلى الشرفة الواسعة.
كانت الشمس تميل إلى الغروب.
وقفت أراقب السماء، وأشعر براحة لم أعرفها منذ سنوات.
سمعت خطوات خلفي.
ثم صوته.
— ممكن أقف معاكي شوية؟
ابتسمت.