في الطيارة

بداية لا تقوم على الخوف أو التظاهر.

بل على الاحترام والمودة.

وفي يوم عقد قراننا، كنت أجلس بجوار صورة أبي وأمي.

أمسكت رسالة أبي القديمة، وقرأت سطرها الأخير مرة أخرى.

“وإذا جاء في حياتك رجل يحبك حقًا، فستعرفينه من الطريقة التي يحترم بها أحلامك.”

ابتسمت والدموع في عيني.

ثم همست:

— أهو جه يا بابا… بس المرة دي أنا اخترت بعقلي وقلبي.

دخلت هدى الغرفة وهي تضحك.

— يا عروسة، الناس كلها مستنياكي!

ضحكت.

— جاية أهو.

وقفت أمام المرآة.

كنت أرتدي فستانًا أنيقًا محتشمًا بلون عاجي، وحجابًا بسيطًا.

لم أكن أشبه المرأة التي وقفت قبل سنوات أمام المحكمة تبكي نهاية زواجها.

كنت امرأة أخرى.

امرأة تعلمت أن الفشل في علاقة لا يعني الفشل في الحياة.

وأن الطلاق قد يكون نهاية طريق مؤلم، لكنه ليس نهاية الأمل.

وأن الكرامة ليست رفاهية.

بل أساس أي علاقة تستحق الاستمرار.


بعد عقد القران، اقترب سليم مني.

كان يبتسم بسعادة واضحة.

قال بصوت منخفض:

— مبروك يا مدام.

ضحكت.

— الله يبارك فيك يا أستاذ سليم.

نظر إليّ بحنان.

— تعرفي أنا كنت مستني اليوم ده من إمتى؟

ابتسمت.

— من إمتى؟

قال:

— من أول يوم شفتك فيه واقفة قدام لجنة التصميم، وإيدك بتترعش وإنتِ بتشرحي فكرتك.

ضحكت.

— معقول؟!

أومأ.

— يومها قلت لنفسي إن البنت دي عندها حاجة مختلفة.

سألته بمزاح:

— وإيه الحاجة المختلفة دي؟

قال:

— إنها بتخاف… بس مبتستسلمش.

نظرت إليه طويلًا.

ثم قلت:

— وإنت علمتني إن مش كل الناس اللي بنثق فيها لازم تجرحنا.

ابتسم.

— وأنا اتعلمت منك إن الحب من غير صراحة ممكن يضيع أحلى حاجة في الدنيا.

كانت تلك اللحظة بداية حقيقية.

لا تشبه البدايات الحالمة التي كنت أتصورها في شبابي.

بل بداية ناضجة، تعلمنا فيها أن الحب يحتاج إلى الصدق والصبر والاحترام.


مرت سنة كاملة.

كبرت الشركة أكثر.

وافتتحنا فرعًا جديدًا.

أما سليم، فأسس مكتبًا مستقلًا للاستشارات المالية، وأصبح لكل منا عمله ومسؤوليته.

كنا نتشارك الرأي، وندعم بعضنا، دون أن يحاول أحدنا السيطرة على الآخر.

وفي أحد الأيام، كنت أجلس في مكتبي عندما دخلت هدى تحمل ظرفًا.

قالت:

— في جواب وصل لحضرتك.

نظرت إلى الظرف.

كان من طليقي.

ترددت لحظة.

ثم فتحته.

كانت بداخله رسالة قصيرة.

“أنا عارف إن اعتذاري مش هيغير اللي حصل.

بس حبيت أقولك إنك كنتِ أعظم فرصة ضيعتها بإيدي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *