في الطيارة

كانت الجملة كافية لتكشف أنه ما زال ينظر إلى كل شيء من زاوية نفسه.

قلت بهدوء:

— مستقبلك مش مسؤوليتي، لكن اسمي وسمعتي ومسؤولية الموظفين اللي شغالين هنا مسؤوليتي. ومش هسيب حق حد يضيع.


خرج طليقي من القاعة بعد دقائق.

بقي سليم جالسًا أمامي.

كان الصمت بيننا أثقل من كل الكلمات.

أخيرًا قال:

— أنا عارف إنك مش هتسامحيني بسهولة.

نظرت إلى النافذة.

— إنت عارف أنا اتوجعت قد إيه لما اختفيت؟

خفض رأسه.

— عارف.

قلت:

— لأ، متعرفش.

التفت إليه.

— أنا بعد طلاقي كنت بخاف أثق في أي حد. ولما عرفتك، حسيت إن الدنيا لسه فيها ناس كويسة. كنت أول واحد يسمعني من غير ما يسخر مني، وأول واحد يفرح بنجاحي من غير ما يحسسني إني بنافسه.

توقفت لحظة.

ثم أكملت:

— ولما اختفيت، فضلت شهور أسأل نفسي أنا عملت إيه غلط.

قال بصوت مخنوق:

— إنتِ معملتيش حاجة غلط.

— أمال ليه مشيت؟

تنفس بعمق.

— لأن بعد ما بدأت أراجع الملفات، اكتشفت إن في مستندات مزورة باسم مكتبنا، وإن الموضوع أكبر مما تخيلت. سافرت علشان أتابع القضية مع محامين ومراجعين مستقلين، وبعدها حصلت مشاكل خلتني مضطر أبعد عن المشروع كله فترة.

سألته:

— وليه ما اتصلتش؟

نظر إليّ بعينين حزينتين.

— كنت خايف أرجعلك بنص حقيقة، وأخسرك لما تعرفي إني خبيت عنك من الأول.

ضحكت بمرارة.

— فقررت تخسرني من غير ما تديني فرصة أختار؟

سكت.

كانت تلك أول مرة أرى سليم عاجزًا عن إيجاد إجابة.

ثم قال:

— معاكي حق.

أغمضت عيني لحظة.

كنت أريد أن أصدقه.

لكن الثقة التي تتصدع لا تعود بكلمة اعتذار.

قلت بهدوء:

— أنا محتاجة وقت يا سليم.

أومأ.

— خدي كل الوقت اللي تحتاجيه.

ثم وقف وأضاف:

— بس قبل ما أمشي، في حاجة لازم تعرفيها.

نظرت إليه.

— إيه؟

أخرج من حقيبته ظرفًا صغيرًا.

— ده خطاب قديم من والدك، الله يرحمه.

تجمدت في مكاني.

— بابا؟!

أومأ.

— أيوه.

شعرت بأن قلبي توقف للحظة.

والدي توفي قبل زواجي بعام.

كيف وصل خطاب منه إلى سليم؟

مددت يدي وأخذت الظرف.

كان أصفر اللون، وقد ظهرت عليه آثار الزمن.

وعندما رأيت الخط المكتوب على واجهته، شعرت بدموعي تنهمر.

كان خط أبي.

الخط نفسه الذي كنت أراه في دفاتر حساباته القديمة.

قرأت اسمي المكتوب عليه.

ثم رفعت عيني إلى سليم.

— إنت جبت ده منين؟

قال بهدوء:

— من أوراق قديمة كانت عند والدي.

نظرت إليه بصدمة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *