شـ.ـعرت بالعطس

ظل جامدًا للحظات، بالكاد يصدق أنه ماثل أمامه بالفعل، شعر بضياع الحروف وأنه لا يفقه شيء عن الكلام، فما عاد بمقدوره أن يتحدث، فتابع الآخر بسخرية وهو يرى توتره بداخل عينيه :- إيه يا واد أبوي مفكر إني مهرچعش ؟ لاه دة بيت أبوي وبيت عيالي يعني لينا فيه كيفك بالظبط .

ثم حول بصره نحو البقية، ليلاحظ ابن أخيه الذي أصبح شابًا يافعًا، غير الذي تركه منذ أربعة عشر عامًا، وتلك الصغيرة التي كانت تركض في الفناء كَبُرت هي الأخرى، كم هي قاسية القلوب التي تحرمنا من عيش اللحظات بأمان وحب، لاحظ غياب الاثنتين ولكنه لم يكترث فكل ما يهمه الآن كيفية التصرف وفقًا لهذا الموقف، أردف بسخرية :- وه وعلمت عيالك قلة الأصل مش يقولوا إزيك يا عمي !

خرج عن طور صمته وقد قرر أن يرد له الصاع صاعين، فهتف بغضب :- كيف ما عملت مع وِلدك يا عامر .

رفع شفته باستخفاف وردد بهدوء :- لاه أنا علمتهم الأصول، بس أديهم الفرصة أنت .
ثم نظر لأبنائه قائلًا بصرامة :- هِم يا وِلد منك ليه سلموا على عمكم .

لم يتزحزح منهم أحد، وكل ما كانوا يفعلوه هو إطلاق نظرات صوبه، لو كانت رصاصًا لقتلت، ولو كانت نارًا لحولته لكومة رماد، تقدم الابن الأصغر الذي جز على أسنانه بعنف، فالود فوده يقسمه لنصفين، ولكنه لن يفعل ما يصغر والده، مد يده ليصافحه هاتفًا من تحت ضروسه :- أهلًا يا عمي كيفك ؟ ©بقلم زكية محمد

قال ذلك ثم سحب يده سريعًا، كما لو كانت عدوى ستصيبه، ليردها له بغيظ مكبوت :- يا مرحب بيك يا مؤمن، مش مؤمن بردك ؟

هز رأسه بموافقة وذهب ليقف إلى جوار والدته، بينما طالع “عامر” ابنيه وهو يحذرهما بعينيه بأن ينفذا ما قاله لتوه، زفر ” خالد” بضجر وقد قرر الامتثال لوالده، فتقدم نحوه وألقى عليه التحية، ومن ثم وقف بعيدًا ينتظر ذلك الفهد الحبيس، والذي على وشك أن يفتك بفريسته .

لم يرفع مقلتيه عنه منذ أن وطئت قدماه المكان، ينظر له بحقد فهو لم ينسى ما فعله بهم، ولن ينسى وسيريه نتيجة خطأه الفادح ذاك، وأنه سيندم أشد الندم على فعلته، أصطكت أسنانه ببعضها بقوة محدثة صوتًا، وأذنيه يخرج منهما نيران لو طالته لأردته قتيلًا .
سار تجاهه وهو على نفس الحالة، ليقف قابلته ويمد له كفه ببرود، ليصافحه الآخر وهو يزدرد ريقه بتوتر،
فضغط على كفه بقوة وكأنه يرسل له رسالة تحذيرية، بأن القادم لا يبشر بالخير .

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *