شـ.ـعرت بالعطس
كان مقيد حركتها بالكامل ومستمر فيما يفعله غافلان عن تلك الأعين المصدومة التي تراقب ما يحدث عن كثب بذهول .
دفعته بكل قوتها حينما دقت أجراس الخطر، وأن القادم لا يبشر بالخير، وبالفعل نجحت في ذلك فأختل توازنه وتراجع للخلف، فانتهزت هي ذلك ثم ركضت بكل سرعتها من هذا المكان .
ولجت للداخل بحذر وحمدت الله أنه لا يوجد أحد متيقظ، فركضت مسرعة للمرحاض وجلست تحت المياه المتدفقة عليها بعد أن فتحت الصنبور، وهي تبكي بحرقة و تمسح بعنف مكان لمساته التي ما زادتها إلا تقززًا و احتراقًا .
أما هو هتف بضعف وهو يستند على الجدار :- استني روحتي وين متهملنيش.
وضع الوشاح الذي بيده على أنفه، وأخذ يستنشق عبيرها الأخاذ، ثم عاد إلى أدراجه ووصل لغرفته و ألقى بنفسه على الفراش، وهو لا يزال محكمًا بيده على ذلك الوشاح بامتلاك شديد، وسرعان ما ذهب في نوم عميق و رائحتها تتغلغل في صدره، تزرع بوادر من عشق يطفئ لهيب حقد .
★★★★★★★★★★★★★
قبيل ذلك بسويعات يسير دون هوادة، يبحث عنها وهو يشعر بأن جبال الهموم تجثو فوق صدره، لم يترك ثغرة إلا وبحث عنها فيها، لا يصدق الدوامة التي يدور فيها والتي قذفته شقيقته فيها، كسرت ظهره الذي كان يقف كالتمثال الشامخ، ولم تكتفي بذلك بل هربت لتثبت قول الزور والبهتان بحقها، ماذا يفعل وكيف سيتصرف ؟ لكن إلى هنا وكفى سيعثر عليها وبعدها سيمحو ذلك الغبار الذي نثرته على جدار شرف عائلتهم، نعم هذا هو الحل الوحيد ليعيد بناء ظهره، فهو لا يستحق أبدًا أن يتلقى منها ذلك، فهو كان إلى جوارها خطوة بخطوة، لم يشأ أن يبدد أحلامها التي نسجتها، تحدى الظروف والعرف السائد لتكون بالأخير هذه هي النتيجة، وأن هذا هو رد الجميل .
★★★★★★★★★★★★★★★★★
استيقظ بكسل واعتدل واضعًا ظهره على الوسادة خلفه، هز رأسه بقوة بسبب الدوار الذي يشعر به، وهو يتطلع حوله وكأنه يتواجد لأول مرة بالغرفة، شعر بملمس ناعم بيده فرفع كفه فوجد وشاحًا يلفه حول يده فنظر له بدهشة قائلًا بتعجب جلي :- إيه دة كمان!
ثم فجأة بدأ عقله يسترجع بعض الصور عما حدث بالأمس، وبعض الومضات تمر أمامه كشريط سينمائي، فقفز في مكانه قائلًا بهلع :- أنا عملت إيه؟ عملت إيه؟ ومين اللي كانت وياي ! يا رب ما تكون هي يا رب ما تكون هي…
أخذ يسير ذهابًا و إيابًا كالزوبعة التي ثارت في منتصف البحر، وهو يعتصر ذهنه كي ينتشل صورة تلك الفتاة من بين تلك الومضات ولكنه فشل في ذلك، دق قلبه بعنف وهو يتصور أن من كانت معه هي” نورا”، وردد بوجل ما الذي فعله بها ؟ لم تسعفه ذاكرته بشيء، وكأنه فقد الذاكرة في تحديد هويتها.